الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

15 وثيقة إخوانية تكشف مخططات محمود عزت ضد الدولة المصرية:

كل أذناب رأس الأفعى

وسط أتُون المعارك مع قوى التطرف والإرهاب، لا صوت يعلو فوق صوت «الوثائق»؛ إذ تُخرِسُ الوثائقُ الألسنة، وتُقرِّب الأحداثَ والأمكنة، وتُصبح- فى ظلها- عمليات التشكيك غير مُمكنة.. لذلك؛ كان انحيازنُا فى معركةِ «رأس الأفعى» لحديث الوثائق؛ إذ لطالما شبهنا حديثَ الوثائقِ والمعلومات بالزلازلِ والبراكين، إذا أخرجَت أَثْقَالَهَا انفجر «المستور منها» فى وجهِ أصحابِها.. ومنذ سقوط حُكمِ جماعة الإخوان فى مصر (2013م)، وحتى سقوط ثعلبها العجوز «محمود عزت» (رأس الأفعى) فى قبضة السُّلطات الأمنية (2020م)، كانت تُشير جميع الوثائق والمعلومات إلى أنَّ شخصًا واحدًا (هو محمود عزت) كان العقلَ المُدَبِّر والمُخطط لأغلب تحركات الإخوان (داخليًّا وخارجيًّا).. وما خرج عن سيطرته فى غضون تلك الفترة، كان هو محوره- أيضًا- بصورةٍ أو أخرى؛ إذ أضحت سياسات العنف عقيدة؛ وتكتيكات إثارة الشارع منهجًا؛ وبث الإشاعات ونشر الأكاذيب عملاً دعويًّا!



.. أمّا ماذا جرى؟، وكيف جرى؟؛ فهذا ما سيُجيب عنه هذا الملف.. بلسان حال الوثائق [وحدها]!

1 شرعنة العنف

فيما كان يدرس العديدُ من كِيانات تنظيم الإخوان الدولى- بدأبٍ شديد- كيفية تجنب تداعيات «سقوط حُكم الجماعة» فى مصر (2013م)، وإلى أى مدى يُمكن أنْ يُسهم إعلان «الاستقلال» عن التنظيم فى تقليل «آثار» هذا السقوط؟، كانت «الجماعة فى مصر» على أعتاب واحدة من أكثر أزماتها «الداخلية» تأثيرًا.. وهى أزمة، أسهَم فى تأجيجها شيخ الجماعة الأشهَرُ «يوسف القرضاوى» (تُوفى فى سبتمبر 2022م)؛ إذ كان الشيخ داعمًا بقوة؛ لتأصيل منهجية «حَمْل السلاح»، داخل ما بات يُعرَف فيما بعد بـ«اللجان النوعية».. وعندما اقتربت «سهام الإدانة» من الشيخ نفسه فى العديد من القضايا، التى طالت قيادات الإخوان؛ كان أنْ وظّف الشيخ الراحل جميع روافد شبكته «الدعوية» فى تأجيج «الشحن النفسى» لأفراد صف الجماعة؛ من أجل «تصفية حساباته» والنظام الحاكم فى مصر؛ إذ ضمت تلك الشبكة إلى جانب ما يُعرف بـ«الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين»: «رابطة علماء أهل السُّنَّة»، و«هيئة علماء فلسطين فى الخارج»، و«هيئة علماء المسلمين فى لبنان»، و«مركز تكوين العلماء فى موريتانيا»، و«منتدى العلماء والأئمة» فى موريتانيا، و«رابطة علماء المغرب العربى»، و«جبهة علماء ضد الانقلاب»، وغيرها.. وكان أحدث «الشبكات الدعوية» المرتبطة بـ«القرضاوى»، حينذاك؛ ما عُرف باسم «مركز دراسات التشريع الإسلامى والأخلاق» بجامعة «حمد بن خليفة» القطرية.. وهو مركز أُسِّسَ فى أعقاب موجة تغيير الأنظمة بالمنطقة العربية.. وعلى الرُّغم من أنَّ المركز يرفع لافتة «البحث التشريعى»؛ فقد كان «مُتداخلاً» إلى حدٍّ بعيد، ودوائر تنظيم الجماعة الدولى (وبخاصة الدوائر ذات البُعد الدعوى، المرتبطة بالقرضاوى)؛ إذ كان يتولى رئاسة المركز فى غضون تلك الفترة «طارق رمضان» (نجل سعيد رمضان واضع أساس التنظيم الدولى، وحفيد حسن البنا المرشد المؤسِّس للجماعة).

 

كما ضمَّ مجلس المركز العديد من التابعين للشيخ داخل ما يُعرف بـ«الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين»، مثل: «شوقى الأزهر» (Chauki Lazhar)، نائب رئيس المركز، وهو «بلجيكى» الجنسية، من المقربين للدوائر التى يُسيطر عليها تنظيم الجماعة فى أوروبا، ومنها: «المعهد الأوروبى للعلوم الإنسانية» فى فرنسا، مع كُلٍّ من: «محمد المختار شنقيطى»؛ و«معتز الخطيب»؛ و«المختار الأحمر».. وبغض النظر عن تشعبات الشبكة الدعوية المرتبطة بـ«القرضاوى»؛ فإنَّ ما يعنينا- على وجه التحديد- هو أنَّ الشيخ استطاع أنْ يُسهم فى توجيه أغلب المتقاطعين مع تلك الشبكة (أفرادًا، ومؤسَّسات) فى تعبئة قطاع شبابى كبير من أفراد صف الإخوان؛ للتخديم على وجهة النظر الداعمة لـ«حمل السلاح» فى مواجهة الدولة المصرية.. وهى «قصة» تعود أصولها، لسنة 2013م.. فقبل عزل محمد مرسى مباشرة؛ كان أنْ استقر كلٌّ من: القيادى الإخوانى الراحل «جمعة أمين» (أكبر نواب المرشد سنًّا- تُوفى فى 24 يناير 2015م)، و«محمود حسين» أمين عام التنظيم وقتئذٍ (والمتصارع- حاليًا- على كرسى القائم بأعمال المُرشد) فى تركيا.. وفى هذه الأثناء؛ رُصِدَت أولى حالات «التمرد الداخلى» بين صفوف «القطاع الشبابى» من أفراد صف الجماعة على قياداتها «التاريخية»؛ إذ توالت الأحداث، على النحو الآتى:

 

فى 25 ديسمبر 2013م؛ أعلنت «السُّلطات المصرية» جماعة الإخوان «جماعة إرهابية»؛ وفى فبراير 2014م؛ أُسّست «اللجنة الإدارية العليا لجماعة الإخوان» (لجنة الأزمة)؛ لتسيير الأعمال (فى ظل تفرُّق أعضاء «مكتب إرشاد الجماعة» بين الخارج والداخل)، تحت إشراف عضوَىّ «مكتب الإرشاد»: «محمد عبدالرحمن المرسى»، و«محمد كمال» (المدعوم من قبَل بعض القطاعات الشبابية، المُنادية بالعنف، ومؤسِّس «حركة حسم»)؛

 

باقتراب نهاية سنة 2014م، بدأت الخلافات حول «السيطرة الداخلية» على التنظيم المصرى، تطفو على السطح؛ إذ رأى الفصيل المؤيد لـ«محمد كمال» (مدعومًا بمباركة القرضاوى)، أنَّ أحلام «القيادات التاريخية» للجماعة كلفتهم الكثير، وأنهم يدفعون ثمَن وجود «تنظيم دولى». كما أنَّ هذا التنظيم، لم يُحرِّك «مُظاهرة واحدة» احتجاجًا على أحكام الإعدام الصادرة بحق مرشده (أيْ: محمد بديع).. وهو توجُّه، كان يدعمه- أيضًا- العديد من أعضاء التنظيم المتواجدين فى «قطر» على وجه الخصوص.

فى أعقاب هذا الأمر (فى ديسمبر 2014م)؛ روّج الفصيل المؤيد لـ«محمد كمال» إلى عزل «محمود حسين» أمين عام الجماعة من موقعه (وإسناد مهامه لآخر). وهو ما نُفى، فى حينه، بقوة من قِبل «مكتب الإرشاد العالمى» (إبراهيم منير، نموذجًا- توفى فى نوفمبر 2022م)؛

 

مع بداية يناير سنة 2015م؛ اعتزم الفصيل المؤيد لـ«محمد كمال» تشكيل مكتب إدارى للمصريين بالخارج فى «تركيا» (مكتب إدارة الأزمة)؛ بدعوى مساندة «مكتب الإرشاد»، وتفعيل دور الإخوان بالخارج. على أنْ يتكون المكتب الجديد من عدد من الأشخاص، الموزعين على أربع دول فقط (أيْ: الدول التى فَرَّ إليها قيادات وأفراد الجماعة، وهى: تركيا، وقطر، وماليزيا، والسودان)؛

فى إبريل 2015م؛ أُعلن تشكيل «مكتب إدارى للإخوان بالخارج»، وأصدر المكتب بيانه التأسيسى (تحت رئاسة أحمد عبدالرحمن، الأمين العام السابق لحزب الحرية والعدالة المُنحل بالفيوم)، مُتعهدًا بالعمل على ملاحقة ما وصفه بـ«الانقلاب». وضمّ المكتب فى بداية تأسيسه وجوهًا معروفة إعلاميًّا بالجماعة، مثل: «عمرو دراج»، وزير التعاون الدولى فى عهد المعزول، و«يحيى حامد»، وزير الاستثمار فى عهد المعزول، أيضًا، و«أيمن عبدالغنى» (زوج ابنة خيرت الشاطر)، وقد كان أحد المسئولين عن اعتصام رابعة، ثُمَّ اختفى بعد فض الاعتصام، وظهر- فيما بعد- فى تركيا؛

وفى 18 مايو 2015م، التقى محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) عددًا من عناصر الحرس القديم [قيل إنَّه كان من بينهم: «محمود غزلان» المتحدث باسم التنظيم وقتئذٍ (أُلقى القبض عليه بعد نحو أسبوعين فقط من هذا اللقاء، فى 2 يونيو 2015م بمنطقة الجيزة، على خلفية قضية غرفة عمليات رابعة العدوية)، و«عبدالرحمن البر» مفتى الجماعة (ألقى القبض عليه فى مدينة 6 أكتوبر 2015م)]؛

ووجِّهت الدعوة إلى عددٍ مِن قيادات «اللجنة الإدارية العليا للجماعة»، منهم: محمد كمال، وحسين إبراهيم (الأمين العام لحزب الحرية والعدالة المُنحل- ألقِى القبض عليه فى سنة 2015م، فى أثناء محاولته الفرار إلى ليبيا)، ومحمد طه وهدان (ألقِى القبض عليه بمدينة 6 أكتوبر، فى أثناء اجتماع تنظيمى مع عدد من أعضاء الجماعة فى 27 مايو 2015م)، ومحمد سعد عليوة (ألقِى القبض عليه فى يونيو 2015م، فى أثناء اختبائه بإحدى الشقق السكنية، وبصحبته جمال نصار وعادل عفيفى عضوا التنظيم)، وعلى بطيخ (عضو بمكتب إرشاد جماعة الإخوان. وأحد القيادات الهاربة فى تركيا، منذ سنة 2015م). ورفض أعضاء «اللجنة الإدارية العليا»، لقاء الحرس القديم؛ تأسيسًا على أنهم أصحاب الشرعية الجُدد؛

فى هذه الأثناء؛ اتّخذ محمود عزت (القائم بأعمال المرشد العام للإخوان) قرارًا بأنْ يكون «مكتب الأزمة» (مكتب الخارج) أحد مكونات «رابطة الإخوان المصريين بالخارج» (الكيان «التاريخى»، القائم بالفعل)، ويتبع «مجلس إدارتها».. على أنْ يُقدم «مكتب الأزمة» تصوره، وخطته، لما يُمكن أنْ يُقدمه «الإخوان المصريون»، بشأن الأزمة؛ لاعتمادها وإدراجها فى «الخطة العامة للرابطة»، بالتنسيق مع الأقطار، و«الأمانة العالمية».. وهو ما لاقَى اعتراضًا من قِبَل «محمد كمال» وفريقه؛

وشهدت نهاية مايو 2015م، صدور بيانات مختلفة من الطرفين، حول منهجية العمل التنظيمى (لا منهجية المواجهة مع مؤسّسات الدولة). فبينما دعا أمين عام الجماعة «محمود حسين»، ونائب المرشد، والقائم بأعماله «محمود عزت» إلى الثبات فى المواجهة كوسيلة للتغيير، دعا الفريق الآخر للتصعيد المباشر. كما شكك كلا الفريقين (وَفقًا لتقارير صحفية) فى شرعية الآخر.

وبالتزامن مع ما شهدته «نهاية مايو» من «حرب بيانات» بين الحرس القديم للتنظيم، وجبهة اللجنة الإدارية العليا (فصيل محمد كمال)؛ بدا دعم «الشبكة الدعوية» المتحلقة حول «الشيخ القرضاوى» لاتجاه التصعيد أكثر وضوحًا؛ إذ صدر وقتها «البيان الأول» لما سُمّى بـ«نداء الكنانة»، فى 27 مايو 2015م، مُوقّعًا باسم «علماء الأمّة» (كُل الموقّعين كانوا من أنصار وحلفاء جماعة الإخوان). وهو بيان وصف «المنظومة الحاكمة» فى مصر، بأنها منظومة مجرمة وقاتلة، ارتكبت المنكرات كلها، وانتهكت الحرمات جميعها، داعيًا إلى «مقاومتها، والعمل على كسرها، والإجهاز عليها. وفى اليوم التالى لصدور البيان؛ أصدر فصيل «محمد كمال» بيانًا داعمًا لبيان «رجال القرضاوى»، المُطالب بالإجهاز على منظومة الحُكم. وقالوا إنَّ ما مرّت به «الجماعة» من ظروف عصيبة، دفعها إلى «تطوير هياكلها»، وآليات عملها؛ لتتناسب مع «العمل الثورى»، والقضاء على الانقلاب (يقصدون: اللجان النوعية).. فتبعه بيانٌ من أمين عام الجماعة «محمود حسين»، أكد فيه أنَّ مسئولية التنظيم، لا تزال بيد «محمود عزت»، القائم بأعمال المرشد.

وبحلول سبتمبر 2015م؛ أجرى «أحمد عبدالرحمن»، رئيس مكتب الإخوان بالخارج، العديد من الاتصالات، عبر «سكايب»، مع «إخوان الأقطار» بالخارج؛ لتغيير قيادات الجماعة، وأخبرهم أنَّ «ساعة الحسم» اقتربت لاستعادة الجماعة المختطفة، وهو ما أسهم فى تأجيج المواجهة بين الطرفين؛ إذ أصدر مكتب الأزمة (مكتب الخارج) فى إسطنبول بيانًا (فى 16 ديسمبر 2015م)، هاجم فيه «مكتب الإرشاد» القديم.. وجاء فى هذا البيان: يؤكد مكتب الإخوان المسلمين المصريين بالخارج دعمه الكامل للإدارة المنتخبة الموجودة بالداخل المصرى، والمتمثلة فى «اللجنة الإدارية العليا»، التى تحرص كل الحرص على العمل المؤسّسى، وتجنب القرارات الفردية، ويُثمّن جهودها، ويحثها على استمرار العمل على وحدة الصف [...] كما أكد أنَّه لا يحق لأحد اتخاذ أو إعلان أية «قرارات إدارية» تتعلق بالعمل فى ملفات الداخل سوى «اللجنة الإدارية العليا».

وأضاف البيان: إنَّ المواقف الرسمية للجماعة، تعلنها فقط من خلال موقعها الرسمى.. كما أنَّ الجهة الوحيدة المعنية بملفات العمل فى القضية المصرية بالخارج والحديث عنها، هى مكتبنا.. وأنَّه من واقع مسئولية «مكتب الإخوان المصريين بالخارج» عن ملف الأزمة المصرية، ونظرًا لما ألحقته ممارسات بعض الإخوة من ضرر بالغ بمسيرة «الثورة المصرية»، و«الصف الإخوانى»، فى هذا الوقت الحرج؛ فقد قام المكتب بالآتى بعد اتخاذه عددًا من القرارات المهمة: [تشكيل لجنة تقصّى حقائق فى ممارسات د. محمود حسين، وآخرين، فيما يتعلق بما أحدثوه من ضرر على ملفات الأزمة المصرية؛ وتشكيل «لجنة تقصّى حقائق» فى ممارسات ما يسمى بـ«مكتب لندن»، المنسوب إليه تجاوز صلاحياته فيما يتعلق بملفات الأزمة المصرية؛ وتبيّن لنا وجود مخالفات جسيمة من هؤلاء الإخوة، قد تؤدى إلى نتائج بالغة السلبية على وحدة صف «جماعة الإخوان»، وعلى مسار الثورة المصرية. ومن ثَمَّ؛ فقد تم تحويل نتائج هذه التحقيقات إلى «اللجنة الإدارية العليا» فى الداخل؛ لاتخاذ ما تراه من إجراءات مناسبة سواء باستكمال هذه التحقيقات بشكل متكامل، أو اتخاذ قرارات انضباطية مناسبة؛ ويَعتبر المكتب أنَّ ما أعلن ونشر من قرارات صدرت عن غير ذى صفة، هى والعدم سواء].

بَيْدَ أنَّ هذا «البيان» كان أحد الأسباب التى أسهمت فى تكشير «محمود عزت» القائم بأعمال المرشد (الذى أُلقى القبض عليه بعد ذلك بخمسة أعوام)، عن أنيابه داخل التنظيم.

2 حرب تكسير العظام

فى أعقاب صدور بيان مكتب الخارج، المُهاجم لقرارات حرس الجماعة القديم (ومنها قرار عزل المتحدث باسم اللجنة)، فى 16 ديسمبر 2015م، شدّد «محمود عزت» من تحركاته «المُقيِّدة» لأنشطة المجموعة المتحلقة حول القيادى «محمد كمال».. وشملت إجراءات التقييد النواحى التنظيمية (عن طريق الحد من اتصالاتهم بأفراد الصف)، والنواحى المالية (بتجفيف مصادر الدعم).. وكان من مُحصلة هذا الأمر، محاولة الفصيل المؤيد للقيادى «محمد كمال» داخل اللجنة الإدارية الحد من استعادة «حرس الجماعة القديم» لسيطرته على «النواحى الإدارية» بالجماعة، على أكثر من مستوى؛ إذ كان أول تلك المستويات؛ إصدار «اللجنة الإدارية العليا» (لجنة تسيير الأعمال داخل مصر، أو لجنة الأزمة) لبيان جديد تحت عنوان «بيان ومصارحة».. وهو بيانٌ تطابق فى مضمونه، مع مضمون البيان الصادر عن «الشبكة الدعوية» التى يحركها الشيخ القرضاوى؛ إذ انحاز «البيان» بشكلٍ واضح إلى المواجهة العنيفة مع ما أسماه «سُلطة الانقلاب»، والثأر لمَن وصفهم بـ«المكلومين» من ذوى الدماء الذكية، التى سالت نُصرةً للحق، ومُواصلة ما أطلقوا عليه «العمل الثورى»!

.. وكان من بين ما جاء فى نص «البيان»، الصادر فى «18 ديسمبر» 2015م (أىْ بعد بيان «مكتب الخارج» بنحو يومين، فقط)؛ لكسْب مزيد من الأرض، و«الدعم» بين أفراد «صف الجماعة» فى مواجهة حرسها القديم، ما نصه: لقد حَمّلتمونا أمانة عظيمة عندما اخترتمونا لهذه المهمة فى خضم بحر يموج بالأحداث الجسام فى العالم من حولنا، وفى ظل واقع انقلاب غاشم مجرم ينكل بالثائرين، وكل أبناء الوطن بلا رحمة، وفى ظل ضربات أمنية شديدة.. وفى ظل ذلك؛ لا يخفى عليكم أنها مسئولية مُغرم وليست مَغنمًا، ولكنها حكمة الله نستعين بمَن عليه التكلان فى إنجازها، ونسألكم الدعاء بالسداد، ولكم حق أن نقوم بواجبنا فيها على أكمل وجه إلى أن نسلم الراية بأمان لمن يخلفنا. ونطلب حقنا عليكم بعوننا عليها ما استطعتم.. ومن هذا العون أن تقفوا لمن ينفخ فى «نار الخلاف»، وتذكرونه بالله، وتردعونه عن فعله، ولا تخافون فى ذلك لومة لائم، وتجعلوا نصب أعينكم رفعة الحق قبل نصرة الشخص. أيها الثوار الأحرار، والثائرات الفضليات.. ونتعهد إليكم بأنَّ من أولوياتنا:

أ- تَحَمُّل أمانة المسئولية وبذل كل الجهد لإنجازها على أكمل وجه؛

ب- على رأس مهامنا التأسيس لمرحلة جديدة، وإجراء تعديلات اللائحة، والإعداد لانتخابات تأتى بمن يُعبّر عن الصف، فى ظل هذه المتغيرات، ويدير الدفة باجتهاد صحيح بإذن الله.. بعدما أخفقت اجتهادات سابقة فى الوصول لمبتغانا، وسنكون أول من يعينه وسهامًا نافذة فى جعبته؛

ج- وحتى ننجز ذلك؛ سنعلى من صوت العقل، ونستوعب الجميع، ونصبر على من خانه اجتهاده.. محافظين على رأب الصدع، و«لُحمة الصف» ما استطعنا لذلك سبيلاً؛

د- نحترم الجميع «الصغير قبل الكبير»، ولا نُجرح فى الأشخاص، أو نفجُر فى الخصومة، لاختلاف فى الرأى، ولا يعنى هذا قداسة لأحد فكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم؛

هـ- نعترف بوجود خلاف يحصره البعض عن «جهل أو قصد» فى مسألة الثورية، والسلمية.. ولكنه فى الحقيقة؛ يتعدى ذلك إلى «منهجية الإدارة»، وأسلوب اتخاذ القرار، ومرجعيته؛ خصوصًا فى ظل انتهاء مُدة «مكتب الإرشاد».. فضلاً عن استحالة انعقاد نصابه القانونى بسبب الأساتذة الأسرَى، لدَى سُلطة الانقلاب الغاشم، هذا بخلاف الصعوبة الشديدة، و«الخطورة الأمنية» لاجتماع من تبقى من أعضاء الشورى العام بصفة دورية.. ولكن؛ نتعهد بأن نحل هذه الأمور بتوفيق الله بالحوار، والتواصل.. وتتسع صدورنا لجميع إخواننا «المُخالف قبل المُوافق»؛

و- حلول هذه المشاكل لن تتم عبر الإعلام، ولا ينبغى لها ذلك.. وإن كان من حق الجميع معرفة الحقائق، والشفافية فى عرضها.. لذا؛ سنتواصل عبر الإعلام بإطلالة، حول أهم النتائج.. ونسعى للحل بالطرق الصحيحة، فيما وراء ذلك.. ويعيننا حاليًا «لجنة تقصى حقائق»، فى الداخل والخارج تمت الموافقة على تشكيلها؛

ز- إخوانكم فى «اللجنة الإدارية العليا» فى حال انعقاد دائم. ونتواصل مع الجميع. كما تدرس «اللجنة» العديد من الأمور. واتخذت بعض القرارات، سيتم نزولها للصف فى مساراتنا المتعارف عليها. ونسألكم الدعاء فى أنْ يُوفقنا الله دائمًا فى اتخاذ القرارات المناسبة. ولكننا؛ نؤكد أنَّ «اللجنة الإدارية العليا» قد اجتمعت برئاسة «الأمين العام» للجنة، و اكتمل نصابها القانونى (7 من 11)، واتخذت عدة قرارات بموافقة جميع أعضاء الإدارة، الذين شاركوا فى الاجتماع. وتؤكد «اللجنة» أنَّ الشاب «محمد منتصر»، هو المتحدث الإعلامى للجماعة. وكل ما صدر عن مسئول اللجنة الإدارية، وسُرِّبَ للإعلام عمل فردى، حدث من دون اعتمادها من اللجنة، بالمخالفة لأدبيات الجماعة وعملها المؤسّسى. وستقوم لجنة تقصى الحقائق بالتحقق منها بشكل سليم؛

ح- نثمّن دَورَ المخلصين من أصحاب المبادرات للخروج من الأزمة، ونفتح أبوابنا على مصراعيها لأى محاولة جادة تحقق المصلحة للجميع، ونُذَكر أنفسنا بقول الإمام المؤسّس: «أيها الإخوان إنى لا أخشى عليكم الدنيا مجتمعة، فأنتم بإذن الله أقوى منها، ولكنى أخشى عليكم أمرين اثنين: أخشى عليكم أن تنسوا الله فيكلكم إلى أنفسكم، أو أن تنسوا إخوتكم؛ فيصير بأسكم بينكم شديدًا». هذا وندعو الجميع إلى العمل الجاد، وبذل الجهد فى مقاومة الانقلاب الغاشم، ونستحث الثوار ألاّ يشغلهم شاغل عن ثورتهم. وندعو الإخوان فى الخارج؛ لأن يكونوا عونًا وسَندًا لإخوانهم بالدعاء، والدعم بجانب ميادين جهادهم الأخرى الواجبة عليهم.

.. ويكشف تحليل مضمون هذا البيان؛ عن العديد من أبعاد «الصراع الداخلى» فى الإخوان حينئذٍ؛ إذ دارت أبعاد الصورة الصراعية على النحو الآتى:

 

(أولاً): ذكر «البيان» صراحةً، استحالة اجتماع ما تبقى من أعضاء «شورى التنظيم» بصفة دورية وقتئذٍ. وهو ما ألقى مزيدًا من الشك حول الأخبار التى روج لها فصيل «محمد كمال» حول إجراء انتخابات داخلية أسفرت عن انتخاب «قيادات جديد» فى أثناء فترة ظهور الخلاف للعلن؛

 

(ثانيًا): بدا تأثير القطاع، الذى قاده محمود عزت (الحرس القديم)، أنَّه صاحب «الكعب الأعلى» (على خلاف ما روَّجَ له بعضُ التقارير الإعلامية، فى حينه)، ولا سِيَّمَا فى الجزء الأخير من البيان؛ إذ دفعت تحركاته «المُقيِّدة» لأنشطة المجموعة المتحلقة حول القيادى «محمد كمال» (المدعومة من الشيخ القرضاوى)، من الناحيتين: التنظيمية (عن طريق الحد من اتصالاتهم بأفراد الصف)، والمالية (بتجفيف مصادر الدعم).. إلى البحث عن «منطقة وسط»، أو إقناع «الحرس القديم» بالتخلى عن مواقعها، طوعًا، فى أضعف الأحوال؛

(ثالثًا): أكّد «البيان» أنَّ الخلاف لا ينحصر حول مسألة «الثورية»، و«السلمية»، وأنَّ حقيقة الخلاف- بحسب نص البيان- حول «منهجية الإدارة»، وأسلوب اتخاذ القرار؛ إذ إنَّ جُلّ «معطيات الصراع» تعكس بوضوح شديد؛ أنَّه صراعٌ «من أجل السُّلطة داخل الجماعة»، و«السيطرة على اتخاذ القرار» بها.. وأنَّ الحديث عن «أفكار العنف»، التى يُنادى بها «شباب» التنظيم، ويرفضها «فصيل القائم بأعمال المرشد» لا يمت للواقع بصِلة (من قريبٍ، أو بعيد)؛ إذ إنّ تلك «الأفكار» زُرعت- ابتداءً- عبر المناهج «التربوية» و«الحركية»، التى أقرّها شيوخ الجماعة أنفسهم، عبر سنوات خلت.. كما أنَّ الشيخ القرضاوى (وهو من أصحاب البصمات البارزة على مناهج الصف التربوية) من الداعمين بقوة لهذا التوجه؛

(رابعًا): يدعم ما ذهبنا إليه فى «النقطة ثالثًا»، حول أنَّ الصراع داخل الجماعة «صراعٌ سلطوى»، هو القرار الذى اتّخذه عدد من أعضاء «مكتب الخارج» (مكتب الأزمة) فى أعقاب صدور بيان «اللجنة الإدارية العليا» (أو بالأحرى قطاع «محمد كمال» داخل اللجنة الإدارية) بنحو 24 ساعة فقط (أىْ فى 19 ديسمبر 2015م)، بالاستقالة من مكتب الخارج؛ احتجاجًا على تحدّى قيادات التنظيم. وقالوا إنَّ للجماعة قيادة معروفة. وكان من بين المستقلين:

أيمن عبدالغنى (زوج بنت خيرت الشاطر)، وعبدالحافظ الصاوى (رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب الحرية والعدالة المنحل)، ومحمد البشلاوى، وطاهر عبدالمحسن. وهو ما يدعم أنَّ الاستقالات (وبخاصة استقالة عبدالغنى)، كانت بمباركة «خيرت الشاطر» نفسه؛

(خامسًا): ما أكَّدَ كذلك تأثير القطاع، الذى قاده محمود عزت حينئذٍ، هو حالة القوة التى بدت عليها القطاعات التابعة لـ«حرس الجماعة القديم»؛ إذ أصدرت «رابطة الإخوان المصريين بالخارج» (أى: الكيان التاريخى المسئول عن إدارة ملف الإخوان بالخارج، قبل أنْ يُعلن فصيل «محمد كمال» عن تشكيله مكتب إسطنبول) بيانًا- فى اليوم نفسه، الذى تقدّم فيه «صهر الشاطر» باستقالته من مكتب إسطنبول- جاء فيه: [فى ظل الصخب الإعلامى الذى يتناول شأن جماعة الإخوان فى مصر فى الآونة الأخيرة؛ فإنَّ «رابطة الإخوان المصريين بالخارج»، تؤكد الثوابت التالية:

-1 التزامها ودعمها لقيادة جماعة الإخوان فى مصر، ممثلة فى فضيلة المرشد العام الدكتور «محمد بديع»، ونائبه الدكتور «محمود عزت» (القائم بالأعمال)، ونوابه فى الداخل والخارج، ومكتب الإرشاد، ومجلس الشورى العام المنتخب فى 2010م؛

-2 تؤكد «الرابطة» تمسُّكها بمنهجها الدعوى والتربوى، من دون الانحراف، أو الانجرار إلى معارك تمس مصالح الأوطان، أو تحرفها عن مهامها الأصيلة.. وتناشد «الرابطة» الإخوان فى كل مكان الالتفاف حول قيادتهم كالبُنيان المرصوص، وعدم الالتفات لكل ما يشغلهم عن هدفهم الأسمَى؛

3- تؤكد «الرابطة» على دعم الإخوان فى الداخل، والشعب المصرى بأكمله فى (موجته الثورية الجديدة) استعدادًا لـ25 يناير المقبل.. ونشد على أيديهم جميعًا ونؤكد على تمسكنا بمنهج الجماعة الثورى السلمى.. «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخوانا» [آل عمران- 103].

وقد كان لنا على هذا البيان المُضاد- أيضًا- عدة ملاحظات أخرى، منها:

(أولاً): يُمكننا- استرشادًا- أنْ نستعيد «معلومة» مُهمة، حول أنَّ «الرابطة» (الخاضعة لسيطرة فصيل القائم بأعمال المرشد)، هى إحدى مصادر «الدعم المالى» الرئيسة لأنشطة «الجماعة» فى مصر؛ إذ كانت تضخ بمفردها- فى ذلك الوقت- نحو «مليون دولار» سنويًّا فى موازنة «مكتب إرشاد القاهرة».. ويأتى الجزء الأكبر من هذا المبلغ من «الإخوان المصريين» بالمملكة العربية السعودية، ويليهم «الإخوان المصريين» بالإمارات، ثُمَّ «الكويت»، ثُمَّ «قطر»، ثُمَّ «الأردن»، وأخيرًا «اليمن»؛

(ثانيًا): أسهمت سيطرة «القائم بالأعمال» على هذا «الثقل المالى» للرابطة، فى نجاح تحركات محمود عزت العقابية للفصيل المؤيد للقيادى «محمد كمال»، وتجفيف منابع التمويل أمام تحركاته؛ إذ كان يعتمد فى تمويل أنشطة «اللجان النوعية» على اشتراكات تأتى من أفراد الصف بنحو «خمس محافظات» تقريبًا، إلى جانب تحويلات من «مكتب الأزمة» فى إسطنبول؛

(ثالثًا): أرادت «الرابطة»، بشىء من المراوغة؛ أنْ تُعيد «الجدل الإعلامى» إلى مربع «الثورية»، و«السلمية»؛ للحد من الانتقادات الموجّهة لـ«القائم بالأعمال» من قِبل بعض أفراد الصف، حول أنَّ أسلوب إدارته للجماعة، هو الذى تسبب فيما آلت إليه الأوضاع. بَيْدَ أنَّها (أىْ: الرابطة)؛ لم تُبد تراجعًا أو «مراجعة» لمضمون «مناهجها التربوية»، المؤصلة للعنف (من حيث الأصل)، ويعتمد عليها شباب «اللجان النوعية» فى الدعوة إلى المواجهة المسلحة مع الدولة؛ بل أكد «البيان» تمسُّك «الرابطة» بمنهجها «الدعوى»، و«التربوى»؛

(رابعًا): لم يختلف موقف «الرابطة» عن موقف «مكتب»، و«لجنة» الأزمة (فى الخارج، والداخل)، تُجاه «النظام المصرى» القائم، وحتمية العمل على إسقاطه، وإنْ اختلفت طريقة التعامل مع «النظام» نفسه، بين الفريقين.. ففيما رأى فصيل «محمد كمال» حمل السلاح وسيلة وحيدة؛ حاول فصيل «القائم بأعمال المرشد» العودة لطريقة «التوظيف السياسى» لبعض أطياف المعارضة فى الداخل، والتذرع بالدفاع عن «25 يناير».. ومن ثَمَّ؛ مال «البيان» إلى استخدام كلمات وعبارات من نوعية: «المنهج الوطنى»، و«مصالح الأوطان»؛

(خامسًا): مَثَّلَ دعم «الرابطة» للقائم بالأعمال؛ فرصة للإجهاز على تحركات خصومه (المدعومين من القرضاوى)؛ إذ فور صدور البيان، أصدر قراره بحل «مكتب الإخوان فى الخارج»؛ تذرعًا بتجاوزه لاختصاصاته، والعمل على «شق الصف» التنظيمى.. وقال «عزت» فى حيثيات قراره: إنَّ «استقالة مسببة»، لأكثر من نصف أعضاء مكتب الأزمة (مكتب الخارج) المنتخبين، تؤكد ذهابه «بعيدًا» عن المَهام المنوطة به؛

(سادسًا): ترتيبًا على هذا الأمر، وبِناءً على توصية مكتب «رابطة الإخوان المصريين بالخارج»؛ قرّر القائم بأعمال المرشد العام (بعد استشارة أعضاء مكتب الإرشاد، والمعنيين بالأمر، وبعد الاطلاع على المذكرة المقدمة من مكتب رابطة المصريين بالخارج) حل «مكتب إدارة الأزمة بالخارج»، وتكليف «إدارة الرابطة» بالملفات، التى كان يتولاها «مكتب إدارة الأزمة».

3 فشل مبادرات التوفيق

على خلفية قرار محمود عزت، بحل «مكتب الخارج»، توالت مبادرات التوفيق بين الطرفين. وكان أول تلك المبادرات فى 23 ديسمبر، فيما عُرف بـ «مبادرة الـ44»، وهى مُبادرة قدَّمَها 44 برلمانيًّا سابقًا من المنتمين للتنظيم (منهم، وَفقًا لوكالة الأناضول: حلمى الجزار، وأمير بسام، وعبدالموجود درديرى، وعزب مصطفى، ومحمد عماد الدين، ومحمد الفقى، ورضا فهمى، وعبدالغفار صالحين، وعادل راشد، ومصطفى محمد، وعبدالرحمن شكرى، وأيمن صادق).. ودارت «المبادرة»، حول إجراء انتخابات «داخلية» شاملة (مجلس شورى جديد- مكتب إرشاد جديد- مجلس رابطة جديد- مكتب خارج جديد). غير أنّ هذا الأمر، لم يُثن «محمود عزت» وفريقه.

وفى نهاية يناير 2016م، ظهرت مبادرة التوفيق الثانية (مبادرة الشيخ القرضاوى)؛ إذ طالب القرضاوى بانتخابات شاملة (فى الداخل، والخارج)؛ وَفقًا للائحة تنظيمية يجرى التوافق عليها، مع تأكيد الالتزام بـ«المسار الثورى».

وتضامن مع القرضاوى، كلٌ من: أحمد الريسونى (المغرب)، ومحمد الحسن الددو (موريتانيا)، وعبدالرزاق قسوم (الجزائر)، وعلى محيى الدين القره داغى (العراق)، ومحمد صالح عثمان رئيس هيئة علماء السودان (السودان)، وعبدالوهاب الديلمى (اليمن)، وعبدالمجيد النجار (تونس)، ونور الدين الخادمى (تونس)، وجلال الدين العمرى (أمير الجماعة الإسلامية فى الهند)، وسلمان الندوى (الهند)، وعبدالغفار عزيز (باكستان)، وعبدالهادى أوانج (ماليزيا)، وعمر فاروق (تركيا)، وسالم الشيخى (ليبيا)، ومحسن عبدالحميد (العراق).. كما ضمت قائمة المتضامنين: جمال بدوى (مصر)، ومروان أبوراس (فلسطين). بَيْد أنَّ هذه المبادرة- أيضًا- باءت بالفشل، ولم تُصادف موافقة من قِبَل «حرس الجماعة القديم».

وفى 3 أبريل 2016م، أعلنت جبهة «محمود عزت» تشكيل لجنة للانتخابات «التكميلية» (لا الانتخابات الشاملة)؛ للإشراف على استكمال المؤسّسات الشورية، وانتخابات المستويات الإدارية، بدءًا من شورى المحافظات، واقتراح الضوابط والإجراءات، وما اقترحه مسئولو «المكاتب الإدارية»، و«لجنة التطوير» فى هذا الشأن.. ورفع ذلك للقائم بـ«أعمال المرشد»؛ لاعتماده.. ومن ثَمَّ.. كان أنْ ردت اللجنة الإدارية العليا (لجنة الأزمة) على هذا الأمر، بنحو شهر (أىْ فى أثناء الأسبوع الأول من مايو 2016م)، بالإعلان- مرة أخرى- عن «خارطة طريق» جديدة؛ لإنهاء أزمة الجماعة الداخلية. وكان من بين ما نصت عليه تلك «الخارطة»: إجراء انتخابات «شاملة وكاملة» على المستويات كافة، من دون استثناء [بدايةً من «مكتب الشعبة»، إلى اللجنة الإدارية «مكتب الإرشاد المؤقت».. ومن «مجلس شورى الشعبة» إلى «مجلس الشورى العام»].. لتستمر- بعد ذلك- المناوشات فى «الداخل»، ومحاولات تثبيت أقدام التنظيم، مرة أخرى- بمختلف الطرق، والوسائل- فى الخارج، حتى لا يدفع «تنظيم الجماعة الدولى» (ولا سِيَّمَا فى كُلٍ من: أوروبا، وأمريكا) ثمَن صراعات التنظيم فى مصر؛ إذ كان من بين ثمرة تلك الصراعات، محاولة كل «فصيل» العمل على دعم «توجهاته» بمؤيدين من داخل العمقين: (الأوروبى، والأمريكى).

ففى البداية؛ سعى فصيل «محمد كمال» (عن طريق تأثير علاقات «الشيخ القرضاوى»، داخل العمق الأوروبى)، إلى شحن «القيادات الأوروبية» (وبخاصة اتحاد المنظمات الإسلامية فى أوروبا) تُجاه سياسات «إرشاد القاهرة» (الذى يسيطر- بالتبعية- على مكتب الإرشاد العالمى)، وتحميله مسئولية ما يتعرض له التنظيم «عالميًّا»، جرَّاءَ فشل الجماعة فى «القاهرة»، وما تبعه من تحركات «بريطانية»، و«أوروبية»، و«أمريكية»، حول علاقة الإخوان بالعنف.. فى حين سعى القائم بالأعمال (محمود عزت)؛ لتوظيف قوته داخل العمقين: «العربى»، و«الأمريكى»، فى تحجيم دعوات «الاستقلال»، وتحجيم دعوات الحد من السيطرة المصرية، على «التنظيم العالمى».

وفيما كان يدرس قيادات التنظيم فى أوروبا، فعليًّا، وجهة نظر الدائرة القريبة من «الشيخ القرضاوى»، كان يدرس قيادات التنظيم بأمريكا الأمر بشكلٍ مختلف؛ إذ يُمكننا مُلاحظة عدد من نقاط التمايز بين الطرفين، على النحو الآتى:

(أولاً): تداخلت- بامتداد سنوات خلت- العلاقة بين «إخوان أمريكا»، والعديد من الدوائر الرسمية، و«الأمنية» الأمريكية، فى سياق «سياسات عالمية» ممتدة، ومتشعبة الأهداف، وذلك، على خلاف مؤسّسات «الجماعة فى أوروبا؛ إذ كان- غالبًا- تداخُل مؤسّسات الجماعة مع الدوائر الرسمية فى أوروبا، مُنصَبًا، فى المقام الأول، على «العمل مع الجاليات». وما تجاوز نطاق «العمل مع الجاليات»، نحو «السياسات العالمية»، لم يكن بمعزل عن التنسيق مع «الولايات المتحدة» نفسها؛

(ثانيًا): كان على مؤسّسات الجماعة فى أمريكا أنْ تترقب- ابتداءً- إلى أى مدى يُمكن أنْ يُسهم «تغيير الإدارة» فى واشنطن، من ديمقراطية إلى جمهورية، على خريطة تحالفاتها «الرسمية»، وإلى أى مدى، يُمكن أنْ تنعكس صلتها بالتنظيم فى مصر، على إعاقة أنشطتها فى أمريكا، وكندا؟؛

(ثالثًا): تنعكس طبيعة العلاقة بين إخوان مصر، وإخوان أمريكا على العديد من الملفات الإقليمية، بَدءًا من «الملف الفلسطينى» (يتمركز العديد من قيادات التنظيم الفلسطينيين، فى أمريكا، وكندا)، ووصولاً إلى «برنامج الارتباط» مع واشنطن (وهو «البرنامج»، الذى لعبت من خلاله «قيادات التنظيم فى أمريكا» دورًا محوريًّا فى التقريب بين الطرفين)؛

(رابعًا): إنَّ أغلب قيادات، وكوادر التنظيم فى أمريكا- على خلاف نظيرتها فى أوروبا- كانت ترى فى توحيد صف «التنظيمات القطرية» خلف راية واحدة-  وقتئذٍ-  أمرًا يُؤَمِّن «قوة مضافة» فى مواجهة «الانتقادات العالمية» المتصاعدة، تُجاه التنظيم. ومن ثَمَّ؛ سعى العديد منهم إلى دعم «مبادرات التوفيق» بين الطرفين المصريين (د. جمال بدوى، نموذجًا).. مع الاحتفاظ بدراسة مقتضيات «الهيكلة الداخلية» للتنظيم، بحسب المستجدات السياسية، على الساحة العالمية.