كيف تكافح الحكومة لاستيعاب صدمات الحرب الإيرانية
الصمود الاقتصادى
أحمد عبدالعظيم
فى لحظة تاريخية تتسم بقدر غير مسبوق من الاضطراب، حيث تتشابك الأزمات الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية العالمية، تبدو قدرة الدول على الصمود اختبارًا حقيقيًا لصلابة سياساتها وكفاءة إدارتها.
وفى قلب هذا المشهد المعقد، يبرز الاقتصاد المصرى بوصفه نموذجًا يستحق التأمل، ليس لأنه بمنأى عن التأثر، بل لأنه استطاع -رغم الضغوط- أن يحافظ على تماسكه، وأن يدير التحديات بمنهج يتسم بالواقعية والمرونة.
وقد جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال حفل إفطار الأسرة المصرية لتضع النقاط فوق الحروف، مقدمة قراءة صريحة لحجم التحديات، ومحددة فى الوقت ذاته ملامح المسار الذى تنتهجه الدولة لعبور هذه المرحلة الدقيقة.
مصارحة ضرورية
لم تكن كلمة الرئيس مجرد خطاب تقليدى، بل حملت فى طياتها رسائل اقتصادية عميقة تعكس تحولًا واضحًا فى فلسفة إدارة الملف الاقتصادى، يقوم على الشفافية والمكاشفة. فقد اختار الرئيس أن يضع المواطن أمام الصورة الكاملة، متحدثًا بلغة الأرقام، ومشيرًا بوضوح إلى تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد الوطنى.
ومن أبرز ما جاء فى هذا السياق، الإشارة إلى تراجع إيرادات قناة السويس بنحو 10 مليارات دولار نتيجة اضطرابات الملاحة فى الممرات البحرية، وهو رقم يعكس حجم التأثير المباشر للأزمات الإقليمية على أحد أهم مصادر النقد الأجنبى فى مصر.
هذه المصارحة لا تعكس فقط وضوحًا سياسيًا، بل تؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطن، قوامها الثقة والفهم المشترك للتحديات، وهو ما يُعد عنصرًا أساسيًا فى إنجاح أى برنامج إصلاح اقتصادى.
معادلة التوازن الصعبة
فى ملف لا يقل أهمية، تطرق الرئيس إلى التحديات المرتبطة بالطاقة، مشيرًا إلى أن استهلاك مصر من المنتجات البترولية يقترب من 20 مليار دولار سنويًا، هذا الرقم، فى ظل تقلبات أسعار الطاقة عالميًا، يمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة، ويفرض على صانع القرار البحث عن حلول غير تقليدية.
لكن اللافت فى الطرح الرئاسى لم يكن فقط عرض المشكلة، بل تحديد إطار التعامل معها، حيث شدد على ضرورة ضمان توفير الطاقة لتشغيل عجلة الإنتاج، مع تجنب الوقوع فى فخ الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجى.
وهنا تتجلى معادلة دقيقة.. كيف يمكن للدولة أن تضمن استمرارية النشاط الاقتصادى، دون أن تثقل كاهلها بالديون؟ الإجابة، كما تعكسها السياسات الحالية، تكمن فى إعادة هيكلة أولويات الإنفاق، وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، إلى جانب التوسع فى مشروعات الطاقة البديلة.
كسر دائرة الديون
من أكثر الرسائل وضوحًا فى خطاب الرئيس تأكيده أن الاستمرار فى الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية الاحتياجات الأساسية «ليس منطقيًا ولا عادلًا»، وأن هذا النهج، إذا استمر، سيؤدى إلى تراكم الديون بشكل غير مستدام.
هذه الرسالة تحمل دلالات استراتيجية مهمة، إذ تعكس توجهًا نحو تغيير نمط اقتصادى ظل سائدًا لعقود فى كثير من الدول النامية، يقوم على سد الفجوات التمويلية عبر الاستدانة، وبدلًا من ذلك، تطرح الدولة المصرية مسارًا مختلفًا يعتمد على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات، إنها دعوة صريحة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر صلابة، حيث يصبح الاعتماد على الذات هدفًا، وليس مجرد شعار.
الحماية الاجتماعية
ورغم الطابع الصارم لبعض الإجراءات الاقتصادية، لم تغب البعد الاجتماعى عن خطاب الرئيس، بل كان حاضرًا بقوة، من خلال التوجيه بإعداد حزمة حماية اجتماعية جديدة تستهدف محدودى ومتوسطى الدخل.
هذا التوازن بين الإصلاح الاقتصادى والحماية الاجتماعية يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، إذ لا يمكن لأى إصلاح أن ينجح إذا لم يراعِ الأبعاد المعيشية للمواطنين. الإجراءات الاقتصادية، مهما كانت ضرورية، تحتاج إلى مظلة حماية تخفف من آثارها على الفئات الأكثر تأثرًا.
لماذا صمد الاقتصاد؟
إذا ما حاولنا قراءة أسباب صمود الاقتصاد المصرى فى ظل هذه الظروف، يمكن الوقوف على مجموعة من العوامل المتشابكة، أولها الإصلاحات الهيكلية السابقة، التى منحت الاقتصاد قدرًا أكبر من المرونة، خاصة فيما يتعلق بسعر الصرف والسياسات النقدية، ثانيًا، الاستثمار فى البنية التحتية، الذى لم يكن مجرد إنفاق، بل تأسيس قاعدة إنتاجية وخدمية قادرة على جذب الاستثمارات وتحفيز النمو.
العامل الثالث لأسباب الصمود هو تنوع مصادر الدخل، وهو ما ساعد فى تقليل الاعتماد على مورد واحد، وبالتالى الحد من تأثير الصدمات، وكذلك الإدارة الفعالة للأزمات، التى تجلت فى سرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التكيف مع المتغيرات.
الخبراء: الصمود ليس صدفة
فى قراءة أعمق لمشهد الصمود الاقتصادى المصرى، يؤكد الدكتور أحمد شوقى، الخبير الاقتصادى، أن ما يميز التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة هو قدرتها على «امتصاص الصدمات الخارجية دون انهيار داخلي» ويوضح أن الاقتصاد المصرى واجه فى توقيت متقارب تداعيات جائحة عالمية، ثم حربًا فى أوروبا، وأخيرًا توترات إقليمية أثرت على حركة التجارة، ومعص ذلك لم يشهد اختلالًا هيكليًا حادًا، ويرجع شوقى ذلك إلى تبنى سياسات نقدية ومالية أكثر مرونة، إلى جانب بناء احتياطات وخبرات مؤسسية مكنت صانع القرار من التحرك السريع.
ويرى الخبير الاقتصادى الدكتور فخرى الفقى، أن الإصلاحات التى بدأت منذ عام 2016 لعبت دورًا محوريًا فى تعزيز صلابة الاقتصاد، ويوضح أن تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم، رغم صعوبتها، ساهم فى تصحيح اختلالات مزمنة، وهو ما انعكس فى قدرة الاقتصاد على التكيف مع الضغوط الحالية، كما يشير إلى أن الدولة أصبحت أكثر قدرة على إدارة مواردها بكفاءة، وهو عامل حاسم فى مواجهة الأزمات المتلاحقة.
فى السياق ذاته، يشدد الدكتور هانى توفيق، الخبير الاقتصادى، على أن البنية التحتية التى تم إنشاؤها خلال العقد الأخير تمثل «خط الدفاع الأول» للاقتصاد المصرى، ويؤكد أن الاستثمارات فى الطرق والموانئ والطاقة لم تكن رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، حيث ساهمت فى جذب الاستثمارات وتحفيز النشاط الاقتصادى حتى فى أوقات التباطؤ العالمى، ويرى أن هذه المشروعات وفرت قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لتحقيق نمو مستدام فى المستقبل.
أما الدكتورة سهر الدماطى، الخبيرة المصرفية، فترى أن القطاع المصرفى المصرى لعب دورًا محوريًا فى دعم الاستقرار الاقتصادى، وتوضح أن البنوك المصرية أظهرت قدرًا كبيرًا من التماسك، بفضل السياسات التحوطية التى اتبعها البنك المركزى، وهو ما مكنها من الاستمرار فى تمويل المشروعات ودعم القطاعات الإنتاجية، وتؤكد أن هذا الاستقرار المالى يمثل أحد أهم العوامل التى ساعدت الاقتصاد المصرى على تجاوز الأزمات دون الدخول فى أزمات سيولة أو انهيارات مالية.
التحديات والفرص
إذا.. لا يمكن النظر إلى صمود الاقتصاد المصرى باعتباره حالة عابرة، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين السياسات والإرادة السياسية والقدرة على التكيف. وقد جاءت كلمة عبد الفتاح السيسى لتؤكد هذا المعنى، مقدمة نموذجًا فى المصارحة، ورسم ملامح طريق يقوم على الواقعية والعمل.
قد تكون التحديات كبيرة، وربما تزداد تعقيدًا فى المدى القريب، لكن ما تشير إليه المؤشرات الحالية هو أن مصر تمتلك من المقومات ما يمكنها ليس فقط من الصمود، بل من الانطلاق نحو مرحلة جديدة من النمو المستدام.
وفى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، يبدو أن الرهان المصرى لا يقوم فقط على تجاوز الأزمات، بل على تحويلها إلى فرص لبناء اقتصاد أكثر توازنًا وصلابة.
ورغم قتامة المشهد العالمى، فإن الأزمات تحمل فى طياتها فرصًا لا تقل أهمية عن التحديات، والتغيرات فى خريطة التجارة العالمية قد تفتح الباب أمام مصر لتعزيز موقعها كمركز لوجستى وصناعى، خاصة فى ظل ما تمتلكه من موقع جغرافى متميز وبنية تحتية متطورة، كما أن التحول العالمى نحو الطاقة النظيفة يمنح مصر فرصة لتعزيز استثماراتها فى هذا القطاع، مستفيدة من مواردها الطبيعية ومشروعاتها القائمة.







