خلف جدران بيت الرهبر
من يمسك بزمام «العمامة والسلاح» فى طهران؟
ياسمين علاء
بينما كانت سحب الدخان لا تزال تغطى سماء طهران عقب الضربة المزلزلة التى استهدفت المربع الأمنى، لم يكن مجلس خبراء القيادة وحده هو من يقرر هوية الرجل الثالث فى تاريخ الجمهورية الإسلامية.
فى الغرف المغلقة، وتحت حماية الحرس الثورى، كان ثمة سيناريو يُطبخ على نار هادئة منذ سنوات، عنوانه: «الابن الذى صار ظلًا.. والظل الذى صار حاكمًا».
اليوم، وبعد أسابيع من تولى مجتبى خامنئى منصب المرشد الأعلى فى مارس 2026، يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا فى الصحافة العربية والعالمية، وحتى داخل أزقة «بازار» طهران: كيف تُدار إيران الآن؟ وهل مجتبى هو الحاكم الفعلى، أم أنه واجهة لتحالف «العمامة والبندقية»؟
المرشد «الخفى»
منذ تنصيبه المثير للجدل، يلف الغموض تحركات مجتبى خامنئى بشكل غير مسبوق.
غاب الرجل عن احتفالات «عيد النوروز» الرسمية، ولم يظهر فى خطابات حية تخاطب الجماهير المثقلة بالأزمات الاقتصادية والتوترات العسكرية.
وتشير تقارير استخباراتية، تداولتها صحف إقليمية ودولية، إلى أن المرشد الجديد قد يكون تعرض لإصابة أو تشوه جسدى خلال الهجوم الذى أودى بحياة والده، وهو ما يفسر اكتفاءه بالبيانات المكتوبة التى وصفتها بعض الدوائر السياسية بالبروتوكولية والضعيفة.
لكن خلف هذا «الاختفاء القسرى» أو «الأمنى»، تُدار الدولة بعقلية «الصندوق الأسود». فمجتبى ليس وافدًا جديدًا على أروقة السلطة؛ لقد قضى عقدين من الزمان كـ«بواب» لوالده، يُدير مكتبه الضخم (بيت الرهبر)، ويتحكم فى تدفق المعلومات، ويبنى شبكة ولاءات معقدة داخل جهاز الاستخبارات والموازنات المالية الضخمة التابعة للمرشد، هو لا يحتاج للظهور ليحكم، فقد تعلم أن السلطة الحقيقية تكمن فى «الصمت».
مثلث الحكم
بناءً على المعطيات المسربة من الصحافة الإيرانية المعارضة والتقارير الدبلوماسية الدولية، لم يعد الحكم فى طهران «فرديًا مطلقًا» كما كان فى عهد على خامنئي. نحن أمام «ثلاثية حكم» غير معلنة تدير المشهد المعقد:
- مجتبى خامنئى: وهو يمثل «الشرعية الوراثية» واستمرارية النهج، هو الذى يمسك بـ«الختم المقدس» للمرشد، لكنه يفتقر إلى «الكاريزما الدينية»، و«الدهاء السياسى» والمشروعية التاريخية.
لذا، فإنه يدير الأمور عبر «تفويض أمنى» لا سياسى، معتمدًا على جهاز استخبارات «بيت الرهبر» الذى يتفوق أحيانًا على استخبارات الدولة.
• الحرس الثورى الإيرانى: هو الشريك الأكبر والفعلى، وتشير المصادر إلى أن قيادات الحرس هى من ضغطت بقوة لتمرير انتخاب مجتبى بـ50 صوتًا داخل مجلس الخبراء، وهى أغلبية ضئيلة تعكس انقسامًا داخليًا.
الحرس اليوم لا يحمى النظام فحسب، بل هو «النظام» ذاته؛ يدير الاقتصاد الموازى، والبرنامج النووى، وأذرع «محور المقاومة» فى الخارج.
- الأصوليون المتشددون: يمثلهم رجال دين راديكاليون يخشون من سقوط «هيبة العمامة». هؤلاء يمنعون أى انزلاق نحو «الإصلاح» أو «التفاوض» مع الغرب، معتبرين أن مجتبى هو «الحصن الأخير» لمنع انهيار المنظومة العقائدية للدولة.
«المرشد الرقمى»
تحت قيادة «مجتبى»، لم تعد إدارة الدولة الإيرانية تكتفى بالخطب المنبرية أو الحشود المليونية، بل بدأت طهران تتبنى علانية نموذجًا «صينيًا- روسيًا» صارمًا فى الإدارة الداخلية.
تشير التقارير المتواترة من داخل «بيت الرهبر» إلى أن «المرشد الخفى» يشرف بنفسه على مشروع «الإنترنت القومى» (الشبكة الوطنية للمعلومات)، وهو المشروع الذى يهدف لعزل الداخل عن العالم، وتشديد الرقابة الرقمية لتصبح خانقة.
فى إيران مجتبى، تُدار الأمور الآن عبر «خوارزميات أمنية» متطورة تراقب الشارع، وتحلل البيانات الضخمة للتنبؤ بالاحتجاجات ومنعها قبل وقوعها. فالرجل يؤمن بعمق أن بقاء النظام فى عام 2026 مرهون بـ«الأمن السيبرانى» والسيطرة على تدفق المعلومات، وهو ما يفسر توجيهه لاستثمارات ضخمة من ميزانية الدولة والشركات التابعة للمرشد نحو هذا القطاع السيادى.
لكن «الذكاء الاصطناعى» الذى يستخدمه مجتبى لقمع الداخل، هو نفسه السلاح الذى تشهره واشنطن لتفكيك النظام من الخارج. وهنا تبرز مفارقة استراتيجية كشفت عنها شركة «بالانتير تكنولوجيز» (Palantir) العملاقة؛ حيث اعتبر كبير مسؤولى التكنولوجيا فيها، «شايام سانكار»، أن الصراع الحالى مع إيران يُخلد كأول «حرب ذكاء اصطناعى» واسعة النطاق فى التاريخ الحديث. واشنطن لم تعد تعتمد على الجاسوس التقليدى فحسب، بل أطلقت نظام «مافن سمارت» (Maven Smart)، وهو منصة رقمية فائقة الذكاء تتعامل مع تدفقات هائلة من البيانات لتسريع اتخاذ القرار الاستراتيجى وتحسين «كفاءة الاستهداف» بدقة جراحية لا تخطئ.
كيف تُتخذ القرارات المصيرية؟
فى ظل التهديدات الإسرائيلية المستمرة والضربات المتبادلة التى تعيد رسم خارطة النفوذ فى المنطقة، لم يعد القرار فى طهران مجرد صدى لخطابات المنابر، بل أضحى يخرج عبر مسارين متوازيين يحكمان قبضة النظام على الواقع. المسار الأول هو «المسار الميداني»، وهو المسار الذى يقوده «مجلس الأمن القومى الأعلى» تحت هيمنة مطلقة لقادة الحرس الثورى، وعلى رأسهم أسماء مثل «محمد كرمي» وقادة «فيلق القدس»؛ حيث يتم اتخاذ قرارات الرد العسكرى والعمليات الخارجية العابرة للحدود فى غرف مغلقة، ودون الرجوع بالضرورة إلى المؤسسات المدنية أو البرلمان الذى بات يشاهد الأحداث كغيره من المتابعين. وفى هذا المشهد، يلعب «مجتبى خامنئى» دورًا محوريًا إذ يمنح الحرس صكًا على بياض لإدارة الحرب وتحديد وتيرة التصعيد، موفرًا لهم الغطاء الشرعى والسياسى اللازم للتحرك بعيدًا عن الرقابة البيروقراطية.
صراع الأجنحة الصامت
داخل أروقة السلطة فى طهران، هناك «تململ» مكتوم. تذكر صحف محلية معارضة ودولية أن اختيار مجتبى لم يكن بالإجماع. ثمة أجنحة داخل «الحوزة العلمية» فى قم ترى فى توريث السلطة «بدعة» تخالف روح الثورة الإسلامية التى قامت ضد نظام الشاه الموروث. هذا الصراع الصامت هو ما يجعل مجتبى «متوجسًا»؛ فهو لا يخشى المعارضة فى الشارع بقدر ما يخشى «انقلاب القصور» من داخل البيت الشيعى الحاكم. لذا، يعتمد فى إدارته على سياسة «التطهير الهادئ» لخصومه واستبدالهم بوجوه شابة، يجمعون بين الولاء المطلق والخبرة الإدارية.
أين «المرشد الجديد»؟
تؤكد التقارير أن مجتبى يتنقل بين «ملاجئ باليستية» محصنة تحت جبال البرز وفى مشهد، متجنبًا استخدام الهواتف الذكية أو الاتصالات الرقمية، خشية من الاختراقات الاستخباراتية المتطورة. هذا «الغياب الفيزيائى» عن الساحة العامة حوّل إيران إلى دولة تُدار بـ«الريموت كنترول» الأمنى.
التحدى الأكبر أمام مجتبى خامنئى ليس «الشرعية السياسية» فقط، بل هو «جيل زد» الإيراني؛ الشباب الذين لا يربطهم بالنظام أى رابط أيديولوجى، والذين يرون فى «المرشد الخفى» رمزًا للقمع والجمود. فإذا فشل مجتبى فى تحسين الوضع المعيشى المتدهور، فإن تحالف «العمامة والبندقية» قد يجد نفسه فى مواجهة مباشرة مع شارع لم يعد لديه ما يخسره.
المرشد الجديد لا يحكم لأنه «الفقيه الأعلم»، بل لأنه «الرجل الذى يملك مفاتيح الخزائن وأسرار الأجهزة السيادية». والسؤال الحقيقى الذى تتركه الأيام القادمة مفتوحًا: هل ينجح «مجتبى» فى تحويل «إيران المرتبكة» إلى دولة مؤسسات أمنية مستقرة، أم أن غيابه عن العيون سيعجل بسقوط النظام من الداخل تحت وطأة «الغموض» والضغوط؟







