فى ذكراه الـ49:
حواران لـ عبدالحليم حافظ من أرشيف روزاليوسف
روزاليوسف
49 عامًا مرت على رحيل عبد الحليم حافظ، ولا يزال صوته حاضرًا، وفنّه باقيًا، وتكتشفه أجيال جديدة كأنه يُولد من جديد مع كل استماع. لم يكن عبد الحليم مجرد مطرب عشقته الجماهير وتعلّقت بصوته الدافئ وإحساسه الصادق فحسب، بل كان حالة إنسانية متكاملة، وفنانًا أحب وطنه وفنه، فاستحق مكانة خاصة واحترامًا واسعًا فى الداخل والخارج.
وعلى امتداد مسيرته، لم يكن نجاحه قائمًا على الصوت وحده، بل على صدقٍ نادرٍ فى التعبير، جعله قريبًا من الناس وقادرًا على أن يمسّ مشاعرهم ببساطة وعمق فى آنٍ واحد. لذلك لم يكن غريبًا أن يبقى حاضرًا فى وجدان الجمهور، رغم تغيّر الأزمنة وتبدّل الأذواق.
وفى ذكرى وفاته، نفتح أرشيف روزاليوسف العامر بحواراته، لنختار من بينها حوارين نكشف من خلالهما مجددًا عن عبد الحليم الفنان الصادق الجريء، والإنسان الحساس المتحمّس الذى لا يتردد فى الدفاع عن نفسه ويرفض الشائعات مؤمنًا بأن سمعة الفنان من أهم مقوماته.
لا يظهر العندليب، فى هذه الحوارات، كنجم على المسرح فقط، بل كصوت يفكر ويتأمل ويواجه. فنعرف كيف كان يرى فنه، وكيف تعامل مع النقد، وكيف تمسك بإحساسه كمعيار أول للنجاح. كما نقترب من جانبه الإنسانى بما يحمله من قلق وصدق وحرص على ما بناه من مكانة وحب لدى جمهوره.
وتكشف هذه السطور أيضًا عن وعيٍ مبكر بطبيعة النجاح وثمنه، وعن إدراك لحساسية العلاقة بين الفنان وجمهوره، تلك العلاقة التى لا تقوم فقط على الإعجاب، بل على الثقة والصدق والاستمرار. كان حليم يرى أن الفنان لا يُقاس بقوة صوته وحدها، بل بقدرته على الوصول إلى القلوب، وعلى التعبير عن مشاعر الناس كأنها صوته الشخصى ليصل إلى قلوبهم.
إن إعادة نشر هذين الحوارين ليست مجرد استعادة لأرشيف، بل محاولة لإعادة الاقتراب من عبد الحليم كما كان: فنانًا يشعر بعمق، ويعبر بصدق، ويترك أثرًا لا يبهت مهما مر عليه الزمن. ولعل ما تمنحه هذه الصفحات اليوم، هو فرصة لإعادة اكتشافه من جديد، لا كذكرى بعيدة، بل كصوت لا يزال يعيش بيننا، ويجد طريقه إلى قلوب من يسمعه لأول مرة، كما لو أنه يغنى الآن.

موعد بعد خمس سنوات
مديحة عزت
كنت أنظر إلى عبدالحليم حافظ وأقول لنفسى: «لو كانت قامته أطول قليلًا.. ولو كانت عظمة أنفه أعلى قليلًا.. ولو استطعت أن أراه غاضبًا.. ولو كان أكبر من عمره خمس سنوات.. لكان رجلى المثالى»!
ولكن ما سر نجاح عبدالحليم كمغنٍ؟ ماذا فى صوته؟
أنا شخصيًا أعتقد أن صوت عبد الحليم فيه «سكس أبيل»،.. إن صوته يترك نفس الأثر الذى تتركه فتاة تجذبك وراءها العمر كله. والتفت إلىّ عبدالحليم، وسألته
- إلا قولى يا عبدالحليم.. تعرف تغنى من غير ميكروفون؟
وقال عبدالحليم وهو واثق من نفسه:
- لقد غنيت بلا ميكروفون فى جميع الحفلات الخاصة التى دعيت إليها.. لم يقل نجاحى عن نجاح أى حفلة؟ وحدث أن كنت أغنى مرة فى مسرح الأزبكية وانقطع التيار وتوقف الميكروفون عن العمل، ولم أتوقف أنا عن الغناء.
- إنما الناس بتقول إن أغانيك من لون واحد، وصوتك طبقة واحدة!
وغضب عبدالحليم وقال وصوته يرتعش:
- ناس مين.. الناس ما بتقولشى كده.. اللى بيقولوا كده شوية ناس ما يستحملوش يشوفوا قدامهم فنان ناجح.. إنى أغنى بصوت هادئ جدًا لأنى أعتقد أن الغناء ليس خناقة، وليس زعيقًا، وإلا كان الحمار فى مقدمة المطربين! ويكفينى أن أعلم أن صوتى يصل إلى القلب.. والفنان لا يكون فنانًا إلا إذا حرك قلوب الناس.. وإلا أصبح مناديًا، أو أصبح هو وبائع الفجل سواء!
قلت له وأنا أحاول أن أخفف من حدته:
- ما رأيك فى عبدالوهاب؟
وقال عبدالحليم فى حماس:
- لقد وضع سيد درويش الحجر الأساسى فى تطور الموسيقى الشرقية وأحيا الموتى الذين كانوا يرددون:«يا ليل يا عين» وجعلهم يغنون «أنا المصرى»، ولو امتد به الأجل لصنع العجائب.. وكان عبدالوهاب هو الوحيد الذى تنبه إلى رسالة سيد درويش وأكملها.. وهذا وحده هو سر خلود عبدالوهاب!
- ألا تعتقد أن الموسيقى المصرية فقدت شخصيتها فى تطورها؟
- الموسيقى المصرية لم تفقد شيئًا، كل ما حدث أنه دخلت عليها بعض الألحان الغربية، فأصبحت كالمرأة الجميلة التى تتحلى بمصاغ «قشرة» وارد باريس.. فهل المرأة المصرية عندما تتحلى بعقد أو قرط من باريس تصبح فرنسية؟!
- أيهما صاحب الفضل على الآخر الملحن أم المغنى؟
- كلاهما فضله على الآخر.. فى نجاحه أو فى فشله، فالصوت الوحش يقتل اللحن الجميل، والعكس!
- ما أحسن أغنية لعبدالوهاب؟
- عاشق الروح.
- ولأم كلثوم؟
- رباعيات الخيام.
- وما رأيك فى ألحان كمال الطويل؟
كلها معانٍ.. وهو خير ملحن يعطى اللحن على قدر صوت المطرب.
قلت:
- ما شكل العروسة التى تتمناها؟
- أعتقد أن الزوجة المثالية هى الزوجة التى تفهمنى..على كل حال، الفنان لا يصلح للزواج.
وسألته عن أحسن أغنياته:
- أغنية سمراء.. إن تلحينها يعتبر حدثًا فى عالم الغناء
وسألته عن الأصدقاء الذين تركوا أثرًا فى حياته قال بعد تفكير:
- حافظ عبدالوهاب وهو أول من قدمنى فى الإذاعة، وأسمانى باسمه فأصبح اسمى عبدالحليم حافظ بعد أن كان عبدالحليم شبانة.
وكمال الطويل وهو أول من قدم لى ألحانه.
وكامل الشناوى وهو أول من وضعنى على صفحات الصحف.
ومحمد الموجى وقد اشتهرت بلحنه «صافينى مرة».
ومحمد حسن الشجاعى وهو الذى أدخلنى المعهد العالى للموسيقى المسرحية.
وإحسان عبدالقدوس.. و..
وقاطعته:
- بلاش نفاق.. إحسان محرج علينا النفاق!
قال:
- أبدًا والله.. لقد عرفت إحسان من مدة قريبة، ولكنه ترك أثرًا كبيرًا فى تكوين آرائى.
- ماذا تفعل عندما تحدثك المعجبات بالتليفون؟
قال:
- أنا ملك للمعجبات.. ولا أستطيع أن أعيش بغيرهن
وقلت لعبدالحليم وأنا أتركه:
- أنت فاضى يا عبدالحليم.. زى النهارده بعد خمس سنين؟!
وأخرج عبدالحليم مفكرته وأخذ يقلب صفحاتها ثم قال:
- ما أظنش!

أنا خايف على سعاد
عدلى فهيم
قال له الدكتور عبدالقادر حاتم:
- متسافرش.. صحتك لا تتحمل!!
ولكن الفتى الأسمر ابتسم فى خجل وهو يهمس:
- مقدرش.. أموت.. وما يطلعشى صوت العرب كذاب.
وفى نفس الليلة.. كانت درجة حرارته قد وصلت إلى 39 وصرخ الدكتور زكى سويدان:
- أنت مجنون يا عبدالحليم.. مش ممكن تسافر.
مطار روما..
هبطت الطائرة.. وبها عبدالحليم لا يزال مبتسمًا.. منهوكًا.. ضعيفًا!
واقترح بعض الأصدقاء أن يعود عبدالحليم إلى القاهرة ليستريح.. ولكنه يريد أن يقاوم المرض.. ويغني.
عند خيوط الفجر تصافحت كل الأيادى فى مطار باريس وقد فقد عبد الحليم كل شيء إلا إصراره على الذهاب إلى كازابلانكا!.. ووصل عبد الحليم إلى كازابلانكا متعبًا
بدأ أعضاء البعثة الفنية لصوت العرب ينطلقون إلى الرباط إلا واحدًا فقط.. أخذ إصراره يذوب ويتلاشى حتى كاد يبكي. فأمسك بالقلم ويده ترتجف وكتب هذه البرقية:
« أحمد سعيد مدير صوت العرب..
«خالفت أوامر الأطباء.. وضحيت بصحتى وبجميع ارتباطاتي.. وأعمالى ثم جئت إلى المغرب لأنقل صدق أحاسيسنا إلى إخواننا العرب.. ولكن إرادة الله فوق كل إرادة!!
أرسل أى مطرب.. لأننى لم أعد أقوى على الغناء».
وفجأة اعتدل عبدالحليم فى جلسته وأخذ ينظر إلى طويلًا وهو يتساءل:
- تصور حصل إيه.. ربنا كريم.. ربنا كبير.. مخيبش أملي.
دخل علىَّ يوسف وهبى ومعه الدكتور.. والساعة تدق الثامنة والنصف.. واقترب منى الدكتور وبعدها كشف علىَّ قائلاً:
- أنت دلوقتى كويس.. سأعطيك قرصًا ينشطك وتقدر تغني!!
قفز عبد الحليم من مكانه وقال: خطفت التليغراف من يد «محمد» أخويا.. وقطعته.
كان الحفل مذاعًا من مسرح الملك محمد الذى يتسع لأكثر من 2500 شخص.
كان أحسن علاج لى هذا اللقاء!! لكنى خفت.. حسيت بالمسئولية الحقيقية.. بمسئولية الفنان نحو نفسه.. ونحو وطنه.
وخرجت سعاد على المسرح تقدمني.. وسمعت صوتها.. حنونًا.. رقيقًا فيه دلع يقول:
- ودلوقتى حانقدم لكم البلبل الأسمر عبدالحليم حافظ.
- ودخلت المسرح ومكنتش عملت بروفة.. وحسيت إنى سأندفع مع الناس.. عايز أغنيلهم كل حاجة كل الأغاني.. ولقيت نفسى أصيح بأعلى صوتى أنا جاى المغرب.. وبأحملكم تحية شعب الجمهورية العربية.. وحب الرئيس جمال عبد الناصر.. وصمت عبدالحليم لحظة ثم قال:
- صدقنى أن الحب فى كل مكان لا يتقيد بالثقافة.. المسألة إحساس بالحب.. بالصدق.. وبالحياة.
- كنت خايف على الحب ده مش عايزه يروح مني.. هو ده الثروة الوحيدة للفنان.
أنا أحس أن عمرى قصير.. وأخسر أكتر ما بكسب.
خسرت إيه الأيام دي؟..
وفجأة انفجر عبدالحليم تأثرًا: خسرت.. الشائعات التى أطلقوها عنى وعن سعاد.. وأنا إذا كنت أريد الزواج من سعاد.. ما المانع أن أتزوجها فى بلدي.. أمام أهلي.. ومعارفي.. وأصدقائي.. إنها مؤامرة لضياع الجهد الذى قدمته البعثة لمصر والمغرب.
وفجأة توقف قليلًا ثم قال:
- أنت صديق لسعاد.. اسألها.. وأجبت:
- لقد سألت سعاد.. وقالت إنها اكتشفت فى الرحلة عبدالحليم الأخ الكبير.. عبد الحليم الإنسان الحنون.. الطيب.. الذكي.. العاقل. تحولت الثورة فى عينى عبدالحليم إلى حنان وأخذ يقول وفى صوته نبرة عتاب:
- أنا لى حاجة فى سعاد.. أنا خايف على سعاد.. خايف عليها من نفسها وخايف تسيطر عليها الأوهام نتيجة الشائعات.
سعاد فى فيلم البنات والصيف.. كنت أنا الوحيد اللى حاسس بيها.. طيبة.. بسيطة..فنانة كبيرة.. وأنا أؤمن أن سمعة الفنان من أهم مقوماته.
وفى يوم من الأيام قلت لسعاد:
مش ممكن حاتخلى عنك.. أنا حاقف وراك فى كل لحظة.. مهما طاردتنا الشائعات!
ثم قال:
- كان بيننا وبين أوروبا مسافة قصيرة.. فقلت أروح أستريح أسبوع.. وقال لى محمد أخويا دى فرصة العمر خدنى معاك..فقلت لسعاد تحبى تشوفى أوروبا.. وسافرنا شلة.







