ردا على مزاعم الفكر المتشدد
دعاء العيد ليس تشيعـًا حين تتحول الأدعية إلى ساحة صراع فكرى
صبحى مجاهد
فى لحظات كان يُفترض أن تمتلئ بالسكينة والخشوع، تحوّل دعاء فى صلاة عيد الفطر إلى ساحة جدل محتدم، بعدما أشعلت عبارات التوسل بآل بيت النبى صلى الله عليه وسلم موجة من الاتهامات الجاهزة، وصلت إلى حد وصفها بـ «التشيع».
دعاءٌ لم يخرج عن مناجاة الله، ولا تجاوز حدود التعظيم المشروع لآل البيت، وجد نفسه فى مرمى نيران تيارات متشددة، أعادت طرح أسئلة قديمة حول سعة الفقه الإسلامى، وحدود الاختلاف، ومن يملك حق تصنيف الناس واتهامهم.
الدعاء الذى ألقاه الدكتور سيد عبدالبارى خلال صلاة عيد الفطر مجرد كلمات خاشعة فى مناسبة دينية جامعة، أعاد طرح أسئلة قديمة حول حدود التوسل، وطبيعة الخطاب الدينى، ومدى اتساع الفقه الإسلامى لاستيعاب التنوع فى التعبير الدعوى.
وبمجرد تداول نص الدعاء على مواقع التواصل الاجتماعى، انقسمت الآراء بين من اعتبره دعاءً مشروعًا متجذرًا فى التراث السنى، ومن رآه خروجًا عن المأثور، بل ذهب البعض إلى اتهامه بـ«التشيع»، فى مشهد يعكس حالة من الاستقطاب الفكرى والدينى.
وجاء نص الدعاء الذى أثار هذا الجدل كالتالى: «اللهم يا رب بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها.. لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك
اللهم لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك، واقضِ حاجتنا وأنت بها أعلم
فضلًا منك يا كريم.. وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله والحمد لله رب العالمين.»
التوسل بين النص والاجتهاد
ولفهم جذور هذا الجدل، لا بد من العودة إلى مسألة «التوسل»، وهى من القضايا التى شهدت نقاشًا فقهيًا عبر العصور، لكنها – بحسب كثير من علماء الأزهر – لم تكن يومًا خارج إطار المشروعية.
فى هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد إبراهيم العشماوى الأستاذ بجامعة الأزهر أن التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم وآل بيته ليس أمرًا مستحدثًا، بل هو «مما جرى عليه عمل الأمة، وقرره جمهور الفقهاء، واستندوا فيه إلى نصوص صحيحة ومعانٍ شرعية معتبرة».
ويضيف أن كتب الفقه الموسوعية، وفى مقدمتها الموسوعة الفقهية الكويتية، قد نصّت بوضوح على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين، بل نقلت اتفاق المذاهب الأربعة على أصل المشروعية، وهو ما يقطع – فى رأيه – بأن المسألة ليست محل نزاع حقيقى داخل الإطار السنى.
ويشرح العشماوى أن التوسل لا يعنى دعاء غير الله، بل هو فى حقيقته «توجه إلى الله وحده، مع اتخاذ وسيلة مشروعة، كمحبة النبى وآل بيته، أو التوسل بجاههم ومكانتهم عند الله»، مؤكدًا أن هذا الفهم يحفظ التوحيد ولا يناقضه.
محل اتفاق
وفى تأكيد أكثر حسمًا، يقول الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية السابق «إن مشروعية التوسل بالأنبياء والرسل عليهم السلام، وبالصالحين كذلك، من الأمور التى اتفقت عليها كلمة فقهاء المذاهب الأربعة، ونصوصهم مُطبقةٌ دالة على هذه المشروعية».
ولا يكتفى بهذا، بل يربط بين هذه المشروعية ومكانة السيدة فاطمة رضى الله عنها، موضحًا أن «السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة، وكانت لها خصوصية ومقام عند أبيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دلت النصوص على ذلك، ولهذه المنزلة جاز التوسل بها لقضاء الحاجات، كأبيها صلى الله عليه وسلم».
ويضيف أن هذه المكانة تجعلها «امتدادًا للنور النبوى»، وهو تعبير يعكس عمق النظرة الأزهرية لمكانة آل البيت، بعيدًا عن أى تصنيف مذهبى ضيق.
ومن زاوية أخرى، يقدّم الشيخ أحمد تركى من علماء الأوقاف وعضو مجلس الشيوخ قراءة عملية للدعاء، مؤكدًا أن مضمونه لا يخرج عما يردده المسلمون يوميًا.
ويرى الشيخ أحمد تركى أن الجدل المثار حول دعاء الدكتور سيد عبدالبارى فى خطبة عيد الفطر بمسجد الفتاح العليم، لا يستند إلى إشكال حقيقى فى المضمون، مؤكدًا أنه كان حاضرًا الصلاة بين جمع من علماء الأزهر، ولم يرَ أحد منهم ما يثير الاعتراض.
ويوضح أن مضمون الدعاء محل الجدل لا يخرج – فى جوهره – عما يردده المسلمون يوميًا فى الصلاة الإبراهيمية، حين يقولون: «اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد»، متسائلًا: أليست السيدة فاطمة وزوجها الإمام على وولداهما الحسن والحسين من آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم بإجماع الأمة؟
وفى رده على اتهامات «التشيّع»، عبّر تركى عن استغرابه مما وصفه بالاندفاع غير المنضبط على مواقع التواصل الاجتماعى، معتبرًا أن بعض هذه الاتهامات لا تقوم على أساس علمى، بل تُغذّيها حالة من الاستقطاب والجدل.
ويضيف أن القضية – فى نظره – لا تتعلق بحكم شرعى بقدر ما تعكس توظيفًا للخلافات لإثارة البلبلة، مؤكدًا أن مصر، عبر تاريخها، ظلت متمسكة بهويتها السنية الوسطية، ولم تنجرّ إلى صراعات مذهبية.
ويخلص إلى أن مثل هذه القضايا تحتاج إلى قراءة علمية هادئة، بعيدًا عن التسرع فى إطلاق الأحكام، مشددًا على أن محبة آل البيت وتعظيمهم جزء أصيل من عقيدة أهل السنة، ولا ينبغى أن تكون سببًا للانقسام أو تبادل الاتهامات.
مصر سنية أزهرية
وفى سياق الرد على الاتهامات التى طالت المجتمع المصرى نفسه، شدّد الدكتور عبدالمنعم فؤاد، المشرف على أروقة الأزهر الشريف، على أن الزج باسم مصر فى دائرة الجدل المذهبى أمر مرفوض علميًا وتاريخيًا.
وأكد أن «من يتهم مصر بالتشيع، أو يزعم أنها دخلت دائرته فى هذه الآونة، فعليه أن يراجع تاريخها، وتاريخ الأزهر الشريف وعلمائه، فموقف المصريين من الدولة الفاطمية ومذهبها الشيعى ليس خافيًا».
وأوضح أن إطلاق مثل هذه الاتهامات بسبب «جملة لم يفهمها البعض أو لم يدركوا مرادها» لا يليق، ولا يصح أن يكون مدخلًا للتشكيك فى هوية دولة كاملة، مؤكدًا أن الأزهر رسّخ عبر تاريخه حب آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم، وهو حب أصيل فى وجدان المصريين.
وأضاف: «نحن نحب آل البيت حبًا جمًّا، لكننا لا نقبل الغلو فيهم، ولا ننقل الأدعية ذات الطابع المذهبى، فكتب أهل السنة وأدعية علمائهم فيها الكفاية، وهى قائمة على توقير النبى وآل بيته وفق ما جاء فى الكتاب والسنة، بعيدًا عن أى نفس مذهبى».
وأشار إلى أن هذا الحب لا يكون على حساب بقية ثوابت الدين، موضحًا أن «حب الصحابة وآل البيت معًا من مقومات العقيدة الإسلامية الصحيحة، ولا تعارض بينهما».
وحذّر من حالة «بلبلة الأفكار» التى قد تنتج عن تداول معلومات غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، مؤكدًا أن «مصر ظلت عبر تاريخها سنية أزهرية أشعرية، ولن تنحرف عن هذا المسار مهما أثير من جدل».
ودعا إلى ضرورة الانتباه للتحديات الكبرى التى تواجه الأمة، وعدم الانشغال بخلافات مذهبية فرعية، مشددًا على أن وحدة الصف هى السبيل لحماية المجتمعات من المخاطر، وأن الحفاظ على الهوية الدينية الوسطية لمصر يمثل ركيزة أساسية فى استقرارها.
دعاء خالص لله
وفى سياق دعم الرؤية الأزهرية، أكد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، أن الدعاء الذى أثار الجدل لا يتضمن أى شبهة عقدية، مشددًا على أنه «دعاء خالص لله وحده، ولا ينطوى على أى صرف للعبادة لغير الله».
وأوضح أن قول الداعى: «بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها» لا يعنى الاستغاثة بغير الله، بل هو من باب التوسل المشروع، أى التقرّب إلى الله بمكانة آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم، وهم – كما يبيّن – محل إجلال واتفاق بين المسلمين كافة.
وأشار إلى أن مسألة التوسل من «مسائل الخلاف السائغ» التى وسّع فيها الفقه الإسلامى، ولم يجعلها من القضايا القطعية التى يُنكر فيها على المخالف، محذرًا من تحويل مثل هذه المسائل الاجتهادية إلى ساحة للتشدد أو التنازع.
وشدد على أن ربط هذا الدعاء بمذهب معين يعكس «سوء فهم لطبيعة المجتمع المصرى وتاريخه»، موضحًا أن مصر هى بلد الأزهر الشريف، وقد سُمّى الأزهر نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء رضى الله عنها، فى دلالة واضحة على مكانة آل البيت فى وجدان المصريين عبر العصور.
كما أشار إلى أن مصر عرفت عبر تاريخها تنوعًا فكريًا ومذهبيًا، ومع ذلك لم تنجرّ إلى صراعات مذهبية، بل حافظت على منهجها الوسطى، الذى يجمع بين الاعتدال ومحبة آل البيت، دون غلو أو انحراف.
واختتم بالتأكيد على أن الحكمة تقتضى التعامل مع مثل هذه القضايا بروح من التسامح الفقهى، بعيدًا عن التخوين أو التصنيف، لأن سعة الشريعة تستوعب هذا النوع من الخلاف، ولأن الحفاظ على وحدة الصف وجمع القلوب يظل الهدف الأسمى.
ما وراء الجدل
ويكشف هذا الجدل عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب الدينى فى العصر الحديث، حيث أصبحت مواقع التواصل ساحة مفتوحة لإصدار الأحكام، دون الرجوع إلى أهل الاختصاص، كما يعكس حالة من الاستقطاب، بين اتجاه يميل إلى التشدد والتضييق، وآخر يدعو إلى استعادة سعة الفقه الإسلامى ومرونته.
فى النهاية، لا يبدو أن الجدل حول دعاء العيد كان مجرد خلاف فقهى عابر، بل كشف عن معركة أعمق بين منهجين: منهجٍ يستوعب سعة الشريعة وتنوعها، وآخر يُضيّق ما وسّعه العلماء، ويُسارع إلى التصنيف والاتهام.
فبينما يؤكد علماء الأزهر الشريف أن التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم وآل بيته له جذور راسخة فى التراث السنى، وأن محبة آل البيت جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلمين، يواصل خطاب متشدد تحويل كل اختلاف إلى معركة، وكل دعاء إلى تهمة.
لكن الحقيقة التى لا يمكن تجاوزها، أن مصر – بتاريخها وعلمائها – لم تكن يومًا ساحة للغلو، ولا أرضًا للانقسام المذهبى، بل ظلت نموذجًا للاعتدال، تجمع بين تعظيم النبى وآله، وحب الصحابة، فى توازن دقيق صنع هويتها عبر القرون.
ويبقى السؤال الأهم: هل يُعقل أن يتحول الدعاء إلى ساحة اتهام؟ وهل يُراد للناس أن يضيقوا على أنفسهم ما وسّعه الله؟.. إنها لحظة تستدعى الوعى، لا الانفعال..والعلم، لا الاتهام.. والوحدة، لا الفرقة.







