السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

خريطة عرقية متشظية وصراع دينى داخلى حول ولاية الفقيه

إيران.. اليوم التالى بعد الحرب

أسئلة كثيرة لم يجب عنها أحد بشأن ما يجرى حاليًا فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكلها تتعلق باليوم التالى بعد انتهاء الحرب، التى قد يتوقع لها كثيرون أن تمتد لأسابيع وربما شهور مقبلة، فى حين أنه من المتوقع إنهائها فى أى لحظة بقرار أمريكى وليس بقرار إسرائيلى، وفقًا لمزاج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.



المؤكد أن تحقيق أمريكا وإسرائيل نصرًا عسكريًا على إيران لا يعنى بالضرورة سقوط النظام الإيرانى الحالى، لكن المؤكد أيضًا أنها ستترك النظام الإيرانى فى حالة شديدة الهشاشة، ويظل قرار بقاء النظام الإيرانى من عدمه فى يد الداخل الإيرانى شديد التعقيد والتشابك، ومن المرجح جدًا أن إيران التى نعرفها الآن لن تكون هى إيران نفسها فى المستقبل القريب، وذلك نتيجة سيادة حكم دولة ولاية الفقيه لنحو نصف قرن منذ 1979 وحتى الآن، وإقصاء النظام لجميع معارضيه حتى من داخل المؤمنين بولاية الفقيه وإن اختلفوا حول صلاحياته، ناهينا عن تهميش العرقيات غير الفارسية والتى تشكل نحو نصف السكان أو أقل قليلًا وإن كان معظمهم من الشيعة.

لذلك فإن أى تغيير سوف يحدث فى إيران سيكون مدفوعًا بثلاثة معطيات بالغة الأهمية إما منفردة أو مجتمعة لكن فى كل الأحوال النتيجة لن تكون فى صالح الشعب الإيرانى أو المنطقة، ولعل هذا يبرر الجهود التى بذلتها دول الجوار الإيرانى قبل اندلاع الحرب لمنع نشوبها لأن تهديدات إيران فى ظل نظام ولاية الفقيه الحالية لدول المنطقة قطرة فى محيط من التهديدات التى ستخلفها الفوضى حال انهيار النظام الإيرانى.

أما المعطيات الثلاثة فتتمثل فى التشرذم العرقى شديد الخطورة، والخلافات المستحكمة بين فقهاء ورجال الدين الشيعية بشأن ولاية الفقيه، فى حين يتمثل المعطى الثالث فى يأس كثير من فئات الشعب الإيرانى من النظام الحالى سواء على المستوى السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى.

 الخريطة العرقية

يمثل العرق الفارسى وهم نواة وعصب النظام الحالى نحو 50 فى المائة أو أكثر قليلًا من اجمالى الشعب الإيرانى البالغ أكثر من 92 مليونًا، ويتمركزون فى القلب من إيران، يأتى بعد ذلك الأقلية الآذرية التى تقدر بنحو 18 فى المائة معظمهم من الشيعة ويتمركزون بجوار حدود أذربيجان ولغتهم الآذارية المشتقة من التركية، وينقسم الآذاريون بين من يطالب بالانضمام إلى دولة أذربيجان ومن يطالب يحكم ذاتى ومزيد من الحقوق فى ظل التجاهل التنموى والسياسى لهم.

يأتى فى المرتبة الثالثة المكون الكردى بنسبة 10 فى المائة وينتمون للمذهب السنى ويقطنون المنطقة المجاورة لكردستان العراق وتجمعهم صلات عائلية وفكرية كثيرة، وهم الأخطر فى الوضع الحالى حيث تسود بين أكراد المنطقة سردية مظلومية بشأن دور الاستعمار فى تمزيق أوصال منطقتهم وتوزيعها بين إيران والعراق وسوريا وتركيا، وينظر أكراد إيران إلى أكراد العراق بأنهم يعيشون فى مناخ أفضل منهم فى ظل الحكم الذاتى وما يتمتعون به من حريات وحالة اقتصادية أفضل، لذلك جاءت تحذيرات النظام الإيرانى لهم مبكرًا من أى محاولات للانفصال، فى حين يجدون تحريضًا صريحًا على ذلك من قبل الولايات المتحدة، بينما تخشى انقرة حدوث ذلك خوفًا من عودة اشتعال الموقف من قبل أكراد تركيا.

هناك أيضًا البلوش فى منطقة بلوشستان جنوب إيران ويشكلون نحو 7 فى المائة، وغالبيتهم من السنة، وهناك أيضًا التركمان وعرب الأهواز واللر أو اللور، وجميع هذه العرقيات لها لغتها الخاصة بها.

خطورة هذه التركيبة العرقية أنها تمثل طوقًا يحيط بالفرس من جميع حدود إيران، ظلت تعانى من نقص الاستثمار والتهميش مما خلق استياء عميقة تجاه السلطة المركزية خصوصًا أنها ذات علاقات عابرة لحدود الدولة الوطنية، حيث أدى القمع لهذه العرقيات إلى ظهور جماعات مسلحة، مما ينبئ بمخاطر صراعات عابرة للحدود كتلك التى بين إيران وباكستان بشأن المسلحين البلوش، وهذا يضع الدولة المركزية فى موقف بالغ الخطورة، إذا نجحت أمريكا وإسرائيل فى اضعاف الحرس الثورى وقوات الباسيج، ومن ثم تتراخى القبضة الأمنية التى تتعامل بها السلطة المركزية مع هذه الأقليات ومع المعارضة بشكل عام، بما يفضى لدخول إيران فى فوضى عارمة مدعومة بتدخلات خارجية ستمتد لدول الجوار وتؤثر على أمن المنطقة ككل وقد يستغرق الأمر عقودًا من الأحتراب الداخلى خصوصًا أن محاولات توحيد جبهات هذه الأقليات باءت بالفشل بل وهناك حالات من العداء بين بعضها البعض.

 الخلافات الشيعية الشيعية

فى المقابل هناك خلافات شيعية شيعية داخلية طاحنة حول ولاية الفقيه، حيث تشير الأوضاع الحالية إلى أن نظام ولاية الفقيه لا يتمتع بتأييد أكثر من 20 فى المائة من الشعب الإيرانى ورغم  أن هذا يعد رقمًا ضخمًا، إلا أن نقطة ضعفه تكمن فى أنهم يمثلون الكتلة المشاركة فى النظام والمستفيدة منه بشكل مباشر أو غير مباشر، وفى معظمهم مسلحون سواء كانوا أعضاء فى الحرس الثورى أو قوات الباسيج التى تصل وفق بعض التقديرات إلى مليونى عنصر، وغيرهم من المنتمين للنظام.

يمثل التيار الشيرازى نواة الاختلاف والخلاف الفقهى مع نظام ولاية الفقيه، وللتعرف أكثر على طبيعة هذا الخلاف، بداية علينا أن نتعرف على عقيدة الولى الفقيه وتأثير رجال الدين على الحياة السياسية، فمن العقائد الراسخة التى يقوم عليها المذهب الشيعى الاثنى عشرى، عقيدة الإمام الغائب (المهدى المنتظر) وهو الأمام الثانى عشر محمد بن الحسن العسكرى الذى كان له غيبة صغرى فى القرن الثالث الهجرى ثم غيبة كبرى اختفى بعدها وينتظرون عودته حتى الآن، وينوب عنه الفقهاء فى نيابة عامة غير محددة لشخص بعينه، ومن ثم يعد آيات الله وغيرهم من الفقهاء حراس وأمناء على هذا الوضع إلى حين ظهور المهدى.

ومع قيام الثورة الإسلامية فى إيران بقيادة آية الله الخمينى، نشأ خلاف بين الخمينى وبعض الفقهاء حول دور الولى الفقيه وهو نظام اخترعه الخمينى نفسه، وهنا يبرز أمامنا اسمان مهمان فى تاريخ دولة ولاية الفقيه الحالية، الأول هو آية الله محمد الشيرازى والثانى آية الله حسين على منتظرى.

توثقت العلاقة بين آية الله الشيرازى والخمينى فى الستينيات حيث كان الشيرازى يعيش فى النجف وعندما فر الخمينى من إيران إلى العراق استقبله الشيرازى، وبعد قيام الثورة عاد الشيرازى إلى إيران وكان من المقربين من الخمينى، وسيطر اتباع الشيرازى على الإعلام فى إيران وكذلك على الحسينيات وحققوا انتشارًا ملحوظًا وكانوا قائمين على تصدير الثورة كما امتلكوا ذراعًا اقتصاديًا قويًا حتى أنهم كانوا يسيطرون على نصف البازار فى طهران وكانوا أشبه ما يكون بجماعة فتح الله جولن فى تركيا، لكن سرعان ما اختلافا معًا بعد أن غير الشيرازى موقفه من ولاية الفقيه ورفض انفراد الخمينى بصفته الولى الفقيه بالسلطة ودعا إلى تشكيل مجلس الأولياء الفقهاء والحد من تدخل الفقهاء فى الشأن السياسى، فتم تحديد إقامته حتى وفاته وتولى بعده قيادة التيار شقيقه الأصغر صادق الشيرازى.

الأمر نفسه تكرر مع آية الله منتظرى الذى كان قريبًا لفكر الشيرازى، ورغم أنه كان نائبًا للمرشد الأعلى (الخميني) ومن ثم كان مقدرًا أن يخلفه بعد وفاته إلا أنه عارض بشدة استمرار موجة الإعدامات للمعارضين وعارض كذلك السلطة المطلقة للمرشد الأعلى وحاول إصلاح النظام من الداخل وانتهى به الأمر بالعزل من منصبه قبل وفاة الخمينى بفترة وجيزة، ووضع قيد الإقامة الجبرية حتى توفى عام 2009.

ولم يعترف الشيرازية بشرعية على خامنئى، واعتبروه ليس فقط غير مؤهل فقهيًا وعلميًا للمنصب بل ووصفوه بالفرعون الديكتاتور، وقد تم تعديل الدستور خصيصًا له بعد وفاة الخمينى لكى يستطيع تولى هذا المنصب، والأمر نفسه ينطبق على ابنه المرشد «الجديد» مجتبى خامنئى، الذى لم ينل لقب آية الله، واستمر الصراع بين الشيرازية والنظام الإيرانى والمرشد على خامنئى الذى ظل يضيق عليهم كثيرًا طوال العقود الثلاثة الماضية، وينتشر الشيرازيون فى العديد من الدول العربية ولهم تواجد ملحوظ فى لندن وأدواتهم الإعلامية والإقتصادية مؤثرة ووقع صدام بينهم وبين حزب الله فى لبنان وحسن نصرالله الذى وجد فى انتشارهم تهديدًا مباشرة لحزب الله، واتهمهم بأنهم يعملون على «طقسنة» المذهب الشيعى من خلال المغالاة فى طقوس التطبير (ضرب الراس حتى تسيل الدماء).

وحتى نفهم أكثر علينا أن نعرف التراتبية الدينية والفقهية فى المذهب الشيعى، ومن أبرز هذه المسميات لقب «حجة الإسلام» ويطلق على طلاب العلم الدارسين الشرعيين الذين درسوا مرحلة تعرف باسم «السطوح العالية»، وشرعوا فى الدراسات العليا التى تعرف باسم «البحث الخارج»، وهى المرحلة التى يصل فيها الطالب إلى مرحلة الاجتهاد، أما لقب آية الله فيحصل عليه من بلغ درجة الاجتهاد وهنا يجوز له إصدار الفتاوى واستنباطها، ومن ثم هو لا يقلد غيره بل يعتمد على نظره واستدلاله، يليها لقب آية الله العظمى ويطلق على من يتصدى للمرجعية الدينية، أى أنه يصبح مرجعا له مقلدون يتبعونه فى أحكامه الشرعية، ومن هنا نجد فكرة «التقليد» أى أنه من حق أى شيعى أن يكون مقلدًا لأحد هذه المراجع أى يكون تابعًا له فقهيًا وفكريًا، فنجد مقلدى الخمينى ومقلدى الشيرازى ومقلدى السيستانى وغيرهم، وتمنح شهادات رسمية من وزارة التعليم الإيرانى بهذه الدرجات العلمية، ولا يوجد حاليًا سوى 20 من آيات الله العظمى فى المذهب الشيعى الاثنى عشرية، معظمهم فى إيران، والمثير فى الأمر ومصدر الخطر على النظام الإيرانى الحالى أن معظمهم لا يتفقون مع نظام ولاية الفقيه الحالى، ويرون أنه يرسخ فكرة ديكتاتورية الفرد ويحجر على أفكار واستنباطات المرجعيات الأخرى، كما أن الكثيرين منهم منكفؤون على الأمور الفقهية والدينية بعيدًا عن السياسة.

 فصائل تتحدى الدولة الدينية

وسط كل هذا يبرز طريق ثالث رافض تمامًا للدولة الدينية ويضم عدة تيارات وإن كان يعانى التشرذم والتباين الشديد، ومن هذه التيارات منظمة مجاهدى خلق حركة يسارية تأسست سنة 1965 وكانت تهدف إلى تأسيس دولة ديمقراطية وطنية تكون بديلة لحكم الشاه، إلا أنها تعرضت لحملات قمع كبرى على يد الشاه بعد أن لاقت انتشارًا كبيرًا بين الشعب الإيرانى خصوصا طلبة الجامعة والطبقة العاملة وتم القضاء على 90 فى المائة من قيادتها، ثم عادت للظهور بقوة بعد الثورة الإيرانية لكنها اختلفت مع الخمينى، حيث رأت المنظمة أن الخمينى سرق الثورة منهم، إذ ترشح مسعود رجوى فى الانتخابات الإيرانية، لكن تم إقصاؤه من قبل الخمينى وشطبه من الدورة الانتخابية وفق فتوى بأنه لم يصوت على دستور ولاية الفقيه، ولجأت الحركة للعمل من الخارج وتقودها حاليًا مريم رجوى، التى تقدمها المنظمة باعتبارها رئيسة الجمهورية المنتخبة للمرحلة الانتقالية، لكن فقدت هذه المنظمة الكثير من زخمها، خصوصًا بعد إدراجها منظمة إرهابية سياسية من قبل الولايات المتحدة فى عهد بيل كلينتون.

 مؤيدو الإمبراطورية

رغم سقوط نظام الشاه فى عام 1979 إلا أن حلم عودة النظام الملكى لا يزال يداعب مخيلة ولى العهد المنفى رضا بهلوى، وحاول بهلوى استمالة المعارضة إلى جانبه إلا أنه قوبل باعتراض القوميات غير الفارسية نتيجة سيطرة الفرس على هذا التيار، بينما يتهم مؤيدو الملكية تلك القوميات بأنها ذات نزعة انفصالية تهدد بتفتيت الدولة، فى حين أن بقية تيارات المعارضة الأخرى تتهم بهلوى بالعمالة للخارج وترفض تيارات أخرى عودة النظام الملكى وتفضل قيام نظام جمهورى ديمقراطى مدنى، وانهم لم ينسوا النظام الديكتاتورى للشاه الراحل محمد رضا بهلوى.

لكن رغم كل هذا يظل هذا التيار رقمًا مؤثرًا بشكل أو بآخر فى معادلة المعارضة الإيرانية وإن كان تأثيره لا يضمن له الوصول للحكم.

 الخلاصة

نتيجة لكل ما سبق فإن إيران بغض النظر عما ترصده وسائل الإعلام عن الضربات المتبادلة وتفاصيل العمليات العسكرية، مقبلة على مرحلة مفصلية، تسير بشكل أو بآخر نحو كتابة الفصل الأخير فى نظام ولاية الفقيه وفى أفضل السيناريوهات لهذا النظام فإنه سيصبح ضعيفًا محدود الحركة والتأثير وسيفقد السيطرة على الأطراف الحدودية، وهو ما دفعه لاختيار مجتبى خامنئى مرشدًا أعلى مما يعنى أنه يسير نحو مزيد من التشدد وإحكام القبضة الأمنية مما يدفع به إلى صدام داخلى غير محسوب العواقب.

ومن ثم فإن الضربات الأمريكية الإسرائيلية وإن لم تسقط النظام الإيرانى بشكل مباشر فإنها سوف تمهد الطريق لتفتيت الدولة وستعمل بكل قوة من خلال عناصرها الاستخباراتية على تأجيج نيران الاقتتال الداخلى، وهو الهدف الذى ترمى إليها واشنطن وتل أبيب، والتاريخ القريب يؤكد أن أمريكا لم تتدخل عسكريًا فى أى دولة سوى لتدميرها وتركها فريسة للحروب الأهلية مثلما فعلت فى الصومال وأفغانستان والعراق وليبيا.

ويظل سؤال بالغ الأهمية لا يتعلق بإيران فقط بل بالعديد من الأنظمة الديكتاتورية التى رغم ثراء بلدانها إلا أنها بعد عقود من السيطرة على الحكم وصلت إلى مرحلة مزرية اقتصاديًا وسياسيًا، فدولة مثل إيران تعد ثالث أكبر الدول عالميًا فى احتياطيات النفط، ثانى أكبر الدول فى احتياطيات الغاز، ولديها ثروة بشرية وأنهار وسدود ومساحات زراعية خصبة وواسعة إلا أن كل ذلك لم يترجم على أرض واقع معاش يشعر به المواطن الإيرانى العادى.