السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حينما تحولت السجادة الحمراء لمنصة احتجاج وتضامن

محاصرة الأوسكار الــ «98» بين الفن والسياسة

وسط الأضواء الساطعة، والكاميرات التى لا تتوقف عن التصوير، وعلى السجادة الحمراء المليئة بالنجوم، اجتمع صناع السينما والمشاهير فى هوليوود للاحتفال بالأوسكار فى دورته الـ98. . لكن هذه الليلة لم تقتصر على تكريم الفن فقط، بل تحولت إلى منصة تعكس التوترات السياسية والحروب التى تضرب العالم. 



 

فبعيدًا عن تتويج فيلم (One Battle After Another) بجائزة أفضل فيلم ليتصدر قائمة الفائزين فى الحفل بعد أن حصد 6 جوائز، واحتلال فيلم (Sinners) المركز الثانى بحصوله على 4 جوائز فى منافسة قوية بين العملين اللذين تنتجهما شركة «وارنر برذرز»، فإن الحفل الذى أقيم مساء الأحد الماضى فى مسرح «دولبى» كان مليئًا بلقطات مشحونة سياسيًا، وتصريحات مباشرة، ومفارقات لافتة كشفت مرة أخرى كيف تتحول ليلة هوليوود الأهم إلى ساحة مفتوحة للرسائل السياسية، من خلال ما قيل على المسرح وخارجه.

 نكات سياسية لاذعة

منذ اللحظات الأولى للحفل، بدا أن السياسة ستكون حاضرة بقوة.. فمقدم الأمسية الإعلامى والكوميدى الأمريكى «كونان أوبراين» - المعروف بأسلوبه الكوميدى الذى يمزج بين السخرية السياسية والنكات اللاذعة- افتتح الحفل بسلسلة نكات حادة تناولت الأوضاع السياسية فى «الولايات المتحدة».

وكان أبرزها تعليق ساخر عن الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، حينما أشار إلى ميله لوضع اسمه على المبانى والمنشآت التجارية بجملة حملت إشارات جنسية أشار فيها إلى «ترامب»، ما أثار موجة ضحك واسعة داخل القاعة، لكنها قوبلت –أيضًا- بصيحات مفاجأة من بعض الحضور، نظرًا لجرأتها وحدتها.

ولم تتوقف النكات السياسية عند هذا الحد؛ إذ أطلق «أوبراين» كذلك تعليقًا ساخرًا عن ملفات رجل الأعمال الراحل «جيفرى إبستين»، وهى الإشارة التى أثارت ردود فعل متباينة داخل القاعة، حيث صدرت أصوات دهشة واستغراب من بعض الحضور بسبب حساسية الموضوع.

ورغم هذه البداية الساخنة، حاول «أوبراين» –لاحقًا- تهدئة إيقاع الأمسية؛ مؤكدًا أن العالم يعيش أوقاتًا فوضوية ومخيفة، وأن الأوسكار يمثل مساحة للاحتفاء بالإبداع العالمى، والتعاون، والصبر، والمرونة. 

وأضاف أن الحفل لا يحتفى فقط بالأفلام، بل بالقيم التى تجمع صناع السينما من مختلف أنحاء العالم، مثل: الإصرار والتفاؤل، الذى وصفه بأنه أندر الصفات فى عالم اليوم.

من جانبه، لم يفت الإعلامى «جيمى كيميل»، الذى صعد إلى المسرح لتقديم فئة أفضل فيلم وثائقى، فرصة إطلاق تعليقاته الساخرة أيضًا.

فأثناء تقديم الجائزة، سخر من الفيلم الوثائقى (Melania) الذى يتناول حياة السيدة الأمريكية الأولى «ميلانيا ترامب»؛ قائلًا مازحًا: «إن هناك وثائقيات أيضًا - تمشى فى البيت الأبيض وتجرب الأحذية».

وعندما أعلن اسم الفيلم الفائز، أضاف بسخرية: «يا إلهى، سيكون غاضبًا لأن زوجته لم تترشح لهذا»، فى إشارة إلى «ترامب».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث سخر «كيميل» من تهديدات الرئيس الأمريكى وإدارته بحق حرية التعبير، مقارنًا بعض الجهات الإعلامية بكوريا الشمالية، فى تعليق أثار موجة أخرى من الضحك داخل القاعة.

 «الحرية لفلسطين» على منصة الأوسكار

رغم محاولة بعض فقرات الحفل الحفاظ على توازن بين الفن والسياسة، فإن التصريحات المباشرة لم تغب عن المسرح.. حيث أشعل الممثل الإسبانى «خافيير بارديم» القاعة عندما قال خلال تقديمه إحدى الجوائز: «لا للحرب.. والحرية لفلسطين»، وسط تصفيق حاد من الحضور، الذى عكس تأثير الجملة التى اعتبرها كثيرون أكثر تعبيرًا صريحًا عن القضية الفلسطينية خلال الحفل.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ظهر «بارديم» مرتديًا دبوسين لافتين؛ أحدهما كتب عليه «لا للحرب» باللغة الإسبانية، بينما حمل الآخر رمز (حنظلة)، الشخصية الكرتونية الشهيرة التى ابتكرها الرسام الفلسطينى «ناجى العلى»، وأصبحت رمزًا عالميًا للتضامن مع القضية الفلسطينية.

وفى تصريحات على السجادة الحمراء، أوضح «بارديم» أن الدبوس نفسه ارتداه خلال حفل الأوسكار عام 2003 احتجاجًا على (حرب العراق)؛ مؤكدًا أنه يرى تشابها بين تلك الحرب وما يحدث اليوم. 

وقال فى تصريحاته: إن العالم بعد 23 عامًا يواجه حربًا أخرى وصفها بغير الشرعية، معتبرًا أن هذه الحرب صُنعت بكذبة جديدة.

رسائل احتجاج على السجادة الحمراء

بدورها تحولت السجادة الحمراء إلى مساحة احتجاج رمزية.. حيث ارتدى عدد من النجوم وصناع الأفلام شارات تطالب بوقف إطلاق النار فى «غزة»، أبرزها شارة (Artists 4 Ceasefire) التى ظهرت على ملابس عدد من الفنانين.

ومن بين هؤلاء فريق فيلم (صوت هند الرجب)، الذين ارتدوا دبابيس صممها الفنان «شيبرد فيري» للمطالبة بوقف إطلاق نار دائم فى «غزة».

وفى هذا السياق، برزت قصة الممثل الفلسطينى «معتز ملحيس»، الذى جسد دور مشغل الإسعاف فى الفيلم، لأنه لم يتمكن من حضور الحفل، إذ مُنع من السفر إلى «الولايات المتحدة»، بسبب حظر السفر الأمريكى على حاملى الجواز الفلسطينى الذى فرضه «ترامب».

وعلق «ملحيس» على ذلك عبر رسالة مؤثرة قال فيها: «ليس مسموحًا لى بدخول «الولايات المتحدة»، بسبب جنسيتى الفلسطينية. الأمر مؤلم». لكنه، أضاف جملة لاقت انتشارًا واسعًا، وهى: «يمكنكم منع جواز السفر، لكن لا يمكنكم منع الصوت».

وألقى غيابه بظلال ثقيلة على الحفل، وفتح باب التساؤلات حول التناقض بين شعارات الحرية الفنية التى تحتفى بها هوليوود، والقيود السياسية التى قد تمنع بعض صناع السينما من المشاركة فى أهم ليلة سينمائية فى العالم.

وعلى صعيد آخر، ارتدى ممثلون آخرون دبابيس كتب عليها (ICE OUT) احتجاجًا على وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، فى رسالة اعتراض على حوادث إطلاق نار مرتبطة بها.

كما أكد بعض الفنانين أن استخدام منصاتهم للتعبير عن هذه القضايا هو الحد الأدنى من المسئولية الأخلاقية، خاصة مع استمرار معاناة المدنيين فى مناطق الصراع بينما ينتقل العالم سريعًا من أزمة إلى أخرى.

 فيلم ضد «بوتين» يفوز

ومن أبرز مفاجآت الأمسية فوز الفيلم الوثائقى (Mr. Nobody Against Putin)، بجائزة أفضل فيلم وثائقى، رغم أن التوقعات كانت تميل إلى فوز أعمال أخرى.

الفيلم ينتقد النظام الروسى بشكل مباشر، وهو ما اعتبره البعض استمرارًا لخطاب سياسى واضح داخل هوليوود تجاه «موسكو» منذ اندلاع الحرب فى «أوكرانيا».

وهنا ظهرت مفارقة لافتة؛ ففى الوقت الذى لم تتردد فيه الأكاديمية فى تكريم فيلم يحمل موقفًا سياسيًا صريحًا ضد «روسيا»، خسر وثائقى إيرانى. كما خسر فيلم (صوت هند رجب) -الذى فاز بالعديد من الجوائز الدولية- فى فئة أفضل فيلم دولى.

هذه المفارقة أعادت فتح النقاش حول حدود السياسة فى الأوسكار، وما إذا كانت بعض القضايا تحظى بحضور أكبر من غيرها داخل منصة الجوائز.

 هوليوود فى مواجهة التكنولوجيا

وبعيدًا عن عالم السياسة والحروب، لم تخلُ الأمسية من جدل آخر يتصاعد داخل صناعة السينما، وهو دور الذكاء الاصطناعى فى مستقبل هوليوود.

وفى هذا السياق، سخر «أوبراين» -فى بداية الحفل- من هذا الجدل عندما وصف نفسه بأنه «آخر مقدم بشرى للأوسكار»، فى إشارة إلى المخاوف المتزايدة من دخول الذكاء الاصطناعى إلى مجالات الإنتاج الفنى.

وخلال تقديمه جائزة الرسوم المتحركة، شدد الممثل «ويل أرنيت» على أن هذا الفن لا يمكن اختزاله فى أوامر تُكتب للآلة، قائلًا إن الرسوم المتحركة ليست مجرد (برومبت)، بل فن إنسانى قائم على الإبداع والخيال ويجب حمايته من هيمنة التكنولوجيا.

يذكر أن (برومبت) تعنى الأمر، أو السؤال، أو النص الذى يكتبه الشخص للذكاء الاصطناعى مثل (ChatGPT) لطلب مهمة محددة.

فى النهاية، بدا واضحًا أن الأوسكار فى دورته الـ98 لم يكن مجرد احتفال، بل منصة تتداخل فيها السياسة وقضايا الرأى العام الجدلية مع الفن بشكل مباشر، وهو ما ظهر خلال النكات السياسية، ورسائل الاحتجاج والتضامن، التى عكست صورة عالم يعيش توترات حادة.

ففى هوليوود، حيث تُصنع الحكايات على الشاشة، يبدو أن الواقع نفسه أصبح أكثر درامية من أى سيناريو.