ركام الحرب وخطة للسلام
هل تتجاوز حرب إيران منطقة الشرق الأوسط؟
داليا طه
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يزداد القلق فى الأوساط السياسية والدبلوماسية حول ما إذا كانت هذه الحرب ستظل محصورة داخل حدود الشرق الأوسط، أم أنها قد تتحول إلى أزمة دولية أوسع. التطورات الأخيرة فى الخليج العربى، وبخاصة حول مضيق هرمز، تشير إلى أن الصراع لم يعد محصورًا داخل المنطقة، بل بات يحمل أبعادًا دولية واضحة.
تدويل المواجهة
وجاء التحول الأبرز بعد الدعوة التى أطلقها الرئيس الأمريكى دونالد ترمب إلى عدد من الدول للمشاركة فى عمليات عسكرية تهدف إلى تأمين الملاحة وفتح المضيق أمام السفن التجارية، فى ظل التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاقه أو تعطيل حركة السفن.
ويؤكد محللون أن هذه الدعوة تمثل محاولة لتشكيل تحالف دولى يضمن استمرار تدفق النفط والتجارة عبر هذا الممر البحرى الحيوى، وهو ما قد يؤدى إلى تدويل المواجهة سريعًا.
الدول الآسيوية
ردود الفعل الدولية على الدعوة الأمريكية كانت متنوعة، فقد أعلنت كوريا الجنوبية استعدادها لدراسة المشاركة فى حماية الملاحة، معتبرة أن ذلك خطوة ضرورية لضمان أمن مصادر الطاقة التى تعتمد عليها البلاد بشكل كبير.
بينما أكدت اليابان أن قرار المشاركة سيظل سياديًا ويعتمد على تقدير الحكومة للمخاطر وتطورات الموقف، هذه المواقف تعكس توازنًا دقيقًا بين الحاجة لحماية مصادر الطاقة وعدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، الأمر الذى يعكس تعقيد الحسابات الدولية فى هذه الأزمة.
على الأرض، تصاعدت المواجهات بشكل متسارع، فقد نفذت إيران هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة على قواعد عسكرية وحيوية، فيما ردت الولايات المتحدة وإسرائيل بشن ضربات دقيقة على أهداف إيرانية، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.
كما شهدت مناطق العراق ولبنان واليمن تحركات لميليشيات مدعومة من إيران، فى استراتيجية تهدف إلى الضغط على الأطراف الدولية وتهديد مصالحها فى المنطقة.
ويعد مضيق هرمز محورًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله، فإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه يؤدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير ويهدد سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن أى توقف لحركة السفن لمدة أسبوع قد يرفع الأسعار بنسبة 10 إلى 15 بالمئة، ما يخلق صدمة اقتصادية عالمية.
المارينز والجزر الإيرانية؟!
أحد أبرز التطورات الأخيرة هو إعلان الرئيس الأمريكى عن رغبته فى إرسال نحو 2500 جندى من مشاة البحرية «المارينز»، للسيطرة على الجزر الواقعة فى مضيق هرمز، يطرح هذا القرار سؤالًا مهمًا: ماذا يعنى إرسال هذه القوات؟
قال الخبير الأمريكى مالكوم نانس، الذى قضى 36 عامًا فى العمل الاستخباراتى فى الشرق الأوسط، أن أسرع سيناريو محتمل لوصول هذه القوة سيستغرق نحو أسبوعين، وهو ما يضعها أمام تحديات لوجستية وعسكرية ضخمة.
الدراسات العسكرية الأمريكية، التى أُجريت قبل نحو أربعين عامًا، أظهرت أن السيطرة على الجزر تتطلب ما لا يقل عن 6000 من قوات المارينز، بالإضافة إلى كامل المعدات العسكرية، موزعين على عدة جزر.
وتشمل هذه الجزر لارك وهرمز وقشم -التى تشبه شكل سمكة القرش- بالإضافة إلى هنجام، وذلك لتطويق بندر عباس وفتح الطريق للسيطرة على المضيق.
وبعد ذلك، يتوقع إرسال مجموعات إنزال صغيرة لتنفيذ عمليات على جزر طنب الكبرى والصغرى، وأبو موسى، وسيرى، وكيش.
لكن تنفيذ مثل هذه العملية يترك بصمة عسكرية ضخمة يسهل رصدها.
ويرى الخبراء أن أى محاولة كهذه ستؤدى إلى مواجهة مباشرة مع الحرس الثورى الإيرانى وقوات الباسيج، التى قد تنفذ هجمات انتحارية من الجبال المطلة على المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه القوات الأمريكية مشكلة الإمدادات العسكرية، إذ تعتمد خطوط الإمداد على قواعد فى الإمارات وقطر قد تتعرض لضربات، أو قد ترفض السماح باستخدام أراضيها. أى خطأ فى الإمدادات سيجعل المضيق نفسه ساحة قتال مفتوحة، وهو ما يراه الكثيرون ضربًا من الجنون.
قوات المارينز ستتعرض لنيران الطائرات المسيرة الإيرانية والقوارب الانتحارية والألغام البحرية، حتى قبل وصولها إلى الشاطئ.
وفى حال محاولة البنتاجون نقل قاعدة بحرية استكشافية لتوفير منصة آمنة للقوات، فإن هذه الخطوة لم تنفذ بعد، ما يزيد من صعوبة العملية. وحتى فكرة إنزال فرقة المارينز المحمولة جويًا بالمظلات، تعتبر محفوفة بالمخاطر وتشبه معركة هوستوميل فى الحرب الأوكرانية، وفقًا لخبراء عسكريين.
النتيجة أن هذه المناقشات تكشف عمق الأزمة: مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحرى، بل عقدة جيوسياسية فى قلب النظام الاقتصادى العالمى.
السيطرة عليه بالقوة تعنى مواجهة مباشرة مع إيران على أرضها، وهو سيناريو كانت الولايات المتحدة تتجنبه حتى فى ذروة التوتر خلال الثمانينيات.
ويشير الخبراء إلى أن أى محاولة لاحتلال الجزر قد تتحول بسرعة إلى حرب إقليمية واسعة، وربما إلى أزمة عالمية فى الطاقة والاقتصاد.
توسع الصراع
يرى محللون أن الحرب مع إيران تختلف عن النزاعات الإقليمية التقليدية، إذ تمتلك إيران شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة فى لبنان والعراق واليمن، ما يجعل أى مواجهة معها قابلة للتوسع إلى مناطق متعددة.
وأن تدخل دول خارج المنطقة فى العمليات العسكرية أو البحرية قد يجعل مصالح تلك الدول أهدافًا مباشرة للرد الإيرانى، وهو ما يزيد من احتمال تحول الصراع إلى أزمة دولية.
إلى جانب البعد العسكرى، للأزمة أبعاد اقتصادية خطيرة، فقد أدت التوترات فى الخليج إلى ارتفاع أسعار النفط وإثارة مخاوف من اضطرابات فى سلاسل الإمداد العالمية، خاصة فى الدول الصناعية التى تعتمد على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن استمرار التوترات لمدة شهر قد يؤدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج فى مختلف القطاعات الحيوية، ويزيد الضغوط التضخمية، مما يهدد استقرار الأسواق العالمية.
السيناريوهات المستقبلية
يبقى مستقبل الحرب مفتوحًا على عدة احتمالات، فقد تظل المواجهة ضمن حدود الصراع الإقليمى، أو تتوسع دائرة المشاركة العسكرية وتتطور إلى أزمة دولية كبيرة.
وتشير التقديرات إلى أن أى تصعيد فى الخليج، أو محاولة إيران فرض السيطرة على مضيق هرمز، سيجعل المجتمع الدولى مضطرًا للتدخل لمنع انهيار أسواق النفط والتجارة العالمية.
وفى هذا الإطار، تتفاوت الاستراتيجيات الدولية بين الردع المباشر ومحاولة احتواء الأزمة دبلوماسيًا، وسط خوف من اندلاع مواجهة واسعة قد تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمى والأمن الدولى.
إيران، بموقعها الجغرافى واستراتيجيتها الإقليمية، تمتلك القدرة على توسيع نطاق المواجهة بسرعة، بينما الدول الكبرى تسعى للحفاظ على مصالحها دون الانجرار إلى صراع شامل.
المصالح الاقتصادية العالمية
الحرب الحالية قد تتجاوز الشرق الأوسط بالفعل إذا استمرت التدخلات الدولية وزادت الضغوط على إيران لتأمين الملاحة وحماية المصالح الاقتصادية العالمية.
إدارة الأزمة والتحكم فى تبعاتها أصبحت من أكبر التحديات أمام صانعى القرار فى العالم اليوم، إذ أن أى خطأ فى الحسابات قد يؤدى إلى مواجهة دولية واسعة، تتجاوز حدود المنطقة وتؤثر على الأمن والطاقة والاقتصاد العالمى.







