السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مصر تنخرط فى وساطات إقليمية لاحتواء التصعيد بالمنطقة

سباق الدبلوماسية لإنقاذ الشرق الأوسط

تحركات دبلوماسية معقدة جرت خلف الكواليس خلال الأيام الماضية، فى محاولة لاحتواء التصعيد العسكرى مع «إيران» وفتح مسار تفاوضى ينهى الأزمة.. هذا ما كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، التى أوضحت أن عدة أطراف إقليمية فى «الشرق الاوسط» لعبت دورًا فى هذه الجهود، فى مقدمتها «مصر»، التى برزت كوسيط رئيسى فى إدارة قنوات الاتصال الحساسة؛ بهدف إيجاد مَخرج دبلوماسى سريع للحرب، فى ظل مخاوف متزايدة من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.  



 

تأتى هذه التحركات ضمن دور مصرى أوسع يسعى لاحتواء الأزمات الإقليمية وتعزيز الاستقرار؛ حيث أكدت وزارة الخارجية- مرارًا-  أهمية تضافر الجهود الدولية والإقليمية لخفض التصعيد؛ محذرة من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تهدد الأمن الإقليمى. 

كما لفتت الخارجية المصرية- فى الوقت ذاته- إلى التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار الحرب، سواء على الاقتصاد المصرى أو العالمى، فى ظل تأثيرها على حركة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط والغذاء وتزايُد الضغوط التضخمية.

وساهمت الجهود الدبلوماسية من قِبَل «مصر» وعدد من الدول الإقليمية فى التأثير على الموقف الأمريكى؛ فبَعد تصعيد الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» للهجته مُلوحًا بتوجيه ضربات عسكرية تستهدف البنية التحتية للطاقة فى «إيران» فى حال عدم فتح مضيق «هرمز»؛ منح فرصة للمسار التفاوضى بعد نجاح الاتصالات التى جرت عبر وسطاء. 

ورغم هذا التحول؛ فلا تزال الخلافات بين الطرفين عميقة؛ إذ تطالب «إيران» بضمانات واضحة بعدم تعرضها لأى هجمات مستقبلية؛ فيما تتمسك «الولايات المتحدة» بشروطها الأساسية، فى ظل استمرار حالة عدم الثقة بين الأطراف وتباين أولوياتهما.

وفى إطار جهود مصر للتهدئة، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال».. نقلاً عن مسئولين أمريكيين كبار، أن مصر نجحت فى فتح قنوات اتصال مباشرة مع الحرس الثورى الإيرانى، لبدء مفاوضات وقف الحرب، وأشارت إلى أنه رغم دخول أطراف دولية كبرى على خط التفاوض، لكنهم جميعًا فشلوا فى التواصل مع الحرس الثورى الإيرانى، إلا أن القاهرة نجحت فى المهمة، واستطاعت التواصل مع الحرس الثورى، وأصبحت طرفًا موثوق فيه من جميع الأطراف.

 وساطة إقليمية تمنع التصعيد

أكد السفير «محمد حجازى» مساعد وزير الخارجية الأسبق- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن المنطقة أمام موقف شديد التعقيد يصعب التنبؤ بنتائجه.. مشيرًا- فى الوقت ذاته- إلى أن حرص «مصر»، ودول وسيطة مثل «تركيا، وباكستان»، أسفر عن اتخاذ الرئيس الأمريكى لبادرته بعدم الإقدام على ضربة استراتيجية عسكرية لمواقع الطاقة فى «إيران».

وفى هذا السياق؛ أشار «حجازى» إلى موقف «مصر» الثابت الذى يسعى على اتجاهين، وهما: الاتجاه الثابت بدعم ومساندة الأشقاء فى الخليج، وتقديم كل ما طلبوه من الدولة المصرية بإسناد دبلوماسى، وسياسى، ومادى، وفى الوقت ذاته؛ السعى إلى الاستفادة من مكانة «مصر» بالنسبة للأطراف المتصارعة، من أجل الوصول لوقف إطلاق النار فى أقرب وقت ممكن، نظرًا لفداحة الخسائر.. واعتبر أن هذه التجربة تؤكد أن الأمن الإقليمى يتحقق- دائمًا- بأيدى أصحابه، قائلًا إنه لا يمكن الارتكان للولايات المتحدة أو لغيرها فى إدارة شئون المنطقة الأمنية؛ بل على العكس، يجب العمل من أجل منظومة للأمن والتعاون الإقليمى والعربى التى من شأنها حفظ المصالح العربية.. مضيفًا إنه من دون ذلك ستسعى «الولايات المتحدة» لتحقيق أهدافها، وتحقق مصالح إسرائيل، دون أن تعبأ بمصالح دول المنطقة.

وأكد أن «الدور المصرى لا يمكن الاستغناء عنه؛ خصوصًا فى ظل حالة عدم الثقة بين طرفىّ الصراع».. كما رأى أن كل المؤشرات الحالية تشير إلى أن الوضع الدولى أصبح ضاغطًا وبشدة، بسبب ما يتعلق بمضيق «هرمز»، أو اشتعال المشهد فى الخليج، أو لتعرض إسرائيل لضربات ساحقة ما زاد من كلفة الحرب على «ترامب» الذى يرغب فى انتهاء الحرب لكن بادعاء النصر أمام شعبه. 

ثم أضاف إن المشهد مُهيأ لتهدئة، ولكنه يحتاج إلى تواصُل ودعم ومواصلة حوار مع الجانبين.. مؤكدًا أن هذا هو دور «مصر، وتركيا، وباكستان» فى هذه المرحلة.

 تحرك مصرى استباقى للأزمة

أوضح السفير «خالد عمارة»، مساعد وزير الخارجية المصرى الأسبق، ورئيس بعثة رعاية المصالح المصرية فى طهران سابقًا- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن «مصر» كانت حاضرة منذ اللحظة الأولى للأزمة.. مشيرًا إلى تشديد «القاهرة» على أن الأمن العربى يُعَد جسدًا واحدًا، وأنها تُدين أى اعتداء على دولة عربية ذات سيادة. 

وأضاف إن هذا الموقف تجلى بوضوح خلال تحركات ولقاءات الرئيس «عبدالفتاح السيسي» خلال زياراته لدول الخليج؛ حيث أكدت «مصر» سعيها لتحقيق استقرار سريع فى الإقليم.. كما أوضح أن الدولة المصرية لم تكتفِ برد الفعل؛ بل بدأت جهودها قبل اندلاع الحرب.. مؤكدًا أن لديها قدرًا من بُعد النظر مكنها من استشراف احتمالات وقوع حسابات خاطئة قد تقود إلى كارثة إقليمية. 

ثم أكد أن «مصر» تنظر إلى «إيران» باعتبارها دولة مهمة وأساسية فى الإقليم، ولها دور فى تحقيق الاستقرار، وهو ما يدفع «القاهرة» للعمل على خَلق مساحة للتهدئة وفتح المجال أمام حلول بديلة بعيدًا عن الخيار العسكرى.. مشددًا على أن الدولة المصرية تتمتع بثقل واحترام كبيرين داخل «إيران»، فضلاً عن مكانتها الموثوقة فى الدوائر العربية والإسلامية والدولية.

على الصعيد الإيرانى؛ أشار «عمارة» إلى أن «طهران» تتحرك من منطلق الدفاع عن النفس فى مواجهة- ما تعتبره- عدوانًا من قِبَل «واشنطن» وإسرائيل.. لافتًا إلى أن «إيران» رأت أن هناك مفاوضات كانت قائمة بالفعل، إلا أنه تم الغدر بها مرتين. 

كما وصف المشهد الحالى بأنه مضطرب؛ لأن ما يجرى على الأرض لا يتوافق مع توقعات الطرف الذى بادر بالهجوم، والذى كان يتصور أن النتائج العسكرية ستكون لصالح «واشنطن».. مؤكدًا أن الميدان سيظل العامل الحاسم فى تحديد مصير الحرب.

ومع ذلك؛ أوضح «عمارة» أن المؤشرات الحالية ترجّح أن المنطقة تتجه نحو حرب استنزاف طويلة، وليست حربًا خاطفة مثلما كان متوقعًا من قِبَل الجانبين الأمريكى والإسرائيلى.. معتبرًا أن هذه الحرب تتسم بعدم التماثل؛ لأن الجانب الإيرانى- رغم امتلاكه قدرات قوية- فإنه لا يضاهى الإمكانات الأمريكية.. وفى ختام تقييمه؛ رأى أن هذه المعطيات تعنى أن الصراع لم يصل بعد إلى نهايته؛ بل من المُرجح أن يشهد مراحل أخرى.

 انعدام الثقة يعطل التفاوض

اتفقت دكتورة «خلود عبدالحفيظ» أستاذة الدراسات الإيرانية فى جامعة القاهرة مع من سبقوها فى أن «إيران» لا تثق فى «الولايات المتحدة»، نتيجة- ما وصفته- بالغدر بها أثناء إجراء عمليات التفاوض، فضلاً عن عدم وجود ضمانة حقيقية تؤكد عدم عودة التصعيد مرة أخرى بضرب الأراضى الإيرانية.

وفى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، أشارت إلى وجود تحديات تقف أمام عملية التفاوض، وعلى رأسها التدخل الإسرائيلى باعتباره الطرف الثالث فى المعادلة.. موضحة أن مطالب «واشنطن» وأهدافها من الحرب تتسم بالغموض، فى وقت تعد فيه أهداف إسرائيل واحدة منذ بداية الحرب، وهى: إسقاط النظام الإيرانى، وإضعاف الدولة الإيرانية، والقضاء على ملفها النووى.. مشيرة- فى السياق ذاته- إلى إبداء إسرائيل انزعاجها الشديد من فكرة التفاوض المحتملة بين طهران وواشنطن.

وفيما يخص المشهد المضطرب، والتصريحات المتناقضة بين الجانبين الإيرانى والأمريكى؛ أوضحت أن من الصعب فى الفترة الأخيرة الثقة فى هذه التصريحات؛ لأن «ترامب» يعتمد استراتيجية- اعتبرتها مقصودة- تقوم على إطلاق تصريحات متضادة؛ لإرباك الجانب الإيرانى، الذى يعانى- بالفعل- من حالة ارتباك، بسبب محاولات تفريغ القيادة.

واعتبرت أن فراغ القيادة يمثل- أيضًا- تحديًا كبيرًا يواجه «إيران» والأطراف الوسيطة على حد سواء.. مشيرة إلى أن الاتجاه للتفاوض مع الحرس الثورى يُعَد فكرة صحيحة بنسبة كبيرة، باعتباره الجهة التى تدير الحرب- حاليًا- فى ظل غياب قيادة واضحة، وإصابة المرشد الإيرانى الجديد واختفائه عن الظهور.

وفى هذا السياق؛ أكدت «خلود» أن رئيس البرلمان الإيرانى «محمد باقر قاليباف»- رغم تصدره المشهد- لا يمتلك صلاحيات اتخاذ القرارات المتعلقة بمسار الحرب أو وقفها.. مؤكدة- فى الوقت ذاته- أن الرئيس الإيرانى «مسعود بزشكيان»- وفقًا للدستور- لا يتمتع- أيضًا- بصلاحيات واسعة، فضلاً عن غياب دوره الملحوظ فى الأحداث منذ الحرب السابقة حتى الآن.. لافتة إلى أن التساؤل المطروح- حاليًا- يتمحور حول: مَن يدير «إيران»؟.. ومع ذلك؛ أكدت أنه لا يوجد اختلاف بين القادة الحاليين داخل «طهران»؛ لأن هدفهم فى الوقت الراهن واحد، وهو الدفاع عن الأرض، ضد- ما يصفونه- بالعدوان الأمريكى الإسرائيلى.

واختتمت دكتورة «خلود عبدالحفيظ» بالإشارة إلى أن البنود الأمريكية الـ15 التى أرسلتها «واشنطن» إلى «طهران» تُعَد مجحفة للغاية، وأنه لن يوافق عليها الجانب الإيرانى، رغم ما تتضمنه من مغريات، من بينها رفع جميع العقوبات عن «إيران».

 3 سيناريوهات للحرب

قال «عمرو أحمد» خبير الشئون الإيرانية بالمنتدى الاستراتيجى للفكر والحوار- فى حديثه لمجلة «روزاليوسف»- إن «طهران» على خلاف ما يتم تداوله فى وسائل الإعلام الإيرانية، ترغب فى التفاوض مع «واشنطن». 

وأوضح أن محاور الخلاف تدور حول مسألة الضامن لهذا الاتفاق، إلى جانب ضرورة وجود تعهدات من قِبَل «الولايات المتحدة» بعدم شن هجوم على الأراضى الإيرانية، وكذلك عدم تعارض التحركات العسكرية على الأرض مع المسار التفاوضى.. مضيفًا إنه فى حال تحقق ذلك؛ فمن الممكن أن يسعى الرئيس الأمريكى إلى إبرام اتفاق؛ خصوصًا بعد تحقيق بعض أهدافه فى «إيران».

وفى هذا السياق؛ رأى أن إسرائيل ورئيس وزرائها «بنيامين نتنياهو» سيكونان من أبرز الأطراف الساعية لعرقلة جهود التفاوض؛ لعدم رضاهم عن أى اتفاق قد لا يفضى إلى تدمير «إيران» كليًا.. مضيفًا إن «طهران» لا تريد تكرار أخطائها للمرة الثالثة، أى الدخول فى مفاوضات جديدة ثم التعرض للغدر أو القصف.

وفيما يتعلق ببنود التفاوض؛ أوضح أن هناك بنودًا قد توافق عليها «إيران»، وأخرى لن توافق عليها؛ وبخاصة ما يتعلق بالبرنامج النووى الإيرانى وتفكيك بنية المنشآت النووية، وهو ما سيكون محور خلاف رئيسى من وجهة نظره؛ حيث أرجع ذلك إلى أن «طهران» تتعامل مع التكنولوجيا النووية باعتبارها تقنية حديثة قامت بتطويرها وتحديثها على مدار سنوات، ولا تمانع فى استخدامها للأغراض السلمية.

كما أكد أن المسار التفاوضى فى «إيران» يعتمد بشكل رئيسى على وزارة الخارجية، بتصديق من مجلس الأمن القومى الإيرانى، ولا يُخول لرئيس البرلمان الإيرانى «قاليباف» التفاوض إلاّ بعد هذا التصديق، وهو ليس ضِمْن معادلة التفاوض فى نظام الحكم الإيرانى.

واختتم حديثه بالإشارة إلى وجود 3 سيناريوهات محتملة: إمّا التوصل إلى اتفاق قريب؛ أو اغتيال المرشد الإيرانى الجديد وإعلان «الولايات المتحدة» وإسرائيل انتصارهما فى هذه المعركة؛ أو استمرار الحرب نتيجة تصعيد أمريكى وانتشار قوات فى المنطقة، وهو ما سيقابله تصعيد إيرانى على جميع المستويات، فى سيناريو من شأنه التأثير على الإقليم سياسيًا واقتصاديًا.