بعد دعوة الرئيس لتلبية أى مقترحات مدروسة تساهم فى حل أى مشكلة
هل الأحزاب جاهزة «بحلول» عملية لمواجهة أثار الحرب الإيرانية؟
مى زكريا
فى لحظة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد تعيد فيها الدولة رسم أولوياتها فى مواجهة تحديات داخلية وضغوط إقليمية متصاعدة، جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال إفطار الأسرة المصرية لتلقى المقترحات، كإشارة واضحة على انتقال الدولة إلى مرحلة أشمل من الشراكة السياسية.
الدعوة التى تعكس امتدادًا لنهج الحوار الوطنى، اعتبرتها الأوساط الحزبية اختبارًا حقيقيًا لمدى جاهزية القوى السياسية للقيام بدورها الأصيل، القائم على إنتاج الأفكار وصياغة البدائل القابلة للتنفيذ.
وفى هذا السياق، أكد عدد من القيادات الحزبية أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الحضور الشكلى أو الخطاب النظرى، بل تفرض انخراطًا مباشرًا فى صياغة السياسات، وتحمل مسؤولية وطنية تضع الجميع أمام اختبار الفعل لا القول.
الدور الحزبى
فمن جانبه، أكد النائب الدكتور عصام خليل، رئيس حزب«المصريين الأحرار» وعضو مجلس الشيوخ، أن الحديث عن دور الأحزاب لا ينبغى أن يُختزل فى ردود أفعال آنية، بقدر ما يجب أن يُفهم فى سياقه الطبيعى كوظيفة أصيلة للعمل السياسى ذاته.
وأوضح أن الحزب السياسى، فى تعريفه الجاد، ليس لافتة تنظيمية أو حضورًا شكليًا فى المجال العام، وإنما كيان يُقاس بقدرته على إنتاج الرؤية، وصياغة البدائل، وتقديم برامج قابلة للتنفيذ، مضيفًا أن غياب هذه العناصر يُفرغ العمل الحزبى من مضمونه، ويدفع به إلى مساحات أخرى لا علاقة لها بالفعل السياسى بالمعنى المؤثر.
وأشار إلى أن النظم السياسية المستقرة لم تصل إلى توازنها إلا عبر أحزاب امتلكت القدرة على التفكير قبل التعبير، وعلى تقديم الحلول قبل إطلاق المواقف، لافتًا إلى أن الأحزاب التى تحوز الأغلبية فى هذه النظم لا تكتفى بدور المراقب، بل تتقدم لتشكيل الحكومات والمشاركة فى صياغة القرار، وهو ما يجعل امتلاك المقترحات الجادة شرطًا لازمًا لا ترفًا سياسيًا.
اختبار للأحزاب
وأضاف أن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تعقيد وتشابك، تفرض على الأحزاب اختبارًا حقيقيًا لمدى جديتها، حيث لا مكان للحياد السلبى أو الحضور الشكلى، وإنما الحضور الفاعل القادر على تقديم ما يفيد الدولة والمجتمع معًا.
ورأى خليل أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى لتلقى المقترحات تعكس مسارًا ممتدًا فى إدارة الشأن العام، يقوم على توسيع دوائر التشاور وإتاحة المجال أمام القوى السياسية والمجتمعية للإسهام فى صياغة الحلول، مشيرًا إلى أن هذه الدعوة ليست منفصلة عن سياق سابق، تجلّى بوضوح فى تجربة الحوار الوطنى، وما حملته من انفتاح على مختلف الرؤى.
رسالة مزدوجة
أوضح أن تكرار الدعوة من جانب القيادة السياسية يحمل فى طياته رسالة مزدوجة الأولى تأكيد الثقة فى قدرة المجتمع وقواه السياسية على الإسهام، والثانية وضع هذه القوى أمام مسؤولياتها، بحيث لا تكتفى بدور الناقد، بل تنتقل إلى موقع الشريك فى تقديم البدائل.
وشدد على أن الاستجابة لهذه الدعوة لا تُقاس بعدد المقترحات، بل بنوعيتها، مؤكدًا أن الدولة لا تحتاج إلى أفكار عامة أو صيغ إنشائية، وإنما إلى رؤى تستند إلى دراسات دقيقة، وتضع فى اعتبارها الإمكانات الحقيقية للدولة، وحدود مواردها، وتعقيدات الواقع الإدارى والاقتصادي.
وأضاف رئيس حزب المصريين الأحرار، أن الطرح المسؤول هو ذاك الذى يضع نفسه موضع متخذ القرار، فيُوازن بين الطموح والإمكان، ويُدرك أن إدارة الدول لا تُبنى على الأمنيات أو التصورات النظرية، وإنما على حسابات دقيقة وقدرة على التنفيذ.
وفيما يتعلق بجهود الحزب، أكد خليل أن «المصريين الأحرار» لم يتعامل مع هذه اللحظة باعتبارها نقطة بداية، وإنما كامتداد لمسار عمل ممتد، قامت خلاله لجانه النوعية بإعداد حزمة من المقترحات فى عدد من القطاعات الحيوية، استنادًا إلى دراسات ميدانية وتجارب دولية جرى تكييفها بما يتلاءم مع الخصوصية المصرية.
وأوضح أن من بين هذه المقترحات مشروع قانون موحد للصناعة، يستهدف إزالة التشابكات الإجرائية وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار، إلى جانب رؤية متكاملة لإعادة تعريف قطاع الصحة، ليس فقط كخدمة، بل كأحد القطاعات القادرة على توليد قيمة اقتصادية مضافة، من خلال تطوير منظومته العلاجية والتعليمية وفق معايير حديثة.
كما أشار إلى أن الحزب يعمل على إعداد أطر تشريعية جديدة للقطاع الرياضى، تعزز من كفاءته الاقتصادية والتنظيمية، فضلًا عن مقترحات متقدمة فى ملف الأحوال الشخصية، تستهدف تحقيق التوازن بين استقرار الأسرة ومتطلبات العدالة.
وأضاف أن رؤية الحزب تمتد كذلك إلى مجالات الاستثمار والتعليم والفنون وغيرها، عبر طرح أفكار عملية، من بينها التوسع المدروس فى المناطق الحرة، وبناء منظومة تعليمية متكاملة ترتبط باحتياجات سوق العمل، بما يعزز من كفاءة رأس المال البشري.
«تمصير» التجارب
شدد على أن كل ما يطرحه الحزب ينطلق من قاعدة واضحة قوامها الواقعية، وفهم طبيعة الدولة المصرية، والعمل على «تمصير» التجارب الناجحة دوليًا، بحيث لا يتم استنساخها، بل إعادة إنتاجها بما يتناسب مع السياق المحلى، مؤكدًا أن التحدى الحقيقى فى هذه المرحلة ليس فى طرح الأفكار، بل فى القدرة على تحويلها إلى سياسات قابلة للتطبيق.
حلول واقعية
كما أكد الدكتور عمرو محمد سليمان، المتحدث الرسمى باسم حزب حماة الوطن، أن ما طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال إفطار الأسرة المصرية بشأن استعداد الحكومة لتلقى أى مقترحات، يعكس نهجًا ثابتًا تتبناه القيادة السياسية منذ سنوات، مشيرًا إلى أن هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن أطلق الرئيس دعوة مماثلة للحوار الوطنى خلال إفطار الأسرة المصرية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات أو أكثر، والتى كانت بمثابة محطة فارقة فى تعزيز المشاركة المجتمعية.
وأضاف أن تصريحات الرئيس فى هذه المناسبة دائمًا ما تحمل طابعًا مميزًا، مؤكدًا أن ما نواجهه اليوم يستدعى الوقوف بجدية أمام هذه الدعوة، والعمل على تقديم مقترحات تسهم فى حل المشكلات، خاصة فى ظل الظروف الراهنة التى تتسم بتصاعد الحرب الإقليمية يومًا بعد يوم، وما تفرضه من تأثيرات على مجريات العديد من الملفات، سواء على مستوى السياسات الإقليمية أو مصادر الطاقة فى منطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن تداعياتها المحتملة على المدى البعيد.
وأوضح أن المرحلة الحالية تتطلب تضافر جهود الجميع من أجل الوصول إلى حلول واقعية تنبع من داخل المجتمع المصرى، بما يمكن الدولة من مواجهة هذه التحديات، مؤكدًا أن ما يمكن القيام به فى الوقت الراهن هو إطلاق حوار مجتمعى واسع فى هذا الشأن، يستوعب مختلف الآراء ويترجمها إلى خطوات عملية.
وأشار إلى أن الرئيس كان قد شدد فى تصريحاته السابقة على ضرورة التصدى بحزم لأى تجاوزات فى الأسعار، بما يضمن حماية محدودى الدخل والفئات غير القادرة، وتمكينهم من مواجهة الأعباء الاقتصادية الصعبة، لافتًا إلى أن تأكيد الرئيس على أن أى خروج عن النص فى زيادة الأسعار سيُقابل بتطبيق القانون بكل حزم، يعكس حرص الدولة على ضبط الأسواق وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وأكد أن ما نشهده اليوم يعبر عن إدراك القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس، لحجم الضغوط والتغيرات التى يمر بها المجتمع، نتيجة التحديات الاقتصادية المتلاحقة، وهو ما واجهته الدولة على مدار الفترة الماضية بحزمة من برامج الحماية الاجتماعية والاقتصادية، التى استهدفت التخفيف من حدة الأعباء المعيشية واحتواء آثار ارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن حزب حماة الوطن يعمل حاليًا على إعداد مسودة متكاملة من الحلول، تتضمن إجراءات قصيرة المدى للتعامل مع التحديات الراهنة، إلى جانب رؤى طويلة المدى لمواجهة ما قد تفرضه المرحلة المقبلة من تداعيات، مشددًا على أن هذا النهج يأتى امتدادًا لدور الحزب فى تقديم حلول عملية ومستدامة، كما حدث من قبل فى إطار مشاركته الفاعلة بالحوار الوطنى، على أن يتم عرض هذه المقترحات خلال الفترة المقبلة.
خارطة وطنية
ورحب النائب الدكتور ياسر الهضيبى، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب وسكرتير عام حزب الوفد، بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال حفل إفطار الأسرة المصرية للأحزاب والشخصيات العامة والمفكرين وأصحاب الرأى بالتعاون مع مؤسسات الدولة لتقديم الحلول والأفكار والرؤى فى القضايا والملفات المختلفة.
وأكد الهضيبى أن دعوة الرئيس تمثل خارطة طريق وطنية صريحة، تعكس إيمان القيادة السياسية العميق بضرورة تكاتف كافة القوى الوطنية بمختلف أيديولوجياتها وأفكارها لمواجهة التحديات الراهنة، مشيرًا إلى أن الإعلان عن استعداد الحكومة لتلقى كافة المقترحات والأفكار يبرهن على وجود إرادة سياسية حقيقية لفتح قنوات اتصال مباشرة وفعالة مع المتخصصين والقوى السياسية المتنوعة.
وأضاف عضو مجلس النواب أن هذه الدعوة تعد حرصًا ملموسًا من القيادة السياسية على تفعيل مبدأ المشاركة الشعبية فى اتخاذ وصناعة القرار. لافتًا إلى أن الدولة المصرية فى جمهوريتها الجديدة لا تنفرد بالقرار، بل تفتح الأبواب لكل ذى رؤية وطنية للمساهمة فى بناء المستقبل، وهو ما يعزز من تماسك الجبهة الداخلية ويخلق بيئة سياسية صحية قائمة على الحوار والتعاون المشترك.
وشدد سكرتير عام حزب الوفد على ضرورة استثمار هذه المساحة المفتوحة من قِبل الأحزاب السياسية والمؤسسات البحثية، مشددًا على أن المسؤولية الآن تقع على عاتق النخبة السياسية لتقديم حلول واقعية وقابلة للتنفيذ بعيدًا عن الشعارات والشو، خاصة وأن المرحلة الراهنة تتطلب الاشتباك الإيجابى مع قضايا الوطن الاقتصادية والاجتماعية لضمان عبور آمن للتحديات العالمية التى تؤثر على الداخل المصري.
وكشف سكرتير عام حزب الوفد، عن بدء الحزب فى إعداد أجندة من المقترحات والأفكار البناءة وحلول علمية وعملية لعدد من القضايا الحيوية والملفات الاقتصادية والاجتماعية، تمهيدًا لتقديمها للجهات المعنية، مشيرا إلى أن الانفتاح الذى تبديه الدولة اليوم هو أكبر ضمانة لحماية حقوق الإنسان بمفهومها الشامل، وعلى رأسها الحق فى المشاركة السياسية والمساهمة فى رسم السياسات العامة وصناعة القرار بما يدعم ركائز الأمن والاستقرار ويرسخ لمصلحة الوطن.







