حسام الغمرى
الفن حين يصبح حارسـا للذاكرة الوطنية
سردية «رأس الأفعى»
فى الأوقات العادية قد تكتفى الدراما بصنع الحكايات، أما فى الأزمنة المضطربة فيجب أن تصنع الوعى الوطنى.
فالدراما، فى لحظات التحولات الكبرى، لا تعود ترفًا فنيًا عابرًا، بل تصبح إحدى أدوات الأمة لفهمِ نفسها وحراسة ذاكرتها، لا سيما حين تضطرب الأيام وتتشابك السرديات.
ذلك أن الأعمال الفنية الكبرى لا تولد من فراغ، ولا تُستحدث من عدم، ولا تبرز فى المشهد الثقافى مصادفةً عابرة؛ فالفن، فى حقيقته العميقة، ابنُ اللحظة التاريخية وضميرُها الحى.
إنه الوعاء الذى تتكثف فيه أسئلة الوطن الكبرى، واللغة التى تعبّر بها المجتمعات عن قلقها وتطلعاتها.
وحين تتعاظم التحولات المصيرية، لا يكتفى الفن بأن يكون مرآةً تعكس الواقع، بل يرتقى إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فيغدو قوةً للتفسير والتأويل، يمنح الأحداث معناها الإنسانى الأعمق، ويحوّل الوقائع المبعثرة فى الذاكرة العامة إلى سرديةٍ متماسكة تبلغ وجدان الناس، فتضيء عقولهم وتعيد ترتيب فهمهم لما جرى ويجرى حولهم.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة مسلسل «رأس الأفعى» بوصفه تعبيرًا عن لحظة تاريخية تتجاوز حدود الفن نفسه.
فلقد خاضت الدولة معركتها فى الميدان، وقدمت مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسيادية تضحياتٍ باهظة دفاعًا عن بقاء الدولة، غير أن التاريخ يعلمنا أن الانتصار الأمنى لا يكتمل إلا حين يُترجم إلى وعى مجتمعى راسخ يمنع إعادة إنتاج الفوضى، وهنا يتجلّى دور الدراما.
فهى تدخل البيوت بلا استئذان، وتخاطب العاطفة كما تخاطب العقل، وتملك القدرة على أن تُحوِّل الوقائع المعقدة والأحداث المتشابكة إلى حكاياتٍ حيّة يستطيع الجمهور أن يعيشها ويتفاعل معها، فيفهم من خلالها ما قد تعجز اللغة السياسية الجافة أو التحليلات المجردة عن شرحه.
ولهذا كثيرًا ما تصبح الدراما- حين تبلغ ذروة صدقها- وسيطًا بين التاريخ والوجدان؛ ومن هنا يكون مسلسل «رأس الأفعى» امتدادًا لما يمكن تسميته بـ«دراما الوعى» التى استؤنفت فى السنوات الأخيرة بمسلسل الاختيار؛ وذلك اللون من الأعمال الفنية الذى يسعى لقراءة مرحلة كاملة من تاريخ الدولة ومحاولة تفسيرها.
رأس الأفعى.. عنوان يختصر الحكاية
العناوين فى الأعمال الفنية ليست زخارف لغوية عابرة، بل هى إشارات دلالية مكثفة تختصر فلسفة العمل وتدلّ القارئ أو المشاهد على زاوية النظر التى ينبغى أن يُقرأ منها النص.
ومن هذا المنطلق، يحمل عنوان «رأس الأفعى» مفتاح القراءة الأولى للعمل، فالأفعى فى المخيال الإنسانى ليست مجرد كائنٍ سام، بل رمز لبنية كاملة: رأسٌ يختبئ، وجسدٌ يمتد فى الخفاء، وسمٌّ يتسرّب حتى يبلغ غايته، ولهذا ارتبط حضورها فى الثقافة الإنسانية بفكرة الخطر الصامت الذى يعمل فى السر أكثر مما يعمل فى العلن!!
وهنا تتجلى إحدى نقاط القوة الفكرية فى العمل الدرامي؛ إذ لا يختزل الظاهرة فى فردٍ شرير يقود الأحداث، بل يقدّمها بوصفها بنية تنظيمية متكاملة فى الداخل والخارج، لها خطابها المتطرف، وفتاوى تشرعن العنف، وآليات الاستقطاب والعمل الخفى.
من الحبكة الدرامية.. إلى يقظة الذاكرة الوطنية
فى الأعمال الدرامية التى تستلهم أحداثها من وقائع حقيقية، يصبح التحدى الأكبر هو تحقيق توازن دقيق بين الأمانة التاريخية وجماليات الفن.
فالإفراط فى الالتزام الحرفى بالوقائع قد يحوّل العمل إلى تقريرٍ سياسى جاف، بينما الانجراف الكامل نحو الخيال قد يقطع الصلة بين الدراما وبين الحقيقة التى تمنحها قيمتها.
وقد حاول «رأس الأفعى» أن يتحرك داخل هذه المساحة الحساسة؛ فلا يتحول إلى خطاب توثيقى مباشر، ولا ينزلق فى الوقت ذاته إلى خيالٍ منفصل عن الواقع المؤلم للأحداث التى يستلهمها.
فالمسلسل يستند إلى وقائع حقيقية تتعلق بملاحقة الأجهزة الأمنية لمحمود عزت القائم بأعمال مرشد الإخوان، ولشبكات إخوانية متطرفة ومخططات إرهابية خبيثة، لكنه لا يعرضها بوصفها سردًا خبريًا للأحداث، بل يعيد صياغتها فى بناء درامى متماسك يقوم على تطور الشخصيات، وتصاعد الصراع، وتكثيف التوتر الدرامى.
وهكذا تنتقل الوقائع من كونها أخبارًا فى نشرات التلفزيون إلى تجربة إنسانية وشعورية يعيشها المشاهد؛ يرى فيها الخوف والأمل، والخطر والمواجهة، ويقترب عبرها من معنى ما جرى لا من صورته الخبرية فقط.
الدراما.. ومعركة الوعى
القوة العسكرية تحسم المعركة فى الميدان، والقوة التفسيرية للسرد تحسم المعركة فى العقول، ومن يمتلك القدرة على تفسير الأحداث وصياغة الرواية التى تصل إلى الجمهور، يمتلك فى كثير من الأحيان نصف النصر.
وهكذا يمكن فهم أهمية الأعمال الفنية التى تتناول ظاهرة التطرف والإرهاب دراميًا؛ إذ لا تكتفى بإعادة تمثيل الوقائع، بل تسهم فى تفكيك الخطاب الذى تقوم عليه التنظيمات المتطرفة، وتكشف آليات الاستقطاب الفكرى والنفسى التى تُستخدم فى تجنيد الأتباع وتبرير العنف.
وفى هذا السياق يبدو «رأس الأفعى» جزءًا من معركة الوعى التى تخوضها الأمة المصرية ضد التطرف؛ لأنه لا يكتفى بعرض الصراع الأمنى مع الإرهاب بوصفه مواجهة بين أجهزة الدولة وخلايا مسلحة، بل يذهب أبعد من ذلك ليكشف الخلفيات الفكرية والتنظيمية التى أنتجت هذا العنف.
ومن اللافت أن العمل يلمّح فى سياق تطور الأحداث إلى الجذور الفكرية التى مهدت لظهور التنظيمات السرية داخل جماعة الإخوان، وعلى رأسها التحولات التى ارتبطت بأفكار سيد قطب وما تبعها من إعادة إحياء فكرة التنظيم الخاص، وهى الأفكار التى تجسدت تاريخيًا فى ما عُرف بـ تنظيم 1965؛ ذلك التنظيم الذى أعاد طرح مفهوم الصدام مع المجتمع والدولة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل السرى والعنف المؤدلج.
وهكذا يضع المسلسل أمام المشاهد صورة مركبة لظاهرة التطرف باعتبارها مسارًا طويلًا من الإنحرافات الفكرية والتنظيمية. وهذا بالضبط ما تحتاجه المجتمعات بعد أن تمر بتجارب قاسية مع الإرهاب والتطرف: ليس فقط أن تتذكر ما حدث، بل أن تفهم كيف حدث.
لحظة رمزية.. فى المعمار الجمالى للعمل
من اللحظات اللافتة فى المسلسل ظهور النجمين أحمد عز وعمرو يوسف كضيفى شرف فى العمل.
وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الظهور مجرد مفاجأة فنية أو إضافة جماهيرية تمنح العمل بُعدًا تشويقيًا إضافيًا.
غير أن دلالة هذه اللحظة إذا قُرئت فى سياق البناء الدرامى للعمل تتجاوز كثيرًا حدود المفاجأة العابرة.
ففى الأعمال الدرامية الكبرى لا تكون بعض الاختيارات الفنية مجرد قرارات إنتاجية، بل تتحول إلى إشارات رمزية داخل المعمار الجمالى للعمل.
وعندما يظهر نجمان كبيران فى مساحة زمنية محدودة من الحكاية، فإن الرسالة التى تصل بصورة غير مباشرة هى أن القضية المطروحة فى العمل أوسع من فكرة البطولة الفردية.
إنها لحظة تحمل فى طياتها معنى التضامن الفنى حول فكرة واحدة؛ حيث يلتقى الفنانون، على اختلاف مواقعهم فى العمل، حول سردية وطنية مشتركة، ويضع كل منهم حضوره ونجوميته فى خدمة المعنى الوطنى الذى يسعى العمل إلى إيصاله، لا فى خدمة الحضور الشخصى أو مركزية الدور.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ظهور أحمد عز وعمرو يوسف بوصفه إشارة رمزية داخل العمل: إشارة إلى أن الفن حين يتصل بقضايا الوطن وتجاربه الكبرى لا يعود مجرد مساحة للتنافس الفردى، بل يتحول إلى مساحة مشتركة يتكامل فيها الجميع، حيث تتراجع الأسماء قليلًا إلى الخلف، ليتقدم المعنى الوطنى الذى يجتمع حوله العمل كله.
الفن.. وحراسة الذاكرة الوطنية
إن مسلسل رأس الأفعى لا يكتفى بسرد قصة مطاردة بين رجالٍ أبطال يعملون فى الظل دفاعًا عن الدولة، وبين تنظيمٍ متطرف يسعى إلى تقويضها، بل يفتح باب التأمل فى سؤالٍ أكثر عمقًا: كيف يمكن لمجتمعٍ أن يحمى نفسه من تكرار التجربة؟ وكيف يمكن للأجيال الجديدة أن تفهم ما جرى، لا بوصفه حوادث أمنية عابرة، بل كجزءٍ من صراعٍ فكرى وتنظيمى طويل.
ولهذا فإن معركة الوعى فى جوهرها ليست معركةً ضد الماضى بقدر ما هى معركة من أجل المستقبل؛ معركة تهدف إلى أن يفهم المجتمع كيف تبدأ الانحرافات الفكرية، وكيف تتحول الأفكار المغلقة إلى تنظيمات سرية، ثم إلى دواماتٍ من العنف وأبواب تفتح للتدخل الأجنبى.
وفى زمنٍ تتعرض فيه الذاكرة الوطنية لمحاولات متكررة من التشويه أو النسيان، يصبح الفن الذى يعيد استحضار الوقائع فى سياقٍ إنسانى وفكرى جزءًا من منظومة الدفاع الثقافى عن الدولة والمجتمع.
وفى هذا السياق يستحق صنّاع مسلسل «رأس الأفعى» كل تقديرٍ لما بذلوه من جهدٍ فنى وفكرى فى تقديم عملٍ درامى يسعى إلى الجمع بين الصدق التاريخى والجمال الفنى، ويضع قضية الوعى الوطنى فى قلب البناء الدرامى.
كما أن الشكر موصول إلى الشركة المتحدة التى أنتجت هذا العمل، وأسهمت فى تقديم نموذجٍ للدراما التى لا تكتفى بالمتعة الفنية، بل تسهم أيضًا فى حراسة الذاكرة الوطنية وترسيخ الوعى العام.
فالأمم التى تحسن رواية قصتها، وتحافظ على ذاكرتها، وتتعلم من تجاربها، هى الأمم القادرة على حماية مستقبلها.







