محمد نوار
الهلال بين شهد ورأى!
بعد غروب شمس يوم 29 من الشهر الهجرى يبدأ استطلاع هلال الشهر الجديد، ومن المتعارف عليه أنه لا يثبت بداية الشهر الهجرى بالحساب الفلكى فقط، ولكن يثبت برؤية الهلال.
قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) البقرة 185، لم يقل تعالى: «فمن رأى»، فالشهود لا يعنى الرؤية وإلا كان معناه أن كل من رأى الهلال مسلمًا أو غير مسلم وجب عليه الصوم، فالعبرة بشهود الشهر وليس رؤية الهلال أى ذلك القوس المضىء الذى يظهر من القمر.
وقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، بمعنى من قرر منكم أن يصوم الشهر، فمن الناس من قرر أن يصوم بناء على: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، ومنهم من قرر أنه لن يصوم: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) البقرة 184.
وعن معنى كلمة شهد فهى ليست بمعنى رأى أو بمعنى حضر، لأن كلمتى حضر ورأى موجودتان فى القرآن، كلمة شهد: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) البقرة 133، وكلمة رأى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا) الأنعام 76، ولا تعنيان شهد.
أما كلمة شهد: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) يوسف 26، فى قصة النبى يوسف، فالشاهد لم يكن حاضرًا لأنه جاء مع العزيز، ولذلك كلمة شهد تعنى قرر بناء على معلومات وأدلة.
وكلمة هلال كمصطلح لم يطلقه تعالى فى القرآن، فقد وضح تعالى أن الدورة القمرية تكتمل وتعود لتبدأ من جديد: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) يس 39، وأول ظهور للقمر سماه تعالى بالعرجون لأن القمر بدأ يعرج أى يرتفع فى السماء.
وكلمة الأهلة جاءت فى القرآن مرة واحدة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) البقرة 189، والأهلة هى المواقيت أى الأماكن التى يستهل بها الحجاج دخول مكة، بمعنى يهلون إلى بوابات دخول مكة فى الحج، لذلك:
(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)، ارتبطت بالأهلة.
والأهلة هى المواقيت المكانية التى يستهل ويبدأ بها تجمع الحجاج فى أماكن محددة للدخول إلى مكة، حتى لا يكون الدخول عشوائيًا باعتبارها مدينة سكنية.
أما الشهر فقد جعله تعالى طريقة لحساب الزمن: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) يونس 5، ولذلك كل ما تم ذكره فى القرآن الكريم متعلقًا بحساب الوحدات الزمنية يأتى بالشهر، مثل عدة الطلاق: (وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) الطلاق 4، وعدة الإيلاء: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) البقرة 226.
وكفارة الظهار هى الصوم شهرين متتابعين أى 60 يومًا، بدليل فى حالة عدم القدرة تكون الكفارة إطعام مسكين عن كل يوم بما يساوى 60 مسكينًا: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) المجادلة 4.
وفى قوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) البقرة 185، لا توجد كلمة منكم فى المرض أو السفر كما فى الآية السابقة: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ)، لأن البعض هنا كان مريض أو مسافر عند بدء الصيام.
ولذلك جاءت كلمة منكم مع كل من يشهد الشهر: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، ولم يكرر تعالى كلمة منكم مع من كان مريضًا أو على سفر، لأن هؤلاء قرروا الصيام ولكن طرأ عليهم المرض أو السفر.
لم يقل تعالى: «فليصوموا من أيام أخرى»، ولكن قال: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، بمعنى يصوموا نفس عدد الأيام التى فطروا فيها بعد زوال سبب المرض أو السفر، فالتعويض يكون للعدد لذلك لم يقل تعالى: «ومن كان مريضًا أو على سفر فليصم».
وكلمة الشهر تعنى اشتهار القمر بأن أصبح مشهورًا ومشاهدًا فى السماء، مثلًا يقال رجل مشهور يعنى أنه معروف السمات والصفات، ويقال أشهر المقاتل سيفه بأن أخرجه خارج الجراب، هذا هو مفهوم الشهر.







