90 منشورا تشكل خطاب ترامب السياسى والعسكرى فى نمط غير مسبوق
حـــرب تـُــدار عــبـر الفضاء الرقمى
آلاء شوقى
مع تحوُّل وسائل التواصل الاجتماعى إلى لاعب رئيسى فى تشكيل الرأى العام؛ لم تعد الحروب تدار فقط داخل غرف العمليات المغلقة؛ بل امتدت إلى الفضاء الرقمى؛ حيث تصاغ الرسائل السياسية، وتوَجّه الجماهير.
وفى خضم الصراع الأمريكى الإسرائيلى مع «إيران»، برز نموذج جديد يقوده الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، يعيد رسم حدود الخطاب السياسى والعسكرى فى عصر السرعة والتأثير الرقمى؛ حيث لم تعد البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحفية هى الأداة الأساسية لتوجيه الرسائل؛ بل باتت المنشورات المباشرة وسيلة لإعلان المواقف؛ بل والتلويح بقرارات عسكرية فى توقيتات شديدة الحساسية، فى مشهد يعكس تحولاً عميقًا فى طبيعة الاتصال السياسى أثناء النزاعات.
ففى سابقة غير معهودة فى تاريخ الحروب الحديثة، نقل «ترامب» جزءًا كبيرًا من إدارة الحرب عبر منصته (Truth Social)؛ فيما قامت إدارته باتباع استراتيجية تستخدم الفضاء الرقمى لتوجيه الرأى العام.
أكثر من 90 منشورًا ترسم مسار الحرب
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع «إيران» فى 28 فبراير الماضى، نشر «ترامب» أكثر من 90 منشورًا تناولت «إيران»، وإسرائيل، وتطورات الصراع فى نشاط مكثف يعكس إدارته للحرب لحظة بلحظة.
وتنوعت هذه المنشورات بين نصوص طويلة يتجاوز بعضها 200 كلمة، وأخرى قصيرة، ومقاطع فيديو، وإعادة نشر لتعليقات داعمة، فى نمط وصفته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية بأنه غير مسبوق.. مؤكدة أن العالم لم يعتد أن يرى رئيسًا يكشف أفكاره بشكل علنى ومباشر فى توقيتها؛ فيما اعتبر محللون أنها ربما تكون مقصودة لإدارة الحرب النفسية عبر وسائل التواصل التى صارت منصة العالم، وتحديدًا فئة الشباب.
وفى هذا السياق؛ تثير بعض المنشورات تفاعلاً واسعًا لأنها تُكتب مباشرة من «ترامب»؛ بينما يُملى بعضها الآخر على فريق محدود من المساعدين، الذين لا يمكنهم نشر أى محتوى دون موافقته الشخصية، وفقًا لمسئول رفيع فى (البيت الأبيض)، وهو ما يعكس سيطرة كاملة للرئيس الأمريكى على خطابه الرقمى.
تناقضات فى الخطاب
عكست منشورات «ترامب» تباينًا واضحًا فى مواقفه خلال فترة قصيرة.. ففى 28 فبراير الماضى- أى اليوم الأول للحرب- دعا «ترامب» الإيرانيين للإطاحة بحكومتهم؛ معتبرًا اللحظة فرصة تاريخية.. وفى اليوم نفسه، أعلن هدفًا عسكريًا يتمثل فى إضعاف الجيش الإيرانى، ومنع امتلاكه سلاحًا نوويًا، إلى جانب القضاء على برنامج الصواريخ الباليستية، ما يعكس منذ البداية تعدد الأهداف بين سياسية وعسكرية.
وفى 6 مارس الجارى، رفع «ترامب» سقف مطالبه لإيران وصلت إلى حد الاستسلام غير المشروط، ليصبح هدفًا سياسيًا شاملاً؛ ثم أعلن فى 7 مارس أن الحرب محسومة بالفعل، رغم استمرار العمليات العسكرية، فى وقت كانت فيه «طهران» تواصل الرد.
وفى 9 مارس أكد «ترامب» أن الحرب انتهت تقريبًا، ثم عاد فى 11 مارس ليؤكد ضرورة إنهاء المهمة، ما عكس تضاربًا فى تقييم سَير الحرب.
وفى تحول لافت، انتقل من مطالبة حلفائه فى حلف شمال الأطلسى (ناتو) بالمشاركة، إلى التأكيد- لاحقًا- أن «الولايات المتحدة» لا تحتاج إلى مساعدتهم؛ بل ألمح إلى إمكانية التخلى عن حماية سُفنهم.
ثم تغيرت نبرة التهديدات فى الـ13 من مارس؛ حيث خفف «ترامب» من دعوته للانتفاضة الداخلية فى «إيران»، مشيرًا إلى صعوبة تحقيقها؛ ليؤكد وزير الحرب «بيت هيجسيث» فى 19 مارس عدم وجود إطار زمنى للحرب، وأن قرار إنهائها يعود للرئيس.
وفى هذا السياق؛ صرّح «ترامب» فى 20 مارس بأن «الولايات المتحدة» تقترب من تحقيق أهدافها، مع رفضه وقف إطلاق النار، ما عكس انتقالاً من خطاب الحسم السريع إلى إدارة مفتوحة للصراع.
ثم صرّح فى 23 مارس بأن «إيران» ترغب بشدة فى إبرام اتفاق، وربما يتم ذلك فى غضون أيام؛ قائلاً إن: «هناك نقاط اتفاق كبيرة.. وإذا مضوا قدُمًا فسوف ينتهى الصراع». رغم نفى «طهران» إجراء أى محادثات.
هذا التبايُن دفع «ريتشارد هاس»، الرئيس الفخرى لمجلس العلاقات الخارجية، إلى التأكيد أن هناك تناقضًا بين جدية الحرب وعفوية وسائل التواصل الاجتماعى، معتبرًا أنه أمرٌ صادمٌ.
وفى هذا الصدد، يذكر أن منشورات «ترامب» لم تكن مجرد أدوات تواصُل فحسب؛ بل عكست- أيضًا- الحالة المزاجية داخل الإدارة الأمريكية، إذ أعرب «ترامب»- مرّات- عن غضبه من تغطية وسائل الإعلام للحرب الإيرانية، التى وصفها بأنها منحرفة، كما أبدى استياءه من ضعف دعم الحلفاء، ومن استمرار القيود على الملاحة فى مضيق «هرمز».
وفى هذا السياق؛ قال السيناتور الجمهورى «ليندسى جراهام» إنه لم يسمع «ترامب» غاضبًا بهذا الشكل من قبل، فى إشارة إلى تصاعد التوتر داخل دوائر القرار.
ومع ذلك؛ فإن الصورة التى تصل إلى الجمهور تتشكل بدرجة كبيرة من خلال منشورات ترامب، التى أصبحت أداة مركزية فى توجيه الرأى العام.
من المعركة إلى المحتوى
إن إدارة الحرب إلكترونيًا لم تتوقف عند مواقع التواصل ومنشورات «ترامب»؛ بل امتدت استراتيجية التواصل إلى إنتاج محتوى بصرى مكثف يجمع بين الترفيه والدعاية.
فنقل إعلام أمريكى عن مسئول فى (البيت الأبيض) قوله إن مقاطع الفيديو التى نشرتها الإدارة الأمريكية حول الحرب حققت أكثر من 3 مليارات مشاهَدَة خلال أربعة أيام فقط. كما حصد أحد الفيديوهات، بعنوان «العدالة على الطريقة الأمريكية»، أكثر من 64 مليون مشاهدَة على منصة (إكس).
وتضمنت هذه المقاطع لقطات من أفلام مثل: (Top Gun)، و(Gladiator)، وغيرهما، إلى جانب مَشاهد من ألعاب مثل (Call of Duty)، ومقاطع رياضية تم دمجها مع لقطات انفجارات، فى محاولة لتقديم الحرب بأسلوب بصرى جذاب.
ومع ذلك؛ أثار هذا النهج انتقادات حادة من خبراء ومسئولين سابقين؛ حيث اعتبروا أنه يطمس الجانب الإنسانى للصراع.. فعلى سبيل المثال، قال «روجر ستال» أستاذ دراسات الاتصال بجامعة جورجيا، إن هذه المواد تُظهر عرضًا دعائيًا يخلو من أى إشارة إلى معاناة البشر.
كما حذر «كريستوفر بورسيل» الذى عمل فى (البيت الأبيض) خلال إدارة «جورج بوش» من أن تحويل الحرب إلى لعبة فيديو أمرٌ مروع؛ مؤكدًا أن لها عواقب حقيقية على الجنود والمدنيين.. بينما رأت «لورين كاب» الخبيرة بمجال الاستراتيجية الرقمية، أن الهدف الأساسى لما يقوم به «ترامب» هو تحقيق أكبر قدر ممكن من التفاعل، بغض النظر عن طبيعته.
فى المقابل؛ دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض «أوليفيا ويلز» عن هذا النهج، مؤكدة أنه يمنح الأمريكيين علاقة مباشرة وشفافة مع رئيسهم.
التضليل الرقمى.. حرب موازية
بالتوازى مع استخدام مواقع التواصل لإدارة الحرب، انتشرت موجة واسعة من المعلومات المضللة عبر الإنترنت مع العمليات العسكرية؛ حيث تم تداول مقاطع من ألعاب محاكاة الطيران على أنها عمليات حقيقية، إلى جانب صور قديمة أعيد استخدامها خارج سياقها، ومحتوى مُعدل بالذكاء الاصطناعى.
فكشف تحقيق لمجلة (Wired) عن وجود مئات المنشورات المضللة على منصة (إكس)، حصد بعضها أكثر من 4 ملايين مشاهَدَة.. كما وثقت (BBC) مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعى حققت نحو 100 مليون مشاهَدة إجمالية.
ووفقًا لمنظمة (NewsGuard)؛ فإن بعض هذه المنشورات حصدت ما لا يقل عن 21 مليونًا و900 ألف مشاهَدة، ما يعكس حجم التأثير الذى يمكن أن تمارسه المعلومات المضللة فى أوقات النزاعات.
وفى هذا الصدد؛ أكدت «صوفيا روبنسون» أن الفجوة الزمنية بين وقوع الحدث، وظهور صور حقيقية تخلق بيئة مثالية لانتشار التضليل؛ خصوصًا مع اعتماد المستخدمين على مصادر رقمية وسريعة.. مضيفة إن خوارزميات المنصات تسهم فى تضخيم المحتوى الأكثر إثارة، بغض النظر عن دقتها، ما يجعل (التفاعل مع المنشور) هدفًا بحد ذاته، حتى لو جاء على حساب الحقيقة.
انطلاقاً من هذا المشهد المربك؛ أثارت الاستراتيجية التى تتبعها إدارة «ترامب» التى تعتمد على وسائل التواصل، وعالم الإنترنت؛ قلقًا داخل الأوساط السياسية الأمريكية؛ خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى.
فوفق استطلاع أجرته (Reuters/Ipsos) أن نسبة تأييد «ترامب» بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا بلغت 33%، مقارنة بـ 43% فى العام السابق، ما يشير إلى تراجع ملحوظ.
فى النهاية؛ يمكن القول إنه بين الاجتماعات السرية المغلقة والمنشورات المفتوحة للجميع، يتشكل نموذج جديد لإدارة الحروب، يعتمد على السرعة، والتأثير البصرى، والتفاعل الرقمى.. أى لم تعد المعارك تُخاض فقط بالصواريخ، بل- أيضًا- بالصور، والمقاطع القصيرة، والأرقام فى عالم أصبحت فيه المشاهَدات والاعجابات جزءًا من معادلة القوة.







