الأحد 15 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رمضان شهر الكرم

روضة رمضان

رمضان شهر الكرم

ما زالت تظلنا أجواء البهجة والسرور والفرح بأيام شهر رمضان المبارك، بكل ما يحويه وما يجلبه من معانى الإحسان والجمال والترقى، وبكل معنى فيه أُنس بالله واستشعار لنعمته. إنها أيام كريمة تملأ القلب فرحًا بالله ورسوله è، وتؤلف بين قلوب عباد االله، وتؤسّس تأسيسًا كريمًا لتلاقيهم على قيم الكرم والجود، والشعور المتبادل. وهذا سبيل إلى إيقاظ أشرف ما فى نفس الإنسان من سجايا حميدة مبدأها الإنسانية، وقوامها الصفح، وعنوانها الصدق، ومسلكها الأدب. 



 

 رمضان شهر الجود 

إذا كان الإنسان كريمًا فى سائر أيام السنة؛ فإن شهر رمضان فرصة ليكون أكرم وأجود، فإن فاته هذا الخُلق الكريم قبل رمضان فقد جاءت الفرصة ليهذب نفسه ويتحلّى بالجود والسماحة، فيتعوّد العطاء فى هذا الشهر الكريم. ألم نعلم أن القرآن دائمًا يدعونا إلى الانتقال من الحسن إلى الأحسن، ومن الجميل إلى الأجمل، ومن الكريم إلى الأكرم!؟ تلكم أخلاق ربانية محمدية تجعل من رمضان فرصة إما للابتداء، وإما للترقى. 

 حال سيدنا النبى è مع الجود فى رمضان

إليكم هذا الحديث الشريف الذى يبين حال سيدنا النبى è مع الجود فى رمضان: «كان رسول الله è أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله è أجود بالخير من الريح المرسلة». أى أن الكرم خُلق محبوب فى كل وقت، أمّا فى رمضان فله رتبة أخرى ومعنى أرقى. وما أصدق هذه المعانى فى بلد الكرم والإحسان والعطاء - فى مصرنا الغالية التى ما برحت الدنيا تتناقل عنها وتحاكيها فى معانى التراحم، بموائد الرحمن للإفطار والسحور، وحُسن الجيرة، والتلطف فى الطلب، وغيرها من المحامد الأصيلة فى الشخصية المصرية؛ وهو ما جعلنا نحن فى وزارة الأوقاف نرعى 269 مائدة رمضان فى 269 مسجدًا بكل المحافظات فى رمضان هذا العام، إلى جانب التشارك مع «مصر الخير» فى 27 خيمة رمضانية بواقع خيمة لكل محافظة؛ فضلاً عن التشبيك مع أهل الخير والمؤسّسات والوزارات لنخرج بمشاريع تليق بمصر مثل «مطابخ المحروسة» و«زاد آل البيت» وغيرها. 

الكرم مسئولية اجتماعية

روى الصحابى الجليل أبو سعيد الخدرى- رضى الله عنه- عن سيدنا رسول الله è، فقال: «بينما نحن فى سفر مع النبى è إذ جاء رجل على راحلته، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله è: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا فى فضل». والمستفاد من الحديث أنه لم يكن عن المال فقط؛ بل عن كل صور الفضل الممكنة فى المجتمع: فهذا فضل المركب، ويجاوره فضل الطعام، وكذلك فضل اللباس، ثم فضل العلم، وفضل القدرة، حتى شعر الصحابة أن كل زيادة على ما يكفى حياتهم إنما هى أمانة يجب أن تُرد إلى المحتاجين الأولى بها. 

 معنى الكرم فى القرآن الكريم

آيات القرآن حافلة بالدعوة إلى الكرم والعطاء، ومن ذلك قوله سبحانه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)، وقال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ)، وقال عز وجل: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ). كذلك ضرب القرآن لنا مثال الكرم فى قصة ضيف سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفى وصف الفقراء المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافًا. 

الكرم كرم النفس بالأساس 

هل الكرم مقصور على المال؟ كلا... بل هو فى حقيقته طاقة نفسية وروحية، هو كرم المشاعر، وكرم الحلم، وكرم سعة الصدر، وكرم البشاشة، وكرم الاحتمال، وكرم السماحة فى البيع والشراء، وهو ما نتعلمه من حديث سيدنا النبى è: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى»؛ فحتى عند الخصومة واللجوء إلى التقاضى والتحاكم، يدعونا الإسلام إلى السماحة، لا إلى الشراسة والغضب، وافتعال الحيل. 

ومن أروع ما قيل فى هذا الباب قول سيدنا النبى è: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». فالمال مهما كثر لا يتسع لكل الناس، لكن بسط الوجه وحسن الخلق يتسعان للعالم كله. ولذا قال الشاعر: 

بشاشة وجه المرء خير من القِرى        فكيف بمن يأتى به وهو ضاحك؟

وعلى ذلك، فرمضان مدرسة سنوية وفرصة ذهبية لتربية النفس على الكرم، أى كرم الروح، وكرم اللسان، وكرم العين، وكرم المشاعر، وكرم السلوك، وكرم التراحم. أى أن يصبح الإنسان ذا كرم فى بيته، وفى محل عمله، وحيثما حلّ وكان؛ وذا كرم مع الكبير والصغير، ومع القريب والبعيد، ومع كل مخلوقات الله فى هذا الكون. والمال ليس شرطًا للكرم؛ ولنذكر دائمًا أن أول آية فى القرآن تعلمنا أن نتسع بأخلاقنا للعالمين: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). 

من هنا جاء فهم بعض العلماء أن الإسلام بُنى على ركيزتين عظيمتين: الصدق فى العبادات مع الله، والكرم فى المعاملات مع خلق الله. فالعبادات لا تقوم إلا بالصدق، والمعاملات لا تستقيم إلا بالكرم، ولذلك قال الله تعالى حتى عند الفراق: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).

اللهم أدم علينا فضلك ونعمتك، وتقبل منا، واجعلنا ممن اهتدى.