بين الإلغاء والترقب
الرياضة من رمز للسلام إلى مرآة للصراعات
آلاء البدرى
أصبح المشهد الرياضى العالمى غارقًا فى حالة من الغموض والفوضى.. فخلال الأيام الأخيرة فرضت المستجدات الإقليمية إيقاعًا مختلفًا على البطولات والفعاليات، من تأجيلات مفاجئة إلى إلغاءات أربكت حسابات المنظمين والفِرَق على حد سواء.. وفى مشهد يعكس مدى تأثر الرياضة بما يدور خارج الملاعب؛ أصبحت القرارات تُتخذ بسرعة، وأحيانًا بحذر؛ حفاظًا على سلامة المشاركين واستقرار الأحداث.. فالأحداث الرياضية العالمية التى كانت تنتظر بشغف من بطولات كرة القدم إلى سباقات الفورمولا 1 وبطولات التحمل باتت رمزًا للتأثير العميق الذى تتركه الحرب حتى على القرارات التنظيمية التى لم تعد تبنى على الجداول الزمنية أو الاستعدادات اللوجستية فحسب؛ بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالاعتبارات الأمنية والسياسية لتكشف كيف أن الرياضة التى طالما كانت مساحة للسلام والتواصل تقف اليوم أسيرة الصراعات الجيوسياسية والحروب.
كأس العالم
ستقام بطولة كأس العالم هذا العام وسط أحداث غير مسبوقة؛ إذ لم يعرف تاريخ البطولة أن تدخل الدولة المضيفة فى مواجهة عسكرية مباشرة مع أحد المنتخبات المشاركة قبل أشهُر قليلة من انطلاق الحدث.. فالعملية العسكرية التى شنتها إسرائيل ضد إيران بالتنسيق مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ألقت بظلال ثقيلة على العد التنازلى لمئة يوم الذى بدأ فى الثالث من مارس.. وبينما يَعد رئيس الفيفا جيانى إنفانتينو- الحليف المقرب من ترامب- بأن تكون النسخة المقبلة أعظم حدث شهدته البشرية على الإطلاق؛ فإن أجواء التوتر والاضطراب السياسى تجعل هذا الوعد محاطًا بالقلق والشكوك وتفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة البطولة على الحفاظ على صورتها كاحتفال عالمى بالرياضة والسلام.
إلى جانب ذلك يخيم عدم اليقين على مشاركة إيران فى كأس العالم الذى سينطلق فى يونيو المقبل، لكن المؤشرات كلها تؤكد أنها لن تكون حاضرة؛ خصوصًا بعد أن أودت الضربات الأمريكية الإسرائيلية بحياة المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين إضافة إلى أكثر من ألف مدنى بينهم 181 طفلاً خلال الأيام الأولى من الحرب لتزيد من تعقيد المشهد.. وأصبحت مشاركة المنتخب الإيرانى فى مبارياته المقررة ضد نيوزيلندا فى لوس أنجلوس يوم 15 يونيو وبلجيكا يوم 21 يونيو ومصر فى سياتل يوم 26 يونيو موضع شك كبير، وهو ما أكده تصريح رئيس الاتحاد الإيرانى لكرة القدم مهدى تاج الذى أوضح أن بَعد هذا الهجوم لا يمكن أن نتطلع إلى كأس العالم بأمل.. ولم يقتصر الأمر على الحرب وحدها؛ إذ إن الخطوة الاستباقية التى اتخذها ترامب فى عام 2025 بفرض قيود على دخول المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة؛ زادت من تعقيد الموقف.. ورغم أن القرار استثنى الرياضيين وأعضاء الفِرَق والمدربين والأشخاص الداعمين لهم؛ فإنه منع المشجعين الإيرانيين من دخول الأراضى الأمريكية، مما يعنى أن المنتخب سيعتمد على أفراد الجالية الإيرانية فقط.
بطولات كروية
كما شهدت كرة القدم فى الشرق الأوسط اضطرابًا واسعًا بسبب الحرب؛ حيث طالت قرارات التأجيل والإلغاء عددًا من البطولات البارزة.. ففى قطر أعلن الاتحاد القطرى لكرة القدم تأجيل جميع المباريات المحلية والدولية إلى أجل غير مسمى، وهو ما أثار شكوكًا كبيرة حول مصير المباراة الودية المنتظرة بين إسبانيا والأرجنتين التى كان مقررًا إقامتها فى الدوحة يوم 27 مارس.. وفى البحرين اتخذ الاتحاد البحرينى لكرة القدم قرارًا مماثلًا بوقف جميع المسابقات المحلية ليضاف ذلك إلى سلسلة من التوقفات التى شملت المنطقة بأكملها.
أمّا على مستوى القارة؛ فقد أعلن الاتحاد الآسيوى لكرة القدم (AFC) تأجيل مباريات دور الـ16 من دورى أبطال آسيا الممتاز التى تضم أندية الشرق الأوسط فى الأسبوعين الأولين من مارس، كما تم تأجيل مباريات ربع النهائى فى النسخة الثانية من دورى أبطال آسيا ودورى التحدى الآسيوى.. وفى إيران كان الوضع أكثر حدة؛ حيث ألغيت جميع الأحداث الرياضية حتى إشعار آخر بما فى ذلك دورى المحترفين فى الخليج العربى، وهو أعلى مستوى كروى فى البلاد ليصبح المشهد الرياضى هناك مشلولاً بالكامل.
بطولة التنس فى الإمارات
تم إلغاء بطولة ATP Challenger للتنس التى كان من المقرر أن تكون فى مدينة الفجيرة فى الإمارات العربية المتحدة؛ حيث كانت تعتبر إضافة جديدة إلى أجندة الرياضة الإماراتية؛ إذ خطط لها أن تكون محطة مهمة ضمن سلسلة بطولات التنس العالمية بمشاركة عشرات اللاعبين من مختلف الجنسيات على ملاعب صلبة مجهزة وفق المعايير الدولية وبجوائز مالية تقارب 63 ألف دولار.. لكن البطولة ألغيت بشكل مفاجئ بعد إنذار أمنى أدى إلى توقف اللعب، لتعلن رابطة محترفى التنس لاحقًا عن توفير رحلة طيران خاصة ممولة بالكامل لمغادرة اللاعبين المنطقة دون أى تكلفة عليهم مما عكس حجم القلق الأمنى الذى فرضته الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران.
فقبل اندلاع الحرب، كانت الإمارات تُعرَف كواحة رياضية آمنة ومزدهرة تستضيف بطولات كبرى مثل بطولة دبى المفتوحة للتنس وسباقات الفورمولا 1 فى أبوظبى وبطولات الجولف العالمية، إضافة إلى رياضات تراثية مثل سباقات الهجن والصقور، مما جعلها وجهة مفضلة للنجوم والجماهير على حد سواء.. هذا بالإضافة إلى البنية التحتية المتطورة من الملاعب الحديثة إلى الفنادق الفاخرة التى عززت صورتها كدولة تجمع بين الرياضة والسياحة والرفاهية.. لكن مع اندلاع الحرب فى فبراير 2026 تغيرت الصورة جذريًا؛ فقد تعرضت الإمارات لصواريخ إيرانية فأغلقت المدارس جزئيًا وأطلقت صافرات الإنذار وتوقفت بعض الأنشطة العامة فيما وجد لاعبون عالميون أنفسهم عالقين فى دبى بسبب تعليق الرحلات الجوية.
بطولة التحمل فى قطر
وأيضًا أجلت بطولة العالم للتحمل World Endurance Championship – WEC التى تعد واحدة من أبرز بطولات سباقات السيارات على مستوى العالم، فهى تجمع بين فِرَق مصنعة كبرى مثل تويوتا وفيرارى وبورش إلى جانب فرق خاصة فى منافسات تمتد لساعات طويلة وتختبر قدرة السائقين والسيارات على الصمود فى ظروف قاسية كان من المقرر أن ينطلق موسم 2026 من حلبة لوسيل الدولية فى قطر يوم 28 مارس وهى الحلبة التى استضافت سابقًا سباقات الفورمولا 1 وبطولات موتو جى بى وتعتبر من أبرز المنشآت الرياضية فى المنطقة بفضل تجهيزاتها الحديثة وإضاءاتها الليلية المميزة.. وقد أعدت ترتيبات واسعة للسباق شملت استقبال الفرق العالمية تجهيزات النقل والبث المباشر وحملات ترويجية ضخمة تؤكد على مكانة قطر كوجهة رياضية عالمية بعد نجاحها فى استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 لكن الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية فى منطقة الخليج وما تبعها من توترات أمنية قررت إدارة البطولة تأجيل افتتاح الموسم إلى موعد لاحق حرصًا على سلامة الفرق والجماهير مما انعكس بشكل سلبى على صورة قطر التى كانت تسوق نفسها كعاصمة للرياضة العالمية تجمع بين البنية التحتية المتطورة والاستثمارات الضخمة فى الأحداث الكبرى فباتت ترتيباتها الرياضية مهددة بالاضطراب.
الفورمولا 1 فى السعودية
أمّا سباقات الفورمولا 1 التى كان من المقرر انطلاقها فى البحرين فى 12 إبريل وفى السعودية فى 19 إبريل؛ فقد ظلت مجهولة فى ظل الحرب ضد إيران حتى صدر قرار الإلغاء الأسبوع الماضى.. ويجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية التى استثمرت كثيرًا فى استضافة سباق الجائزة الكبرى على حلبة جدة المطلة على البحر الأحمر والبحرين التى تعد من أوائل دول الخليج التى استضافت الفورمولا 1 منذ عام 2004، تواجهان اليوم تحديات أمنية غير مسبوقة.. وقد أوضح محمد بن سليم رئيس الاتحاد الدولى للسيارات (FIA) أن السلامة والرفاهية ستكونان المعيار الأساسى فى اتخاذ أى قرار بشأن إقامة السباقات المقبلة.
فى النهاية؛ قد لا تكون الرياضة بمنأى عمّا يحدث خارج حدود الملاعب، لكنها تظل واحدة من أكثر المساحات قدرة على استعادة التوازن سريعًا.. فكما تتأثر بالإلغاء والتأجيل، تملك أيضًا مرونة العودة بمجرد هدوء الأوضاع ووضوح الرؤية.. ومع ترقب ما قد تحمله الأيام المقبلة من انفراجات، تبقى هذه المرحلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الرياضة على الحفاظ على روحها الأساسية كمساحة تجمع بين الشعوب. وبين الإلغاء والترقب، يظل الأمل قائمًا فى أن تعود صافرة البداية لتعلو من جديد، لا كإشارة لمباراة فقط؛ بل كدليل على أن الحياة تمضى قدُمًا.







