الأحد 7 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
حين يفهم الموسيقي حكاية المسلسل.. «خالد الكمار» و«شادى مؤنس» نموذجا

حين يفهم الموسيقي حكاية المسلسل.. «خالد الكمار» و«شادى مؤنس» نموذجا

فى اعتقادى أن تتر مسلسل (كان يا ما كان) بصوت «مدحت صالح» كان من أصعب التترات التى قُدِّمت هذا الموسم، وربما أكثرها مخاطرة. والسبب ببساطة أن العمل لا يبدأ من نقطة الصفر، بل يدخل مباشرة فى مواجهة ذاكرة موسيقية راسخة ارتبطت بصوت «ميادة الحناوى» صاحبة النسخة الأصلية؛ وهى نسخة يحفظها الجمهور العربى كما يحفظ أغانى طفولته. وهنا تصبح أى محاولة جديدة أشبه بالسير فوق أرض ملغومة: الجمهور سيقارن، والحنين عادةً ما ينحاز إلى النسخة الأولى.



ثم إن الأغنية نفسها تراكمت حولها، عبر السنين طبقات من الحكايات الشعبية التى غذّتها وسائل التواصل: قصص عن «بليغ حمدى» و«وردة»، وتأويلات درامية اضافت للأغنية هالة أسطورية. سواء صحت هذه القصص أو كانت مجرد حكايات متداولة، فقد نجحت فى شىء واحد: جعلت النسخة الأصلية أقرب إلى «الأثر العاطفى» الذى يصعب المساس به.

المفارقة الأجمل فى الأغنية الأصلية أنها تحمل ازدواجًا غريبًا: كلمات تميل إلى الحزن، بينما يمنحها التوزيع حيوية جعلتها تُغنّى فى السهرات والأفراح بل والملاهى الليلية، أى أنها أغنية حزينة ولكنها تصلح للرقص. وهذه مفارقة ليست سهلة حين يحاول ملحن وموسيقار أن يعيد تقديمها فى سياق درامى.

هنا يدخل الموسيقار «خالد الكمار» إلى اللعبة. وأول ما فعله أنه لم يحاول تحدى الذاكرة، بل احتفظ بأصل الوتريات التى جاءت بالنسخة القديمة، مع بعض المعالجات الصوتية الخفيفة كى تأتى فى الخلفية من بعيد، ليمنح المستمع إحساسًا بالحنين دون أن يبدو كأنه يعيد تسجيل الأغنية نفسها.

لكن التغيير الحقيقى جاء فى تحويل «مود» الأغنية، فالمسلسل نفسه يدور حول تفكك أسرة وضياع الأبناء بين الأب والأم بعد الانفصال، ولذلك اختار «الكمار» طريقًا أكثر شجنًا: ناى واضح الحضور، ووتريات تميل إلى الأسى، بحيث تتحول الأغنية من أغنية يمكن أن تُرقص فى الأفراح إلى مرثية هادئة لبيتٍ كان عامرًا بالحب.

وتبقى المقارنة الحتمية بين «ميادة الحناوى» و«مدحت صالح». وهنا، بصراحة، أميل إلى فريق «مدحت صالح». ليس لأن صوته أفضل من «ميادة» -فهذه مسألة تذوق- بل لأن سياق المسلسل أعاد تفسير الكلمات. عبارة «كان يا ما كان… الحب مالى بيتنا» تصبح فى الدراما وصفًا حرفيًا لبيت الأب الذى يؤدى دوره «ماجد الكدوانى»؛ بيت يبدأ مليئًا بالمودة قبل أن يتدخل الزمن ليقلب المعادلة.

ومن هنا يبدو اختيار «مدحت صالح» منطقيًا؛ فالتتر يُغنّى بضمير المذكر، لأن بطل الحكاية فى النهاية هو الأب الذى يحاول التمسك ببقايا بيته. وربما لهذا السبب تحديدًا بدا صوته مناسبًا، خصوصًا أن الذاكرة الدرامية تحتفظ له أصلًا بتجربة مشابهة فى تتر (حضرة المتهم أبى).

أما تتر مسلسل (إثبات نسب) بصوت «عايدة الأيوبى»، فهو من الأعمال اللافتة هذا العام. البداية الذكية كانت فى اختيار الصوت نفسه؛ فالمسلسل يتمحور حول أم تخوض معركة لإثبات نسب ابنها، ومن الصعب العثور على صوت ينقل دفء الأمومة بصدق مثل «عايدة الأيوبى».

كتب الشاعر «إبراهيم عبدالفتاح» الكلمات بضمير مؤنث، لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من الموسيقار «شادى مؤنس». فأى موزع تقليدى كان سيغرق النص فى بحر من الكمنجات الباكية وكورال الآهات. « شادى» فعل العكس: قرأ الجملة الأولى «روحى يا غيمة… دوبى يا أحزان» باعتبارها محاولة لمواجهة الألم وليس الاستسلام له، فاختار توزيعًا يميل إلى الطابع اللاتينى ليخفف من ثقل الحزن، مع فواصل تشيللو ذكية لا تكرر الجمل اللحنية، وناى يحفظ التواجد العربى للشجن فى الأغنية.

والنتيجة أن الأغنية لم تتحول إلى مأتم موسيقى، بل إلى مساحة أمل صغيرة داخل قصة ثقيلة.

وقبل الختام، تبقى جملة كتبها «إبراهيم عبدالفتاح» تصلح -للأسف- كتعليق مختصر على أحوال كثيرة حولنا: «العدل بَلّةُ ريق… والكذبُ بحرُه غريق».