هل تدفع الخسائر واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض
حرب الأهداف المتغيرة
آلاء البدرى
مذكرة الـ15 بندًا أولى الخطوات نحو طريق السلام
الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أعادت رسم المشهد الإقليمى، حيث تحولت أذرع إيران العسكرية فى العراق ولبنان وحتى الجماعات المسلحة الصغيرة إلى أدوات استنزاف للقوة الأمريكية فى الشرق الأوسط والخليج، وبنهج إعادة التموضع تحولت أهداف إيران من الدفاع عن النظام إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية، وصولًا إلى استهداف المواقع النووية الإسرائيلية، الأمر الذى أبرز دور تغير الأهداف وما يفرضه من كلفة متزايدة سواء عسكرية أو اقتصادية أو بشرية على جميع الأطراف فى دفعهم نحو فرض السلام والجلوس على طاولة المفاوضات.
خطة الخمسة عشر بندًا الأمريكية
إن التغير السريع فى الأهداف العسكرية ولا سيما استهداف المواقع النووية فى إيران وإسرائيل كان العامل الحاسم وراء التحرك الأمريكى الأخير، فقد شكلت العملية الإيرانية على ديمونة وعراد نقطة تحول دفعت واشنطن إلى إرسال مذكرة من خمسة عشر بندًا تدعو إلى وقف إطلاق النار والانخراط فى المفاوضات.
وبحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز فإن الإدارة الأمريكية سلمت عبر باكستان خطة من 15 نقطة إلى إيران لإنهاء الحرب فى الشرق الأوسط فى محاولة لإيجاد مخرج من صراع طال أمده وأثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي.
ورغم أن الخطة ما زالت محاطة بالغموض فلا يعرف مدى تداولها بين المسئولين الإيرانيين ولا إن كانت طهران ستقبل بها كأساس للتفاوض، كما أن موقف إسرائيل التى تشارك الولايات المتحدة فى قصف إيران لم يتضح بعد بشأن هذا المقترح، إلا أن مجرد طرح خطة تهدف إلى وقف إطلاق النار يعكس تكثيف الجهود الدولية التى تشارك فيها مصر وقطر وباكستان وتركيا ودول أخرى لإنهاء حرب دخلت أسبوعها الرابع، وبدأت تستقطب أطرافًا إقليمية ودولية أخرى مما يجعل المفاوضات ضرورة لا خيارًا
التكتيك الإيرانى
يؤكد خبراء المركز الأوروبى للعلاقات الخارجية، أنه لن يكون هناك منتصر حقيقى، ولكن تغير الأهداف غير مسار الحرب فمنذ بداية الحرب اتسمت الاستراتيجيته الإيرانية بالمرونة والتدرج، إذ انتقلت من الدفاع الصلب إلى استراتيجية الاستنزاف مع إعادة صياغة أهدافها من حماية النظام إلى رفع كلفة الصراع على خصومها، وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن بقاءها لاعبًا مركزيًا ففى بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وركزت طهران على حماية بنيتها الداخلية خصوصًا عبر الحرس الثورى الذى يمثل العمود الفقرى للنظام الهدف الأساسى كان منع انهيار سريع أو اختراق مباشر للبنية المؤسسية، وهو ما جعل سيناريو إسقاط النظام بسرعة غير واقعى، بالإضافة إلى الهجمات الإيرانية التى ركزت على العاصمة الإسرائيلية تل أبيب ومراكز حضرية كبرى باستخدام صواريخ متطورة وعنقودية لإحداث صدمة سياسية وعسكريةو مع اتساع نطاق العمليات، ودخول أذرع ايران العسكرية الحرب بقوة تبنت إيران تكتيك رفع الكلفة على الخصوم عبر استهداف الممرات الحيوية للطاقة وإشعال توترات إقليمية.
وهذا النهج لم يكن يهدف إلى تحقيق نصر عسكرى مباشر بل إلى جعل استمرار الحرب مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا للولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر، وبينما كانت واشنطن وتل أبيب تعانيان من تباين فى تحديد أهدافهما النهائية، استغلت إيران هذا الغموض لإحداث تحول نوعى فى ضرباتها، حيث استهدفت منطقة ديمونة التى تضم مفاعلًا نوويًا حساسًا وهو ما اعتبر رسالة ردع جديدة لإسرائيل والولايات المتحدة ورفع مستوى التهديد من مجرد استهداف مدنى إلى تهديد وجودى ورغم الضربات المضادة على منشآت نووية ومنصات صواريخ الإيرانية بقيت إيران محافظة على قدراتها العملياتية. ويرى الخبراء أن تغير الأهداف أيضًا كان من أجل تعزيز إيران لموقعها التفاوضى، خاصة أن أمريكا كانت قد أعلنت عن أهدافها إسقاط النظام وتدمير القدرات العسكرية وإنهاء سريع للصراع، لكنها لم تستقر على مسار واضح، مما منح إيران مساحة كبيرة للمناورة.
وهى لم تكتف بالدفاع بل سعت إلى إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية فى المنطقة عبر تعزيز حضورها فى ملفات الطاقة والممرات البحرية، وإبراز نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها فى أى تسوية مستقبلية، ولكن رغم ثبات الاستراتيجية الحربية الإيرانية التى أظهرت تميز نوعى كبير إلا أن الأهداف الإيرانية تغيرت بين مراحل الحرب، فى البداية كان الهدف حماية النظام ثم تحول إلى إطالة أمد الحرب لإضعاف خصومها، وأخيرًا إلى فرض نفسها كطرف لا غنى عنه فى أى ترتيبات إقليمية أو دولية مما عكس قدرة إيران على التكيف مع الضغوط وتحويل التهديدات إلى فرص استراتيجية.
التخبط الأمريكى
أما الجانب الأمريكى فقد عانى منذ بداية الحرب على إيران من تخبط واضح فى الأهداف، وحتى التصريحات حيث لم يقدم رؤية متماسكة أو خطة استراتيجية يمكن البناء عليها، ففى 28 فبراير طرحت الدعوة إلى انتفاضة داخلية لإسقاط الحكومة الإيرانية ثم تحولت الأهداف سريعًا إلى منع امتلاك السلاح النووى وتدمير برنامج الصواريخ الباليستية القادرة على حمل الرءوس النووية والأسطول البحرى الإيراني.
وفى 2 مارس تغير الجدول الزمنى المعلن، فتارة يقال من خلال ترامب ووزير دفاعه إن الحرب ستستمر أربعة أسابيع، وتارة أخرى يترك الأمر مفتوحًا بلا سقف زمنى بل تنتشر تصريحات تشير إلى أن الحرب يمكن أن تخاض إلى الأبد.
وفى 4 مارس أعلنت أمريكا أن الهدف هو تدمير البنية التحتية الأمنية، ثم فى 6 مارس رفعت شعار الاستسلام غير المشروط لإيران، أما فى 8 مارس وصف وزير الدفاع الضربات بأنها مجرد بداية، بينما قال الرئيس فى اليوم نفسه إنها مكتملة إلى حد كبير قبل أن يعود فى 11 مارس ليؤكد أن النصر تحقق، لكن المهمة لم تنته.
صراع بلا رؤية
وفى 13 مارس خفف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من دعوته للإيرانيين لإسقاط حكومتهم معلنًا أن الحرب ستنتهى عندما يشعر بذلك فى أعماقه، ثم فى 20 مارس تحدث عن تقليص العمليات العسكرية دون وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الأهداف باتت قريبة من التحقق.
وأخيرًا أعلن عن مفاوضات ولكن إيران نمت ذلك وهذا التبدل المستمر بين الدعوات لإسقاط النظام وتدمير القدرات العسكرية والاستسلام غير المشروط ثم الاكتفاء بالضغط النفسى أو تقليص العمليات والسعر إلى التفاوض، أكد أن هناك ارتباكًا عميقًا وغموضًا فى الهدف الحقيقى عند الولايات المتحدة.
ويؤكد أن الحرب لم تحقق أدنى ما أعلنته واشنطن وتل أبيب بل تحولت إلى صراع بلا رؤية واضحة مما أثار شكوكًا دولية حول جدواها
الاستغلال الإسرائيلى
على عكس التخبط الأمريكى، كان واضحًا أن إسرائيل تستغل الجميع لتحقق أهدافها فى إسقاط النظام الإيرانى، أو إحداث فوضى أبدية فى الداخل الإيرانى قبل أن يتغير الموقف الأمريكى من الداخل، حيث لا يزال يحظى التحالف العسكرى فى إسرائيل بدعم واسع من الحزبين الأمريكيين، خاصة مع الانخراط المباشر لواشنطن فى العمليات.
ومع ذلك تميل إسرائيل إلى تفضيل حرب خاطفة وحاسمة مدفوعة بقدراتها العسكرية المحدودة، خاصة مع النقص فى مخزون صواريخ الاعتراض الدفاعية، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية المتزايدة للحرب ورغم ثقتها بقدرتها على المواجهة مع الولايات المتحدة فإنها من الممكن أن تجد نفسها منخرطة فى حملة استنزاف طويلة الأمد مع إيران تتسم بعدم اليقين.
وإيران تعرف تاريخيا أنها من الدول التى تجيد استنزاف الخصوم وتجيد التعامل مع الحروب الطويلة، وفى حال قررت الولايات المتحدة إنهاء الحرب بشكل مفاجئ من دون تحقيق الطموحات الإسرائيلية فى تغيير النظام فإن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة إلى القبول بهذا القرار بحكم اعتمادها العسكرى والسياسى العميق على واشنطن.
وستخرج إسرائيل من الحرب الخاسر الأكبر لا أهدف تحققت واحتمال حدوث إنقلاب داخلى على حكومة نتنياهو المتطرفة، بالإضافة إلى تدمير كبير لمنظومتها الدفاعية غير الآثار السلبية للحرب من الهجرة المضادة من إسرائيل وغيرها
فشل استراتيجية قطع الرءوس
يرى المراقبون الدوليون أن استراتيجية قطع الرءوس الإسرائيلية الأمريكية قد فشلت بالفعل، رغم أنها أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى على خامنئى، ورئيس الأمن على لاريجانى ووزير المخابرات إسماعيل الخطيب من بين آخرين، لكنها فى الوقت نفسه أظهرت بنية النظام الإيرانى الحقيقية وقدرته على الصمود، وكيف يستجيب كل من النظام والشعب الإيرانى لمثل هذه الهجمات.
فظهرت طبقات مؤسسية تحت كل فرد، وجاء الرد على عمليات قطع الرءوس بالترقية من الداخل على الرغم من أن ذلك ينطوى على مخاطرة بظهور أفراد غير معروفين وغير مجربين، لكن الحقيقية أن هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تبدو كأنها مجرد كسب للوقت، خاصة أن هناك احتمالًا لإعادة إحياء النظام الذى كان على وشك التغيير من الداخل، بعد أن شهد من وصلوا إلى المناصب العليا مقتل مرشديهم ورؤسائهم وأفراد عائلاتهم إلى جانب أنها ليست مقاربة تنتج ديمقراطيين على نهج جيفرسون، بل تنتج مقاتلين متشددين فى المقاومة وتولد المزيد من المقاومة والكراهية.
تاريخ أسود
أكد الخبراء أن تاريخ إسرائيل فى الاغتيالات، لا يشير إلى نجاح يذكر فعلى مر السنين قتلت العديد من كبار قادة حماس وحزب الله ومن بينهم الزعيم الروحى لحماس الشيخ أحمد ياسين عام 2004، والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، ومع ذلك استعادت حماس وحزب الله قوتهم من جديد وبشكل أعنف وأكثر حدة وعداء لإسرائيل وأمريكا.
وأشار جون بى ألترمان الباحث المخضرم فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فى واشنطن، فى منشور له إلى هذا الفشل قائلا: «لسوء الحظ ومن غير المرجح تحقيق تحسن ملموس من خلال قطع الرؤوس، كل حالة فريدة من نوعها وكل حالة تنطوى على عنصر من الصدفة، ومع ذلك فإن سجل الولايات المتحدة فى تحقيق أهداف سياسية طموحة وهو ما تملكه من خلال جهد عسكرى محدود ضعيف».
خطر إقليمي
وشدد الخبراء أن التحول المفاجئ فى الأهداف خطر كبير قد يطال المنطقة بأكملها، خاصة بعد استهداف المفاعلات النووية الحساسة مثل منشأة نطنز الإيرانية، وما يقابلها من مواقع استراتيجية فى ديمونا لا يقتصر على كونه مجرد عمل عسكرى تقنى بل مثل نقطة تحول خطيرة فى طبيعة الصراع، فالهجوم على هذه المنشآت فتح الباب أمام انتقال الحرب من كونها مواجهة محدودة النطاق تستهدف برامج وأهداف عسكرية بحتة إلى حرب شاملة تتجاوز حدود الميدان العسكرى لتطال المجتمع.
وعلى الجانب الآخر فإن ضرب البنية التحتية الحيوية فى إسرائيل وإيران بما يشمل محطات المياه والكهرباء والغاز يعنى عمليًا تهديد مصادر الحياة اليومية للسكان المدنيين، وتحويلهم إلى ضحايا مباشرين للصراع.
والأخطر من ذلك أن استهداف المدارس والجامعات والمستشفيات يضع المدنيين فى قلب المعركة، ويحول الحرب إلى مواجهة واسعة النطاق تتسم بالفوضى والدمار، لتصبح الحرب مجرد مواجهة بين جيوش بل تتحول إلى صراع شامل يهدد استقرار جميع الدول، ويعيد تعريف مفهوم الردع والقدرة على الصمود إذ يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا ليطال الذاكرة الجمعية والوعى العام ويثير أسئلة أخلاقية وإنسانية حول شرعية الحرب وحدودها.







