وسط تزايد المخاوف.. يظل الدور العربى المصرى هو العامل الحاسم
كيف تنتهى الحرب فى إيران؟
آلاء البدرى
الحرب التى تهز المنطقة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية؛ بل اختبار وجودى يعيد رسم خرائط السياسة والتحالفات فى الشرق الأوسط بين إسرائيل التى تسعى للقضاء على التهديد الإيراني؛ وإيران التى ترى فى الصمود مكسبًا استراتيجيًا؛ والولايات المتحدة التى توازن بين أهدافها العسكرية ومصالحها الاقتصادية وغرور رئيسها.
ويبقى الدور العربى وخاصة المصرى هو العامل الحاسم فى صياغة مستقبل المنطقة؛ سواء عبر الوساطة الدبلوماسية أو عبر بناء قوة عربية مشتركة تعيد للمنطقة توازنها وللتحالف العربى مكانته ومع تصاعد واتساع نطاق وتبادل الرسائل النارية تتزايد المخاوف من توسع رقعة الحرب لتشمل دولًا مجاورة؛ ما يفتح الباب أمام سيناريوهات إقليمية أكثر خطورة.
ويحذر الخبراء من أن استمرار التصعيد قد يؤدى إلى انهيار البنية التحتية؛ ويهدد أمن الملاحة فى الخليج ويضع دول المنطقة كلها فى دائرة الخطر؛ كما أن احتمالات توسع الحرب لتشمل جبهات جديدة سيجعلها حربًا مفتوحة بلا سقف زمنى أو جغرافى، وفى هذا المشهد المأزوم تتعدد السيناريوهات بين مسارات التهدئة السياسية والدبلوماسية وضغوط اقتصادية قد تفرض وقفًا لإطلاق النار
مسار سياسى معقد
قال عمرو زكريا الخبير فى الشأن الإسرائيلي؛ إن إسرائيل لا تريد التهدئة فى هذه المرحلة بل ترى أن الحل العسكرى هو الخيار الأمثل للقضاء على التهديدات النووية والصاروخية الإيرانية؛ فهى التى دفعت الولايات المتحدة دفعًا إلى المشاركة فى هذه الحرب.
وتسعى إلى استغلال كل دقيقة لتحقيق أهدافها، ولن تقبل على وقفها قبل أن تحقق ما تعتبره أهدافًا وجودية؛ فالحرب رغم الخسائر وحدت الداخل الإسرائيلى بشكل غير مسبوق، حيث أيدت جميع الأحزاب سواء فى الحكومة أو المعارضة هذه المواجهة؛ واعتبرتها حربًا مصيرية وبالنسبة لإسرائيل لأن النصر يعنى القضاء على النظام الإيرانى أو على الأقل تدمير برنامجه النووى والصاروخي.
وإذا لم يسقط النظام فإنها ستحاول جاهدة إلى إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالبنية التحتية الإيرانية قبل أن يتغير الموقف الأمريكي؛ وخاصة أن الرئيس دونالد ترامب يعتبر عاملًا حاسمًا فى هذه الحرب؛ فقد يقرر إنهاء الحرب فى أى وقت إذا شعر أنها حققت أهدافها أو أن استمرارها يضر بالمصالح الأمريكية؛ خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط وتأثير ذلك على الاقتصاد الأمريكى والتضخم الداخلى والضغط السياسى من قبل معارضيه؛ وهو ما يزداد حساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى لذلك تكثف إسرائيل هجماتها الآن لتحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل أن يتخذ ترامب قرارًا بوقف الحرب.
خريطة القوى فى المنطقة
وأضاف زكريا أن المسار السياسى والدبلوماسى لإنهاء الحرب سيظل مرهونًا بشروط ملزمة من جميع الأطراف؛ لكن هذه الشروط متناقضة فإيران تشترط وقف الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية وتعويضها عن الخسائر التى تكبدتها؛ بينما إسرائيل تضع هدفًا أعلى يتمثل فى القضاء على النظام الإيرانى أو على الأقل تدمير برنامجه النووى والصاروخي.
أما الولايات المتحدة فترى أن الحل يكمن فى اتفاق سياسى ملزم يحد من البرنامج النووى والصاروخى الإيراني؛ ويضعه تحت إشراف دولى مع ضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز؛ أى اتفاق محتمل سيعتمد على قدرة الأطراف على التوفيق بين هذه المطالب المتعارضة وهو أمر شديد التعقيد.
واختتم زكريا أنه مهما طال أمد الحرب فإنها ستنتهى فى يوم من الأيام؛ لكن الأكيد نهايتها ستعيد رسم خريطة القوى فى المنطقة بأكملها؛ الأطراف المباشرة فى الحرب؛ وكذلك دول الخليج والدول الوسيطة ستعيد تقييم مواقعها وتحالفاتها.
فقد أثبتت هذه الحرب أن دول الخليج معرضة للاعتداءات الإيرانية سواء على القواعد العسكرية الغربية الموجودة على أراضيها أو على أهداف مدنية داخلية؛ وهو ما سيدفعها إلى إعادة النظر فى تحالفاتها الأمنية؛ وربما تتجه بعض هذه الدول إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل عبر اتفاقيات سلام سواء بشكل جماعى أو منفرد؛ بعدما روجت إسرائيل لنفسها أنها الطرف الأكثر قدرة على مواجهة إيران عسكريًا ودفاعيًا عبر منظومات مثل القبة الحديدية ومقلاع داود؛ وهذا التحول قد يؤدى إلى تهميش القضية الفلسطينية؛ إذ ستنصرف أولويات دول الخليج نحو ضمان أمنها المباشر.
المسار الاقتصادى
قال الدكتور عبد الرحمن طه خبير الاقتصاد الرقمى وتحليل المخاطر الجيو-اقتصادية؛ إن تطورات الصراع الأمريكى الإسرائيلى الإيراني؛ تكشف لنا يومًا بعد يوم أن الاقتصاد لم يعد مجرد نتيجة للحرب بل تحول إلى أحد أدواتها الأساسية؛ حيث تعمل العقوبات وأسواق الطاقة وسلاسل التجارة العالمية كمتغيرات استراتيجية قد تحدد نهاية الصراع والحرب الدائرة أكثر مما تفعل العمليات العسكرية المباشرة؛ وأن العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على إيران تمثل أحد أهم أدوات الضغط الاقتصادى فى هذا الصراع؛ إذ تستهدف بشكل مباشر قطاع الطاقة والقطاع المالى الإيراني؛ بما فى ذلك حظر استيراد النفط والغاز الإيرانى ومنع الاستثمار فى صناعات الطاقة وفرض قيود على البنك المركزى الإيراني.
وأكد أن هذه الإجراءات أدت تاريخيًا إلى تراجع صادرات النفط وإضعاف القدرة التمويلية للاقتصاد الإيراني وأضاف طه؛ أن الاقتصاد الحربى فى هذا الصراع لا تتحمل تكلفته إيران وحدها إذ تواجه إسرائيل والولايات المتحدة بدورهما تكاليف مالية واستراتيجية متزايدة؛ فالحروب الممتدة تعنى ارتفاع الإنفاق العسكرى وتراجع الاستثمارات؛ وزيادة المخاطر السيادية فى الأسواق المالية.
كما أن الضربات العسكرية التى تستهدف البنية التحتية للطاقة فى المنطقة تخلق اضطرابًا واسعًا فى الاقتصاد العالمي؛ ما يزيد الضغوط السياسية على الحكومات الغربية لإنهاء الصراع.
وأشار طه؛ إلى أن التأثير الأكبر للصراع يظهر بوضوح فى أسواق الطاقة العالمية؛ فالهجمات على منشآت الطاقة وتعطيل الملاحة فى الخليج أدت إلى صدمة فى العرض العالمي؛ حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد وتجاوزت مستويات 100 دولار للبرميل فى بعض الفترات؛ نتيجة فقدان ملايين البراميل يوميًا من الإمدادات العالمية وأن الهجمات على البنية التحتية للطاقة فى الخليج.
وتعطل إنتاج الغاز الطبيعى المسال فى قطر أدى إلى انخفاض ملحوظ فى الإمدادات العالمية؛ وهو ما انعكس فورًا على أسعار الطاقة والكهرباء والصناعة فى أوروبا وآسيا.
وأكد طه أن الاقتصاد العالمى أصبح طرفًا غير مباشر فى هذه الحرب؛ حيث يؤدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تضخم عالمى سريع ينعكس على أسعار الغذاء والنقل والصناعة؛ وهو ما يضع ضغوطًا متزايدة على البنوك المركزية والحكومات؛ ولهذا حذر عدد من خبراء الاقتصاد من أن استمرار الصراع قد يخلق صدمة تضخمية عالمية شبيهة بأزمات الطاقة السابقة.
واختتم بالتأكيد على أن السيناريو الاقتصادى هو الأكثر واقعية لإنهاء الصراع؛ ويتمثل فى نموذج يقوم على تبادل تدريجى بين الأمن والاقتصاد؛ بحيث يتم التوصل إلى اتفاق يتضمن وقف التصعيد العسكرى وضمان حرية الملاحة فى الخليج مقابل تخفيف تدريجى للعقوبات على قطاع النفط الإيراني؛ وإعادة إدماج جزء من الاقتصاد الإيرانى فى النظام المالى العالمي.
وأشار إلى أن مثل هذا السيناريو قد يسمح بعودة تدريجية للإمدادات النفطية إلى الأسواق العالمية وخفض أسعار الطاقة ويمنح إيران حافزًا اقتصاديًا للالتزام بالاتفاق وفى الوقت نفسه يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مكسبًا استراتيجيًا يتمثل فى تقليص التصعيد العسكرى دون خسارة نفوذهما الإقليمي
القوة العسكرية الإيرانية
ويؤكد الدكتور أحمد النادى أستاذ الدراسات الإيرانية؛ أن الأطراف الفاعلة داخل المجتمع الإيرانى لا ترى فى هذه المرحلة أى جدوى من الدخول فى تسوية أو مفاوضات مع الولايات المتحدة أو إسرائيل؛ ولا توجد رغبة ملحة فى إنهاء الحرب فالتجارب السابقة مثل حرب الأيام الاثنى عشر؛ أثبتت أن المفاوضات كانت تنتهى بمطالب أقرب إلى الاستسلام الكامل لإيران من قبيل تفكيك البرنامج النووي؛ وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية بمدى لا يتجاوز 300 كيلومتر؛ وهو ما يعنى عمليًا حصر قدرات إيران داخل جغرافيتها دون أى تأثير إقليمى أو قدرة على الردع تجاه إسرائيل؛ لذلك ورغم قسوة الحرب الحالية وما ألحقته من أضرار بالبنية التحتية؛ ترى إيران أن مكاسبها الاستراتيجية من الصمود فى هذه الحرب أكبر بكثير من الدخول فى مفاوضات قد تفضى إلى نتائج غير محمودة العواقب.
وأضاف النادي؛ أن إيران لم تدخل هذه الحرب بشكل مفاجئ بل كانت مجهزة ومهيأة لها مسبقًا؛ واضعة خططًا دقيقة لمواجهة أى ضربة عسكرية محتملة، حتى مع استهداف عدد من كبار المسئولين بينهم المرشد الأعلى على خامنئى و38 شخصية قيادية؛ لم يتأثر النظام بشكل جوهرى إذ كانت هناك ترتيبات بديلة لكل قائد من الصف الأول حتى الصف الخامس؛ لضمان استمرار منظومة الحكم دون اهتزاز.
المرشد الأعلى نفسه منح صلاحيات واسعة للقيادات مثل على لاريجاني؛ ما جعل النظام قادرًا على الصمود حتى فى حال غيابه؛ وفى هذا السياق جاء اختيار مجتبى خامنئى كمرشد باعتباره ضرورة فقهية وسياسية؛ إذ يحظى بإجماع داخلى فى الفكر الشيعى الذى يربط القيادة بالدم والتضحية
أما الرسالة الأبرز جاءت من الداخل الإيرانى، أى قيادات الدولة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى قادة الحرس الثورى ورئيس الجمهورية الإسلامية مسعود بيزشكيان خرجوا فى مسيرات القدس بين المتظاهرين بلا حراسة؛ فى مشهد يرمز إلى ثقة النظام بنفسه وإلى أن الحرب لم تهز بنيته الداخلية.
وبالنسبة لإيران ورغم الخسائر الكبيرة فى البنية التحتية؛ فإن مكاسب الحرب الاستراتيجية أقرب بكثير من الدخول فى مفاوضات مشروطة بالاستسلام الكامل؛ كتفكيك البرنامج النووى أو تقييد برنامج الصواريخ الباليستية؛ لذلك ترى طهران أن الصمود فى هذه الحرب يمنحها أوراق قوة أكبر من أى تسوية قد تفرض عليها؛ فهى لا تبدو متساهلة مع الموقف الراهن بل تناور وتثبت يوميًا أنها ما زالت تمتلك قدرات صاروخية فاعلة رغم التصريحات الأمريكية المتناقضة التى يطلقها الرئيس ترامب عن القضاء على 80% أو 90% أو حتى 100% من قدرتها تاره؛ وعن طلبه للدول الكبرى بالتدخل تارة أخرى لكن الواقع يكشف أن إيران تواصل إنتاج صواريخ جديدة وسلالات متطورة تضرب العمق الإسرائيلى والقواعد الأمريكية فى الخليج؛ بل وتصل تهديداتها إلى نطاق تركيا.
وأكد النادى أنه بالفعل هناك محاولات عربية جادة لاحتواء الموقف خاصة من مصر؛ حيث دعا الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى التهدئة وصياغة مبادرة على غرار اتفاق إنهاء الحرب فى غزة، لكن إيران ترى أن التى انطلقت من قواعد عسكرية فى دول الجوار وأبرزها حادثة مدرسة الأطفال التى أودت بحياة نحو 150 طفلة إيرانية؛ جعلت سقف تنازلاتها أصعب بكثير مما كان قبل الحرب فهذه الخسائر تركت جرحًا عميقًا فى المجتمع الإيرانى وزادت من قناعة القيادة بأن امتلاك القدرات النووية العسكرية بات ضرورة لحماية النظام ومنع تكرار مثل هذه الضربات.
فقبل الحرب كانت إيران مستعدة للتفاوض حول برنامجها النووى السلمى وربما تقديم تنازلات محدودة؛ لكن الحرب غيرت المعادلة بالكامل اليوم ترى إيران أن امتلاك التقنية النووية العسكرية هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام وردع إسرائيل والولايات المتحدة ومجتبى خامنئى المرشد الجديد يعتبر أن الفتوى التى أصدرها والده بتحريم السلاح النووى لم تعد ملزمة وأن الظروف الاستراتيجية تفرض امتلاك هذا السلاح كجزء من هوية إيران الدفاعية.







