ضد ظواهر «الحسبة الشعبية»!
روزاليوسف
فى الأيام الأخيرة، لم تعد بعض الوقائع مجرد تصرفات فردية عابرة، بل تحولت إلى مشهد متكرر يكشف عن خلل أعمق فى فهمنا لطبيعة الدولة وحدود الأفراد داخلها.. شاب يشتبك مع شخص لأنه يدخن فى نهار رمضان، ومجموعة تطارد شابا وفتاة داخل سيارة خاصة لأنهما تبادلا لحظة خاصة، وصور تلتقط وتنشر وكأن أصحابها ارتكبوا جريمة تستحق الفضيحة والعقاب الشعبي.
المشكلة هنا لا تتعلق بالفعل نفسه بقدر ما تتعلق بمن نصب نفسه قاضيا على المجتمع.
ما يحدث ببساطة هو إعادة إحياء لفكرة «الحسبة الشعبية» وكأننا أمام تشكيل يتكون لما يشبه هيئات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، تلك الفكرة التى تقوم على أن الفرد يملك الحق فى فرض تصوره الشخصى للدين أو الأخلاق على الآخرين، ولو بالقوة أو التشهير. وهى فكرة قد تبدو فى ظاهرها دفاعا عن القيم، لكنها فى حقيقتها تهدم أهم قيمة قامت عليها الدولة الحديثة المتمثلة فى سيادة القانون.
الدولة فى تعريفها البسيط والواضح، ليست ساحة لتصفية الحسابات الأخلاقية بين الأفراد، وليست منصة لفرض التدين أو السلوك بالقوة، بل هى إطار جامع يضمن للجميع حقهم فى الاختلاف، ويحميهم من تغول الآخرين عليهم. القانون وحده هو الفيصل، والمؤسسات وحدها هى صاحبة الحق فى المحاسبة.
حين يقرر شخص أن يعاقب آخر لأنه لا يصوم، فهو لا يدافع عن الدين بقدر ما يعتدى على القانون. وحين يقوم آخر بتصوير شاب وفتاة فى لحظة خاصة، فهو لا يحمى الأخلاق، بل ينتهك أبسط حقوق الخصوصية. وبين هذا وذاك، تضيع الفكرة الأساسية، أن الدولة لا تدار بالمشاعر ولا بالانفعالات، بل بالقانون وحده.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك يخلق حالة من «الفوضى المقننة» حيث يتحول كل فرد إلى رقيب على الآخر، وكل شارع إلى محكمة مفتوحة، وكل هاتف إلى أداة للفضح. وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بحادثة أو اثنتين، بل تتحول إلى مناخ عام يهدد الاستقرار الاجتماعى نفسه.
الخطوة المهمة أن وزارة الداخلية، تعاملت مع هذه الوقائع باعتبارها تجاوزات قانونية واضحة، واتخذت الإجراءات اللازمة ضد مرتكبيها. وهذه رسالة شديدة الأهمية أن ما يحدث ليس مقبولا، وأن الدولة لن تسمح باستبدال القانون بردود أفعال فردية، مهما كانت مبرراتها.
هذا الموقف يعيد التأكيد على فكرة جوهرية فى بناء الجمهورية الجديدة.. أن الدولة ليست انعكاسا لرأى فئة واحدة، ولا تجسيدا لتصور دينى أو اجتماعى بعينه، بل هى مساحة مشتركة يعيش فيها الجميع، باختلافاتهم وتبايناتهم، تحت مظلة واحدة من الحقوق والواجبات.
ولعل ما طرحه الرئيس الرئيس السيسى قبل أيام عن مفهوم «إسلام الفرد» و«إسلام الدولة» يضع إطارا واضحا لهذا النقاش. فالتدين، فى جوهره، علاقة بين الإنسان وربه، يحاسب عليها الفرد وفق ضميره وقناعته. أما الدولة، فوظيفتها ليست فرض التدين، بل تنظيم الحياة العامة وفق قواعد تضمن الاستقرار والعدالة.
بمعنى آخر، الدولة لا تكلف نفسها بتفتيش القلوب، ولا بمراقبة النوايا، بل تكتفى بضبط السلوك العام وفق القانون. وهذا الفارق هو ما يميز الدولة الحديثة عن أى شكل آخر من أشكال السلطة.
إن الخلط بين المجالين؛ مجال الفرد ومجال الدولة، هو ما ينتج هذه الممارسات المرتبكة. حين يعتقد البعض أن من حقه أن يُحاسب الآخرين باسم الدين، فهو فى الحقيقة يسحب اختصاصا من الدولة ويمنحه لنفسه، دون أى سند قانونى أو مؤسسي.
وهنا يصبح السؤال ضروريا.. هل نريد دولة قانون، أم مجتمعًا تحكمه ردود الأفعال الفردية؟
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من «الحسبة»، بل مزيدا من احترام الحدود. حدود الفرد فى حياته الخاصة، وحدود الدولة فى سلطتها، وحدود القانون فى تنظيم العلاقة بين الجميع.







