10 صحفيات يروين تجربتهن مع الأمومة
أجيال الأمومة
روزاليوسف
الحادى والعشرون من مارس ليس مجرد يوم عادىّ؛ بل عيد مصرى خالص للاحتفال برمز الحنان والتضحية، فهى صاحبة الفضل والمنّة، عطاؤها لا ينضب، تستحق أن يكون العام كله عيدًا من أجلها.
كان الأخوان «على ومصطفى أمين» هما صاحبىّ فكرة عيد الأم حين كتب الكاتب الصحفى على أمين فى عموده (فكرة) بصحيفة أخبار اليوم قائلاً: لماذا لا نتفق على يوم من أيام السَّنَة نطلق عليه «يوم الأم»، ونجعله عيدًا قوميًا فى بلادنا وبلاد الشرق.
وبَعدها تقرّر أن يكون يوم 21 مارس عيدًا للأم، وهو أول أيام فصل الربيع؛ ليكون رمزًا للتفتح والصفاء والمشاعر الجميلة.
على الصفحات التالية نحتفل بعيد الأم من خلال مقالات الزميلات فى «روزاليوسف» من مختلف الأجيال اللاتى يكتبن تجربتهن مع الأمومة.

الأمهات.. حجر الزاوية فى المجتمع
كريمة سويدان
أول هدية وصلتنى بمناسبة عيد الأم هذا العام كانت من ابنتى الجميلة وأختى الصغيرة- أخت زوجى- ورغم أن الاحتفال بالأمهات أصبح بالنسبة لى ولكل مَن فَقَدَ أمَّه مناسبة صعبة نوعًا ما؛ فإن ومع وجود الأبناء، وأبناء الأخوات، والأحفاد فى حياتنا يُِصبح تخصيص يوم للاحتفال بيوم الأم مُهمًا لكل أمهات العالم بصفة عامّة، وبالأم المصرية بصفة خاصة.
حيث يعود تاريخ الاحتفال بعيد الأم فى مصر إلى عام «1956»، بفضل الصحفى المصرى الكبير «على أمين»، الذى كان أحد مؤسّسى صحيفة «أخبار اليوم»؛ حيث وُلِدت الفكرة عندما قرأ «أمين» قصة فى إحدى الصحف الأمريكية عن الاحتفال بعيد الأم فى الوﻻيات المتحدة الأمريكية، بسبب جهود الناشطة «آنا جافس»، التى سعت بعد وفاة والدتها،إلى تكريم الأمهات، وفعلاً استجاب الكونجرس الأمريكى رسميًا عام «1914» واعترف باليوم الثانى من الأحد فى شهر مايو من كل عام للاحتفال بعيد الأم هناك، ومع مرور الزمن تبنت العديد من الدول حول العالم هذه الفكرة، وكل منها اختار تاريخًا مختلفًا للاحتفال، لكن أصبح «21مارس» هو اليوم الأكثر شهرة للاحتفال فى كثير من الدول العربية؛ لأنه يوافق بداية فصل الربيع، وفى حقيقة الأمر إن عيد الأم فى الدول العربية يتميز بتنوع الاحتفاﻻت؛ حيث يُفضِّل البعضُ إهداءَ أمهاتهم الزهور، بينما يختار البعضُ الآخر تنظيم حفلات عائلية، أو تقديم الهدايا الرمزية، التى تعكس تقديرهم لها، ويُعَد الاحتفال بعيد الأم فى بعض البلدان العربية مناسبة اجتماعية مهمة؛ حيث يتم تنظيم احتفاﻻت فى المدارس والمراكز الاجتماعية؛ لتكريم الأمهات؛ حيث إن الأمهات فى ثقافاتنا العربية تُعتَبر مصدرًا للحكمة والحنان، وسندًا قويًا فى الأوقات الصعبة، فهى التى ﻻ تتوانى عن التضحية من أجل سعادة أبنائها، ورغم أنها ﻻ تبغى أى مقابل؛ فإن عيد الأم يعكس احترام المجتمع للأم وتقديرها.. وعن عيد الأم فى مصر فهو يوم ملىء بالحب والمشاعر، يختلف فيه شكل الاحتفال من عائلة إلى أخرى، ولكن هناك بعض العادات المشتركة التى يمارسها معظم المصريين، ومن أبرز مظاهر الاحتفال بعيد الأم فى مصر هو تقديم الهدايا للأم.. تشمل الهدايا التى تُقدم فى هذا اليوم الزهور، والشيكوﻻتة، والمجوهرات، وبعض الهدايا الرمزية الأخرى التى تُعبّر عن الحب والتقدير، وفى بعض الأحيان يقوم الأبناء بإعداد هدية مميزة، تعكس شخصية الأم أو اهتماماتها، مما يجعل الهدية أكثر خصوصية، ناهيك عن أن الاحتفال بهذا العيد المميز يُعَد فرصة للتجمع العائلى، كما يُقيم العديد من الأسَر المصرية احتفاﻻت عائلية تشمل تناول الطعام معًا، أو ترتيب حفلة صغيرة فى المنزل، وقد يقوم الأبناء بتحضير الطعام المفضل للأم أو حتى زيارة المطاعم لتناول وجبة مميزة.. وفى النهاية فإن الاحتفال بعيد الأم، هو أكثر من مجرد مناسبة للاحتفال، إنه يوم للاعتراف بتضحيات الأمهات وحبهن لأبنائهن وأحفادهن، والتأكيد على أن الأمهات هن حَجَر الزاوية فى بناء المجتمع، وأنهن دائمًا فى قلب كل نجاح وإنجاز.. عيد أم سعيد لكل الأمهات فى مصر وفى كل البلدان العربية.. وتحيا مصر.
أمهات فى الحرب
ألفت سعد
ما قدمته الأم على مدار التاريخ من عطاء وتضحية لأسرتها ولبلادها لا يضاهى ما قدمته وتقدمه خلال الحروب والصراعات.. فى المناخ الدموى للحرب، على الأم أن تقف صامدة بعد فقد الزوج وبعض الأبناء وفقد البيت.
تلهث هنا وهناك لتحمى أبناءها من ويلات القصف واستهداف العدو، وتوفير ما يسد جوعهم، معاناة التهجير القسرى والنزوح ومحاولات حماية أسرتها جراء تقلبات المناخ مع العيش فى العراء.. عزيمة الأم لا تلين فهى السند لبقاء بنى وطنها وترسيخ أقدامهم على الأرض.. فهى دائمًا رمز حى للصمود، يمنحها الله قوة إيمانية لا حد لها تروضها على تحمل أهوال الحرب وآلام الفقد.
نموذج الأم القوية الصابرة فى الحرب لم يتغير منذ عهد الإسلام، من أشهرهم الخنساء «تماضر بنت عمرو» التى جسدت أسمى معانى التضحية فى معركة القادسية، فقد حدثت أبناءها الأربعة على الجهاد، ولما بلغها استشهادهم جميعًا، لم تجزع وقالت بقلب مؤمن «الحمد لله الذى شرفنى باستشهادهم وأرجو من ربى أن يجمعنى بهم فى مستقر رحمته.. وفى الحروب الحديث الغربية تحملت الأمهات مسئولية حماية الأبناء والعمل الشاق فى المصانع والمزارع لسد نقص عمالة الرجال المنغمسين فى الحرب، وشاركت الرجال فى إعادة إعمار المدن التى أبيدت فى الحربين الأولى والثانية.. وكان لها دور بارز فى ترشيد استهلاك الموارد الغذائية والمياه والكهرباء.
لا يُقاس حجم القهر الذى لاقته أمهات الأمس أو زمان فى الحروب بما تلاقيه اليوم.. أو هكذا يبدو لنا، هل لأن المجازر والإبادة تنقل على الهواء فى التو واللحظة.. ما حدث ويحدث فى غزة والضفة الغربية، وكذلك فى السودان، أمر يشيب له الولدان، وعلى قدر الترويع والقتل والهدم تتعاظم قوة المرأة الأم.. فى الضفة الغربية يستمر مسلسل اغتصاب المنازل والأراضى على يد المستوطنين المسلحين فى حماية الشرطة والجيش، فنجد المرأة الفلسطينية تتصدى بكل جرأة وشجاعة لهؤلاء اللصوص ومنعهم من الاستيلاء على ممتلكات أهلها.. تتجرع أمهات الضفة مرارة اعتقال الأزواج والأبناء والتنكيل بهن.. تعيشن فى بيوت محاطة بالتنصت، كل حركة وكل قول كل نفس، مرصود من الصهاينة.. قطاع غزة ذلك السجن الكبير الذى تحول إلى أطلال نتيجة الأسلحة الفتاكة التى قتلت البشر ودمرت المبانى والأراضى، وسط تلك المشاهد نرى الأم الفلسطينية تتحدى الموت لجلب الغذاء والدواء لأبنائها، تحمل جثمان طفلها بحثًا عن مكان تعرفه لدفنه بعد أن تحول القطاع إلى مدفن كبير.. رغم قسوة المشهد تعمل الأم فى غزة على غرس الوطنية فى أطفالها وبث روح الانتماء للأرض، مهما فعل الكيان فلن يتركوا بلادهم.. فى تلك الظروف العصيبة تقوم الأم فى غزة بتعليم أبنائها داخل الخيمة وفى العراء، أملا فى جيل صامد متعلم قادر على استعادة وطنه فى المستقبل القريب.
نفس الهوان تلاقيه الأمهات فى السودان على يد ميليشيا فاقدة الإنسانية.. تهجير ونزوح السودانين الذى تعدى 11 مليون سودانى، والأكثر وحشية القتل بدم بارد وجرائم الاغتصاب والعنف الجسدى، رغم ذلك أثبتت المرأة السودانية قدرتها على الصمود والصبر وحماية أطفالها بكل السبل.
إذا كانت تضحيات الأمهات لا تقدر بثمن أو وصف، فإن تضحيات الأمهات فى الحروب تهتز لها السموات والأرض وتقديرها عند الله عز وجل.
أمى وأمومتى
فاتن الحديدى
كانت حملات تنظيم الأسرة فى بداياتها وقت حَمْل أمّى الأول فى شقيقتى الكبرى تعبت كثيرًا فقررت أن تكتفى بها، لكنى أتيت فيما بعد.
يكشف علم النفس أن الجنين غير المرغوب فيه تصله هذه المشاعر وتؤثرفى سلوكياته وطباعه لا إراديًا حتى نهاية حياته يسمونه نبذًا أو إهمالاً عاطفيًا، ما بين تردد الأم فى اتخاذ قرار إبقائه أو التخلص منه تتحول الفكرة اللى ما يشبه السم البطىء يولد على أثره طفلاً قلق ضعيف عرضة للكثير من المشاكل النفسية والاجتماعية.
أغلب المجتمعات الشرقية تجبر النساءَ على الأمومة دون إدراك أن كثيرات لسن مؤهلات لتحمل هذا العبء الجسيم وتبعاته.
كانت ظروف ما بعد الحرب قد جعلت مستوردى المسلتزمات الطبية لا يهتمون كثيرًا بالجودة وتمت خياطة جرح أمّى بخيوط مغشوشة انفتح جرحها واضطرت لتناول مضادات حيوية جففت لبنها وأعادتها لغرفة العمليات التى اضطررت أنا الأخرى لدخولها مرتين.
غالبًا ما تنمو مشاعر الأمومة فى أرواح الأمهات ببطء، أمّا أنا فتفجّر إحساسى بأطفالى فى اللحظة الأولى لاكتشافى الحمل ربما كرد فعل معاكس للبرود الذى كان عليه الطرف الآخر الذى انغمس فى قراءة تقرير الطبيب ومشاهدة صورة السونار المربعة دون تعليق.
لم تغب عن ذهنى سلسلة كتب فرنسية قرأتها فى مراهقتى بعنوان «بريجيت فتاة شابة، أم شابة» رواية بديعة عن التحول الذى تصنعه الأمومة فى مشاعر المرأة.. هذا التحول السحرى ما بين قصة الحب الرقيقة التى عاشتها البطلة انتهت بالزواج، ثم الأمومة كتجربة مربكة مليئة بالصراعات الداخلية اللازمة للتحول إلى النضوج المطلوب لشخص مسئول عن آخرين.
اشتريت كتبًا كثيرة عن الأمومة بكل اللغات واستمعت لتجارب الأمهات وأسرتنى أفلام إيرانية عن الأمومة التى يخصّصون لها مهرجانًا للأفلام فى أغسطس من كل عام للاحتفاء بالأمومة.
واجهت أمومتى منعطفات وتحديات كونى امرأة عاملة ومغتربة أحيانًا ثم كأمّ وحيدة تعيد بناء حياتها من نقطة الصفر مع أبناء يحملون جرحًا فى مشاعر الأبوّة وشعورًا بالإقصاء والقسوة والنبذ هذا الإقصاء طبقًا لنظرية الفوضى تبدّل الشخص المنفتح ليتراجع فى الزاوية مفضلاً الاختباء بعيدًا عن ضوء يكشف ألمه.
محاصرة أنا بذنب فكرة سوء الاختيار والمسئولية الضخمة والتحدى لإثبات أنى أمٌّ جيدة مسئولة وحدى ماديًا ومعنويًا عن أولادى وتقديم الحماية لدرجة تجعلنى أحيانًا أجافى النوم ليلاً كخفير درك يؤدى عمله لحماية أثمن الممتلكات.
رحلة الأمومة كبصمة الأصابع لا تتشابه أبدًا إلا فى قوتها وفى بعض السلوكيات المجتمعية الراسخة فى العقل الجمعى.
لم أشاهد أى فيلم أو وثائقى عن الأمومة من خلال نفس العدسة التى شاهدت بها الفيلم التركى «الابنة الضائعة» ليس من خلال عدسة أمومتى؛ بل من خلال عدسة تجربتى كطفلة.
أثارت شخصية عازفة البيانو هانيك وشخصية إيزابيل أوبير إعجابى وتأثرى تتشابه المشاعر مع تحولاتى الداخلية وإدراكى لما حلّ بى من نضوج إنسانى جعلنى أكثر قدرة على التفاهم والتسامح حتى مع مشاعر أمى التى استشعرتها وغابت هى عن النطق بها،
أمومتى أن أكوِّن جيشًا كاملاً لأبنائى ضد كل من يفكر فقط فى إلحاق أى أذى بهم.
مزيج مذهل من المشاعر بمعدلات صاعدة هابطة هدفها الأول الحماية وآخرها الشعور بالفخر لحظة وصول الأبناء مرافئ الأمان.
هذا هو السر
منى بكر
فى الماضى، لم يكن عيد الأم بالنسبة لى سوى عيد أمّى. كانت هى بطلة هذا اليوم، كما كانت بطلة طفولتى كلها. فقد غمرتنى بحنانها واهتمامها، وكانت تقوم بدور الأم والأب معًا فى كثير من الأوقات..
والدى كان ضابطا بالقوات الجوية، كثير الغياب بحكم عمله يسافر فى رحلات إلى الخارج أو يبيت فى عمله أيامًا مثل كثير من الضباط.
ومع ذلك؛ لم تكن أمّى تنظر إلى نفسها كزوجة تتحمل أعباء البيت والأولاد وحدها، إلى جانب عملها؛ بل كانت تفكر فينا نحن، أنا وأخى، وفى اشتياقنا الدائم لأبينا.. كانت تحاول التخفيف عنا بطرق ذكية وبسيطة تحمل حبًا كبيرًا.. أحيانًا كانت تقيم لنا حفل عشاء صغيرًا فى البيت، وتخرج الطقم الصينى المخصّص للضيوف- كما كانت تفعل أغلب بيوت مصر- فنشعر وكأنها مناسبة خاصة.. وأحيانًا كانت تحكى لى قصة فتاة يسافر والدها كثيرًا فتشتاق إليه ثم يعود محملاً بالهدايا لها.. كانت تلك القصة فى الحقيقة قصتى أنا، لكننى كنت أحب سماعها فى كل مرة، وكنت أنتظرها بشغف؛ خصوصًا عندما يشتد اشتياقى لأبى.
كبرت بعد ذلك لأكتشف أننى أشبه أبى فى أشياء كثيرة؛ فى طباعى وربما فى طريقة تفكيرى.. لكننى كثيرًا ما أجد نفسى، دون أن أشعر، أتصرف مثل أمّى أيضًا.. وكأن شيئًا من حنانها وذكائها وطريقتها فى احتواء مشاعرنا قد انتقل إلى.
وعندما أصبحت أمًّا؛ لم أكن أعرف أى نوع من الأمهات سأكون.. هل سأكون أمًّا صارمة أمْ حنونة؟ لذلك بدأت أقرأ كثيرًا.. لكن مع الوقت اكتشفت أن التجربة الواقعية أعمق بكثير من أى كلام نظرى.. فالأمومة ليست معادلة ثابتة يمكن تطبيقها على الجميع.. فلكل طفل شخصيته واحتياجاته، ولكل أم ظروفها وطريقتها فى الفهم والتعامل.. والتربية الحقيقية تتشكل يومًا بعد يوم، من التجربة، ومن الخطأ والتعلم، ومن الحب الذى يقودنا دائمًا لما نراه الأفضل لأبنائنا.
ومع مرور الوقت وجدتنى أميل إلى اختيار طريق مختلف؛ أن أكون الصديقة، لا مجرد الأم التى تهتم بالطعام والدراسة فقط رغم أهميتهما.. أردت أن أقترب من عالمى ابنىّ «عمر» و«لى لى».
واليوم أستطيع أن أقول إننى صديقة لأبنائى، مع احتفاظى الكامل بدورى كأم.. فاحترامهم وتقديرهم لى لم يكونا يومًا عائقًا أمام صداقتنا؛ بل كانا أساسًا لها.. هذه العلاقة جعلتهم أكثر قدرة على الاعتراف بأخطائهم والحديث معى بصراحة.
ومع كل مرحلة عمرية يمر بها أبنائى أشعر وكأننى أدخل عالمًا جديدًا معهم.. فابنى «عمر» اليوم فى السادسة عشرة من عمره، ويحمل من شخصيتى وطباعى وبالطبع من طباع أبى وشخصيته ما يساعدنى على فهمه والتقرب من طريقة تفكيره.. ورغم ذلك؛ فإن الاقتراب من ابن مراهق وتقبل اندفاعه ورغبته فى تجربة ما قد أراه أنا خطأ ليس أمرًا سهلاً. لكننى اخترت أن أكون صديقة تنصح وتناقش، لا أمًّا تفرض رأيَها دون حوار.
أمّا ابنتى «لى لى»، ذات الاثنى عشر عامًا، فهى مختلفة تمامًا؛ بل تكاد تكون على النقيض من أخيها.. فهى حنون وحساسة للغاية وتشبه أمّى فى كلماتها الدافئة وحديثها الرقيق العذب.. وإذا كان الحوار مع «عمر» مليئًا بالضحك والمناقشات؛ فإن الحديث مع «لى لى» يحمل قدرًا أكبر من الهدوء والمشاعر.
تعلمت خلال رحلتى من ابنة إلى أم أن أبناءنا هم أيضًا معلمونا وأن الأمومة لا تعنى الكمال، وأن الأمهات لا يجب أن يعرفن دائمًا كل الإجابات الصحيحة والنموذجية ولا يمتلكن الحلول المُثلى لكل المشكلات؛ لكنهن يمتلكن ما هو أعمق من ذلك: قلبًا يعرف كيف يحب بلا شروط، وصبرًا يتسع لكل الأخطاء، وقدرة دائمة على الاحتواء.. وربما هذا هو سر الأمومة الحقيقى؛ أن نحاول كل يوم أن نكون قريبين من قلوب أبنائنا، وأن نترك فى ذاكرتهم ما تركته أمهاتنا فينا من حب لا يزول.

عشرون ألف عام.. من دون أمى
شيماء سليم
لا أنكر أننى حاولت الهروب من كتابة هذه السطور عندما طلب مِنّى رئيس التحرير المشاركة بهذا الملف، لا أنكر أننى وجدت صعوبة بالغة فى التعبير، لا أنكر أن هذا المقال هو أصعب وأقسى ما كتبت منذ بدأت مهنة الصحافة قبل 25 عامًا.. ولكنى عدت وقررت أن أكتب لها بَعد كل هذه السنين التى عشتها من دونها..
هذا العام يمر عشرون عامًا على رحيل أمّى.. عشرون عامًا فى حساب الزمن ولكنهم فى قلبى عشرون ألف عام.. لم يمر يوم دون أن أتذكرها ولم تمر علىّ لحظة فرح أو حزن دون أن أتمنى أن تكون حاضرة لتشاركنى بها.. أمّا عن صعوبة الكتابة فلأن تلك المَلاك التى هى أمّى لم أجد لوصفها سبيلاً ولا توجد كلمات تكفيها ومشاعرى أضعف من أن تكتب عنها ولو حتى منشور بسيط فى عيد ميلادها أو ذكرى وفاتها أو عيد الأم.. طوال العشرين عامًا لم أقوَ على أن أكتب عنها كلمة وأتجاهل الحادى والعشرين من مارس أو عيد الأم، محاولة أن أمَزّق هذا اليوم وما يحمله من عاطفة تشتعل بداخلى وأمنية بـ«لو» كانت بقيت ولو لسنين قليلة أخرى كى أشبع منها وأنظر إلى وجهها وأهدأ بين ذراعيها وتضع يدها الساحرة فوق رأسى المُتعَب ليذهب عنّى كل الصخب والألم.
لكل أمّ خصوصيتها التى لا يعرفها سوى أبنائها، وكانت العاطفة هى عنوان شخصية أمّى، سيدة، رغم ذكائها، لم تستخدم عقلها أبدًا، كانت تحكم وتتحدث وتفعل كل وأى شىء وفقًا لعاطفتها، لا أذكرها قد انفعلت يومًا علىّ أو على إخوتى فى الـ 27 عامًا التى عشتها معها، كانت تنفعل بالطبع، ولكننا كنا خارج هذه الانفعالات مَهما فعلنا ومَهما ارتكبنا من «مصائب»، كانت تحاسب بحنان وتوبّخ بحب ولا مكان هنا لعقاب أو خصام.. هذه العاطفة وجدت نفسى أتذكرها عندما أصبحت أمًّا أنا الأخرى، وجدت نفسى أتذكر أمّى وما كانت تفعله معى، لم أحاول محاكاتها فكنت أدرك أن الزمن تَغيّر وأن التربية أصبحت تعتمد على شروط معينة تناسب العصر، ولكنى وجدت نفسى فى مواقف كثيرة أتذكر كيف كانت تمتص كل خطأ لنا وبطريقة غريبة تجعلنا لا نكرّر هذا الخطأ أبدًا، ومن خلال هذه الاستراتيجية التى سارت عليها أمّى والتى لم أمارسها إلا بعد سنين طويلة من أمومتى؛ اكتشفت أنها أفضل من المحاسبة والعقاب والخصام.
منذ أيام قليلة أتمَّت ابنتى عامها السابع عشر، ومع نضوجها بدأتُ أشعر أنها أصبحت كأمّها وجِدّتها، رغم اختلاف شخصياتنا نحن الثلاثة، إلاّ أنّ العاطفة تملأ قلبها هى الأخرى وكأنها جينات نتوارثها.. ولستُ أدرى لماذا أصبحت أرى ملامح من وجه أمّى وروحها فى وجه ابنتى كلما كبرت؛ خصوصًا عندما تأتينى مُطالبة بـ«حُضن» ما يجعلنى أتذكر أمّى التى كانت تطلب نفس الشىء فى أى وقت ودون أى مناسبة.. ابنتى تشبه أمّى.
عاشت أمّى عمرَها وهى تُشعر كل من أبنائها الثلاثة، أنه الأهم، فكل منا يأخذ الحب كاملاً وبجواره وصية، الابن الأكبر «خد بالك من إخواتك البنات»، الابنة الوسطى «كونى أمًّا لأخوك وأختك»، أمّا أنا، الابنة الصغرى «لا تبتعدى عن أخوك وأختك».. هذه الأم التى ملكت كل مفاتيح العالم والتى انتبهت لكل تفاصيل حياتنا، متى نغفو ونصحو وكيف نحب طعامنا وأكلاتنا المفضلة بأدق تفاصيل طهوها، ماذا نشاهد ونسمع ونقرأ، كيف نستقبل أى خبر مبهج أو حزين، ما هى اهتماماتنا وأولوياتنا، ماذا نحب وماذا نكره، هل نذاكر أمْ نلهو، ما هى أحلامنا؟.. وإذا خرجنا من البيت تعلم أين نذهب حتى وإن كذبنا عليها.. كان الله يرحمها سرّها باتع.
هذه كانت أمّى، على طبيعتها، فطرتها، عاطفتها، لا تربية حديث، لا توبيخ، لا عقاب، لا خصام.. هذه كانت أمّى السيدة «صفاء إسماعيل موافى».. رحمها الله وكل الأمهات، ومنح العمر للباقيات.. ولندرك نحن أمهات اليوم ولتعلم أمهات المستقبل أن الأمومة هى الحب وكفَى.
أمـّى.. حكاية تعب يتحول إلى أمل
نعمات مجدى
فى كل عام يأتى عيد الأم ليمنحنا فرصة نتوقف فيها قليلاً، ونفكر فى تلك اليد التى كانت دائمًا خلفنا، تدفعنا للأمام، وتمنحنا القوة لنكمل الطريق.
لكن بالنسبة لى، لا أحتاج يومًا محددًا لأتذكر معنى الأمومة؛ لأننى أعيش تفاصيلها كل يوم، فى تعب وسهر وقلق وفرحة صغيرة تكبَر مع كل إنجاز يحققه أبنائى.
أنا أمٌّ لطفلين، ولكل واحد منهما عالمه الخاص الذى أحاول أن أكون جزءًا منه. ابنى «عمر»، الذى يبلغ من العمر 13 عامًا ويدرس فى الصف الأول الإعدادى، هو مثال للطاقة والحلم. منذ صغره وهو يعشق كرة القدم، لا يمل من الركض خلف الكرة، ولا يتوقف عن الحديث عن المباريات واللاعبين. أراه أحيانًا يعود من التدريب متعبًا، لكن فى عينيه لمعان الشغف الذى يجعلنى أنسى كل تعب اليوم. فى تلك اللحظات أدرك أن دورى كأم ليس فقط أن أطلب منه التفوق فى دراسته؛ بل أن أسانده فى حلمه، وأن أزرع بداخله الثقة بأن الاجتهاد هو الطريق لأى نجاح.
أمّا «ليلى» ذات الثمانية أعوام فهى عالم آخر تمامًا.. عالم ملىء بالألوان والحركة والخيال. «ليلى» فنانة صغيرة تحب الرسم، تمسك الألوان وكأنها تخلق عالمًا جديدًا على الورق. أحيانًا أجلس بجانبها وأراقبها وهى ترسم، فأشعر أن الأطفال يمتلكون قدرة مذهلة على رؤية الجمال فى أبسط الأشياء. لكن موهبتها لا تقف عند الرسم فقط، فهى أيضًا تحب الرياضة، وتحديدًا الجمباز، وقد استطاعت بجهدها أن تحقق إنجازًا جميلاً بالحصول على ثلاث ميداليات ذهبية فى بطولة كأس مصر والجمهورية. يومها شعرت أن تعبى لم يذهب هباءً، وأن كل لحظة انتظرت فيها تدريبها أو شجعتها فيها كانت تستحق.
الأمومة ليست طريقًا سهلاً كما يظن البعض، هى رحلة مليئة بالتفاصيل الصغيرة التى قد لا يراها أحد. الاستيقاظ مبكرًا، متابعة الدراسة، الاهتمام بالمواهب، القلق عليهم، الفرح لنجاحهم، والحزن إن أصابهم أى تعب أو إحباط.
أحيانًا تشعر الأم أنها تضع قلبها كله فى حياة أبنائها، لكنها فى الحقيقة تفعل ذلك بحب؛ لأن سعادتها الحقيقية تراها فى ابتسامتهم ونجاحهم.
تعلمت من تجربتى كأمّ أن التربية ليست مجرد أوامر ونصائح؛ بل هى مشاركة حقيقية فى حياة الأبناء. أن تسمعهم، وتفهم أحلامهم، وتشجعهم حتى لو كانت الطريق طويلة. «عمر» عندما يلعب الكرة يشعر أننى أؤمن بموهبته، و«ليلى» عندما ترسم أو تقف على منصة التتويج تشعر أن هناك مَن يصفق لها من القلب.
وفى كل مرّة أنظر إليهما، أتذكر أن الأم ليست فقط مَن تربى أبناءها؛ بل هى من تبنى مستقبلاً كاملاً فى صمت. كل تعب يختفى عندما أرى أولادى يكبرون خطوة خطوة، ويصبح لكل واحد منهم حلم يسعى إليه.
لهذا، فى عيد الأم، لا أرى نفسى فقط أمًّا تحتفل؛ بل امرأة تعيش أجمل وأصعب دور فى الحياة.. دور ملىء بالتضحيات، لكنه أيضًا ملىء بالحب الذى لا ينتهى.
وأتمنى أن يأتى يوم أرى فيه «عمر» يحقق حلمه وأرى «ليلى» تكبر أكثر فى عالم الفن والرياضة. وقتها سأعرف أن كل لحظة تعب، وكل يوم قلق، كان مجرد طريق يقود إلى فخر لا يوصف.. فخر الأم بأبنائها.
مسئولية لا تتوقف
داليا طه
الأمومة بالنسبة لى ليست مجرد دَور فى الحياة؛ بل تجربة إنسانية عميقة أعيش تفاصيلها كل يوم.. مع كل موقف يمر مع أبنائى، أجد نفسى أعود بذاكرتى إلى طفولتى وإلى أمّى..
أحيانًا أسمع نفسى أرَدّد الكلمات نفسها التى كانت تقولها لى، أو أتصرف بالطريقة نفسها التى كانت تتعامل بها معنا، فأبتسم وأدرك أن ما كنت أراه عاديًا فى طفولتى كان فى الحقيقة تعبيرًا كبيرًا عن حب وتعب ومسئولية.. كأن الأمومة تجعل الإنسان يفهم أمّه من جديد، ولكن من زاوية مختلفة.
كل يوم هو درس جديد فى الصبر والحب.. الأمومة جميلة بلا شك، لكنها أيضًا رحلة مليئة بالتعب والإرهاق والقلق، هى مسئولية لا تتوقف أبدًا؛ خصوصًا أن تربية الأولاد ليست بالأمر السهل كما كنت أتصور، فقد نشأتُ بين أربع أخوات، وكنا جميعًا بنات، لذلك كان عالم الفتيات مألوفًا بالنسبة لى بكل تفاصيله وطباعه، لكن عندما أصبحتُ أمًا لولدَين، وجدتُ نفسى أمام عالم مختلف تمامًا، له طبيعته الخاصة وطاقته وحيويته.
وفى زمننا الحالى تبدو المهمة أكثر صعوبة. الحياة أصبحت أسرع بكثير مما كانت عليه، والضغوط اليومية لا تنتهى، كما أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا كبيرًا من حياة الأطفال. أحيانًا أشعر بشىء من الحنين لطفولتنا نحن، تلك الطفولة البسيطة التى كانت مليئة باللعب فى الشارع والحديث مع الأصدقاء لساعات طويلة وصناعة ذكريات صغيرة، لكنها صادقة ودافئة.
اليوم يعيش الأطفال فى عالم مختلف، عالم الشاشات والإيقاع السريع للحياة، لذلك أحاول دائمًا، وسط كل هذا، أن أصنع لولدَىّ لحظات حقيقية تشبه ما عشته مع أمّى: ضحكة عفوية، حكاية قبل النوم، نزهة بسيطة، أو حتى جلسة نتحدث فيها بلا هواتف أو شاشات.. لحظات قد تبدو عادية الآن، لكنها ربما تتحول يومًا ما إلى أجمل ذكريات طفولتهم.
أول الحكاية وامتدادها
مروة عمارة
ثمة أعياد تمر علينا فنحتفل بها، وثمة أعياد تمر بنا فتحيى فينا ما نظنه قد غاب. عيد الأم من النوع الثانى؛ لم يعد يومًا للهدايا، بل صار موعدًا مع الحنين، واختبارًا للذاكرة بأسئلة لا تنتهى عن معنى الأم وأثرها حاضرة أو غائبة.
فارقتنى أمى، لكن دعواتها تلازمنى. ممتلئة أنا بها؛ وقد ضبطتُ نفسى مرارًا «متلبسة» بها، أشبهها فى كل شىء؛ فبعيدًا عن الملامح، كل ردات فعلى هى أفعالها ذات يوم؛ فى صبرى وقلقى، فى لينى وشدتى، حتى تلك الصرامة التى تمردتُ عليها طفلة، أدركتُ حين صرتُ أمًا أنها لم تكن سوى وجه آخر للحب.
تزوجت أمى فى السادسة عشرة، من الريف جاءت إلى «شبرا»، ليصيغ الزمان صلابتها و«جدعنتها»، ما منحها قدرة نادرة على التحمل دون شكوى. كانت كالشمس فى وضوحها وكالحديد فى قوتها، لا تعرف المواربة. لم تبحث عن نصيبها من الدنيا، بل كان همها نصيب أبنائها؛ وعلى الأصول والقيم، أدارت حياة سبعة من الأبناء بلا ضجيج.
نشأنا فى بيت صغير، أكسبه الحب اتساعًا بحجم الكون. الكل يقصد بيتنا فى الشدة قبل الرخاء؛ وعملت أمى سنوات طويلة على «ماكينة الخياطة»، التى نسجت بها أحلامنا كما تنسج الصوف؛ تساند أبى دون أن تُشعره بثقل، وتدبر احتياجاتنا دون أن تُشعرنا بعجز.. حين تزوُجتُ وصرت أمًا، واجهتنا تقلبات الحياة.
تعلمت منها أن الصداقة اختبار أخلاقى؛ أدركتُ لاحقًا أن قلبها كان يرى ما لا نراه، وأن حدس الأم غالبًا ما يصيب.
لم تكن أمًا لنا فقط، بل كانت سندًا لى حين رزقت بتوأمى فى بدايات عملى الصحفى؛ داهمنى الخوف وفكرت فى الانسحاب، لكنها قالت بحسم: «عودى إلى عملك». تكفلت هى بكل التفاصيل؛ عامان حملت فيهما عنى عبء البدايات؛ كانت تجمع الأحفاد، تُعد الطعام بحب، وتحكى لهم عن الماضى بصوت أحبوه قبل أن يعرفوا تفاصيله.
من أصعب لحظات حياتى مرضها، حين تحولتُ أنا من ابنة إلى «أم لها». لكن الله استجاب دعواتها ألا يُحوجها لأحد؛ عاشت معطاءة ولم تتمنَّ يومًا أن يخدمها أحد.
رحلت وبقى بيتها؛ نجتمع فيه كل أسبوع كأننا نحرس الذاكرة. أجلس على كرسيها، فأشعر أن المسافة بين الغياب والحضور أرقّ مما نظن؛ رائحتها تملأ المكان، ضحكتها ودمعتها حاضرة فينا، فالأم ببساطة لا تغيب.
ولأن الحياة لا تتركنا بلا سند، تعلمت الصحافة على يد الدكتورة فاطمة سيد أحمد، ومنها فهمت أن الجرأة مسئولية.
وعلى يد الكاتبة أميرة بهى الدين، تعلمت أن الانتماء ممارسة يومية، وأن المرأة تجمع بين الحزم والاحتواء.. اليوم، وأنا أنظر إلى ابنتى «أيسل»، وتوأمى «آدم وإياد»، أدرك أن الأمومة ليست تكرارًا، بل امتداد. أردتهم أن يفهموا أن التعليم وعى بالحياة، وأن النجاح يُقاس بالأثر الطيب لا بالمسمى الوظيفى.
أمنيتى أن أكون جزءًا مما كانت عليه أمى، وأن تكون ابنتى أقوى وأوسع أفقًا منى، وربما تغيب الوجوه، لكن ما صنعته الأمهات يبقى أطول من العمر، ولا اكتفى باستدعاء الذكرى، بل أرفع قلبى بالشكر.
أشكر الله أنه رزقنى بثلاثة قلوب تمشى على الأرض وتنادينى «أمى»، وفى عيد الأم، أجد أن الرحلة مستمرة؛ من أمٍ صنعت فىّ ما أنا عليه، إلى ابنةٍ أحاول أن أترك فيها ما يليق بالحب، وأبناءٍ يكبرون فأدرك معهم جوهر الحياة.. وإن غابت أمى.
أبنائى الأعزاء… شكرًا
وفاء وصفى
عيد الأم دائمًا مناسبة مهمة للتعبير عن حبنا وشكرنا لأمهاتنا.
وهى مناسبة عظيمة بالفعل، لأن أى كلمات شكر لن توفى أى أمٍ طبيعية حقها، مهما حاول الأبناء التعبير عن امتنانهم.
وأقول هنا أمًا طبيعية لأننا -مع الأسف- أصبحنا نرى فى زماننا نماذج من النساء اختلطت لديهن الكثير من المفاهيم، فصرنا أحيانًا أمام نماذج تربى أبناء يعانون تشوهات نفسية أو أخلاقية، لكن ربما ليس هذا هو الوقت المناسب للخوض فى هذه القضية.
أما أنا، ففى عيد الأم هذا العام أريد أن أقول شيئًا مختلفًا قليلًا.
أريد أن أقول لأبنائى أنا.... شكرًا.
شكرًا لأنكما، دون أن تقصدا، ساعدتمانى على فهم عالم مختلف، وعلى الاقتراب أكثر من جيل جديد بتفكيره وأسئلته وتحدياته.
وجودكما فى حياتى لم يعلمنى فقط كيف أكون أمًا، بل علمنى أيضًا كيف أتعلم منكما كل يوم.
لم أكن أتخيل يومًا أننى سأستطيع أن أكون مسؤولة عن تربية طفلين، لكل منهما عالمه الخاص وشخصيته المختلفة تمامًا عن الآخر.
لم أكن أتصور يومًا أننى سأستطيع أن أكون أمًا مسؤولة عن روحين مختلفتين تمامًا فى الطباع والتفكير.
فأحدكما حساس إلى درجة أنه يفضل أن يحتفظ بما يؤلمه داخل قلبه، وكأن الصمت أحيانًا أسهل من الكلام.
والأخرى لا تعرف الصمت أصلًا؛ قوية، عنيدة، ولا تترك حقها، تقول ما تشعر به بوضوح وبلا تردد.
ومع كل يوم يمر، أتعلم منكما درسًا جديدًا.
أتعلم كيف أفتح باب الكلام لمن يختبئ خلف صمته، وكيف أهدئ اندفاع من يرى الحياة بعين مليئة بالحماس والإصرار.
لقد علمتمانى أن الأبناء لا يأتون إلى الحياة بنسخة واحدة، وأن الأمومة ليست مجرد تربية، بل رحلة طويلة من التعلم… أتعلم فيها بقدر ما أعلم.
فالله وهبنى بابنى من الذين لا يعبرون بسهولة عما يضايقهم، يفضل أن يحتفظ بالكثير من مشاعره داخل قلبه.
وأحيانًا أشعر أنه يحمل بداخله أكثر مما يجب، وكأن الصمت بالنسبة له وسيلة لحماية نفسه.
وقد تعلمت مع الوقت أن هذا الصمت قد يتحول أحيانًا إلى تعب حقيقى، كأن الجسد يتكلم عندما تعجز الكلمات.
كما وهبنى أيضًا بالتى تملك طاقة كبيرة فى الدفاع عن نفسها وعن أفكارها، وربما يبدو ذلك أحيانًا أكبر من سنها.
وفى كثير من اللحظات كنت أتساءل: كيف لطفلين تربيا فى البيت نفسه أن يكونا مختلفين إلى هذا الحد؟
لكننى مع مرور السنوات أدركت أن الاختلاف ليس مشكلة، بل هو جزء من جمال هذه الرحلة.
علمانى أن العدالة بين الأبناء لا تعنى معاملتهم بالطريقة نفسها، بل فهم طبيعة كل واحد منهم، وما يحتاجه قلبه تحديدًا.
ربما تكون الأمومة مليئة بالتعب والقلق والمسؤولية، لكنها فى الوقت نفسه رحلة مدهشة من التعلم. رحلة أكتشف فيها كل يوم أن قلبى قادر على الاتساع أكثر مما كنت أتصور.
فى عيد الأم، ربما تنتظر الأمهات من أطفالهن أن يعلنوا عن حبهم لهن.
لكننى اليوم أقول شيئًا آخر... أقول لأبنائى شكرًا لأنكما جعلتمانى أمًّا… ولأنكما، كل بطريقته، تجعلانى أحاول كل يوم أن أكون أفضل.
وفى عيد الأم، بينما يحتفل الأبناء بأمهاتهم، أردت أنا أن أقول لكم.
شكرًا لأنكما جعلتمانى أمًا… وشكرًا لأنكما، كل بطريقته، تُعلماّنى كل يوم معنى جديدًا للحياة.

أمى.. ليست فردوس محمد
منى عشماوى
نعم كنت أفضل أن تكون أمى امرأة جاهلة أستطيع أن أعبث بكل فكرة لديها كما أشاء وأصور لها أن الدراسة هم كبير والجامعة ثقل خطير
كانت واحدة من أمانى الغريبة أن أستيقظ ذات يوم وأجد أمى قد تحولت إلى شكل وهيئة وأمومة الفنانة الكبيرة فردوس محمد.. نعم كنت أجد فى فردوس محمد نموذج الأم الذى أحبه فهى ست لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولكن لديها عاطفة وحنية كبيرة مهما حصل من أولادها تتقبل كل شىء فى الحياة بصوت هادئ ودعوة إلى الله مستجابة مؤكدًا لو تابعت الفيلم حتى نهايته!
لا تضحك عزيزى القارئ ففردوس محمد مثال من وحى عقول فكرة كتاب أفلام الشاشة الفضية فى الزمن الجميل، ليس ضروريا أن تتماثل فردوس فى حياتها الخاصة مع ماتقدمه على الشاشة من أدوار أمومة عبقرية!
كانت أمى تعاملنى وأخوتى بصرامة وتدقيق شديد فقد كانت امرأة عاملة مدرسة للغة العربية ثم ناظرة للمدرسة لم يكن لديها وقت كبير لتوزيع الأحضان والقبلات العشوائية على ستة أطفال، فكان الحضن والتقبيل لسبب وجيه ونظيرًا لعمل أو فعل صدر منى أحبته وربما فى أعياد الميلاد كنت أخطف قبلة منها بعد إطفاء الشمع!
نعم كنت أفضل أن تكون أمى امرأة جاهلة أستطيع أن أعبث بكل فكرة لديها كما أشاء وأصور لها أن الدراسة هم كبير والجامعة ثقل خطير ولكن كنت كلما أذكر لها ذلك أجدها ترد ضاحكة فى سؤال استنكارى عابث: (انتى بتتكلمى مع ست جاهلة مادخلتش مدارس)! فأسكت ملجومة لأفكر كيف أقول حججًا أكثر إقناعًا لهذه المرأة التى لديها إجابة لكل شىء وتعتقد أنها تفهم بالنيابة عنا فى كل شىء! كأنى واخواتى الخمسة فصل صغير فى مدرستها الكبيرة! وهذا حقيقى إلى حد كبير.
لم تكن أمى سمينة مثل فردوس محمد، بل كانت شديدة الـتأنق وكم تمنيت أن تكون سمينة صاحبة صدر عارم يتسع لبكائى وشكائى واشتياقى لها بعد ساعات عملها الطويلة أيام الامتحانات وتصحيح الأوراق!
على نقيض فردوس محمد التى كانت أم بسيطة لا تملك إلا الدعاء فقط كعطية وهدية لأولادها كانت أمى ست سخية فى هداياها تغدق علينا دون حد ولربما كانت تجد هذه الطريقة العملية التى تعرف كيف تعبر بها عن شعور محبتها لنا وكانت طريقة ناجزة فى أغلب الأوقات! كتعويض عن عشرات الأحضان والطبطبات والقبل!
وبعيدًا عن أمى، يبدو أن أمثال الأم الست فردوس محمد بات كالعنقاء والخل الوفى فى الدراما لدينا منذ سنوات طويلة، بعضهن طامعات لبيوت بناتهن مخربات وبعضهن نافرات غريبات مستغلات لأولادهن وستجد البعض أمهات لا علاقة لهن لا بالتربية ولا كيفية إنشاء إنسان صالح للمجتمع انتهى دورهن بالإنجاب!
مازلت أبحث عن أمهات شبيهات فردوس محمد أو أمينة رزق أو كريمة مختار فى سيناريوهات وقصص تمتد لثلاثين حلقة! لا أجد إلا الأم الأنانية أو القوية القادرة المتسلطة المتحكمة التى تفرح بخراب بيت ابنتها أو انفصال ابنها عن زوجته ليظهروه الغالب اليوم على مجتمعنا المتعب المنهك!
ولكن أين الأمهات الشقيانات المكافحات القدوات فى درامتنا اليوم! الإجابة لن تجد، بينما مصطلح الأم المعيلة بات مصطلحًا شائعًا معروفًا لكثرة البيوت التى تصرف عليها أمهات فقط! يتحملن وحدهن كل شىء!
أمهات كثر يصارعن الحياة لتدبير الطعام ومصروفات المدارس لأولادهن، يخرجن إلى الشارع كل يوم ليعدن منتصرات مهما كانت أشغالهن!! فغابت عن درامتنا الأمهات المكافحات المنضبطات الصارمات والأمهات الطيبات الحنونات وتركوا لنا كل أم مسخ!!
واذا أردت عزيزى القارئ أن تعرف أى أم أصبحت فأنا نسخة من أمى ولم ولن أشبه ذات يوم الأم الحنونة الطيبة السمينة الهادئة فردوس محمد.
كل سنة وكل أم بخير







