الأحد 15 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الدين والملة.. وكشف أكذوبة مصطلح  «الديانة الإبراهيمية»

روضة رمضان

الدين والملة.. وكشف أكذوبة مصطلح «الديانة الإبراهيمية»

«ملَّة إبراهيم»- عليه السَّلام- ليست هى دينه أو شعائر دِينه، وقد أمر االله تعالى خاتم رُسله باتِّباع «ملَّة إبراهيم»، وأمَّا الدِّين وشعائره فليس لأحدٍ سوى االله، فلا يُنسَب لمَلاك أو لإنسان وإن كان رسولًا أو نبيًّا أو وليًا، ونوضح هنا حقيقة انتساب كلٍّ من الدِّين والملَّة، وكشف أكذوبة مصطلح الدِّيانة الإبراهيميَّة وعبثيَّة شعائرها، وبيان حتميَّة اتِّباع ملَّة إبراهيم- وهى طريقته الإيمانيَّة- لمن أراد الأمان فى اختيار دينه وفقهه:  



انتساب الدِّين وشعائره لله

ينتسب الدِّين وشعائره لله سبحانه خالصًا؛ لأنه المعبود فله وحده تقريره وبيان شعائره للناس، كما قال تعالى: «أفغير دين الله يبغون» (آل عمران: 83)، وقال تعالى: «ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا» (النصر: 2)، فيقال:

«دِين الله»، ولا يُقال: «دِين إبراهيم، أو دِين موسى، أو دِين عيسى، أو دِين محمد»- صلوات الله عليهم- إلَّا على وجه المجاز، ويكون المُراد فى حقيقة الأمر أنَّه «دِين الله الذى أنزله بالوحى على إبراهيم أو موسى أو عيسى أو محمد، صلوات الله عليهم، أو أنْ يكون المراد هو صورة التَّديُّن التى عليها «إبراهيم أو موسى أو عيسى أو محمد»، صلوات الله عليهم؛ لأنَّ كلَّ إنسان له صورة تَديُّن تختلف عن صورة تَديُّن غيره، بما يُمكن تسميته «البصمة الدِّينيَّة» لكلِّ إنسان، ومنه قوله تعالى: «قل الله أعبد مخلصًا له دينى» (الزمر: 14)، وقوله تعالى: «لكم دينكم ولى دين» (الكافرون: 6). 

ودِين الله الذى أنزله على جميع أنبيائه ورسله، حتَّى سيدنا «محمد» خاتمهم- صلوات الله عليهم- هو «الإسلام» الذى ارتضاه الله تعالى للإنسانيَّة دِينًا، ولن يقبل منهم دينًا سواه؛ كما قال تعالى: «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه» (آل عمران: 85).

واختصاص الإسلام دِينًا لله تعالى هو العدل المُطلق بين النَّاس المختلفين فى عقولهم وأرزاقهم العلميَّة والبدنيَّة والماليَّة وغيرها، ولكنَّهم متساوون فى إدراك كلِّ إنسان لداخليَّة نفسه على قدر عقله واستيعاب قلبه، ومتساوون فى رفع إثم ما يقعون فيه من خطأ أو نسيان أو إكراه أو جهل غير مقصود، ومتساوون فى العفو عن الذَّنب الدِّينى بالتَّوبة النَّصوح؛ حتَّى إن الله تعالى ليُحاجج كلَّ إنسان بنفسه ليكون شاهدًا على عدالة الله المطلقة التى تأخذ فى الحُسْبان تلك الفروقات الفرديَّة عند الناس، كما قال تعالى: «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» (الإسراء: 14). 

هكذا «دِين الله الإسلام»- فى الدُّنيا- عدل مُطلق؛ لأخذه فى الحُسْبان تلك الفروقات الفرديَّة عند النَّاس، وقيامه على استنطاق الإنسان لمكنون قلبه- فيما يعتقد، وفيما يتصرَّف- على قدر رزقه من العقل والمُكنة العلميَّة والبدنيَّة، وذلك على وجه التَّجرُّد للحق المُطلق فى داخلة نفسه، بسلامة نيَّته وبراءة سريرته فى قلبه الذى لا يعلم مكنونه غير الله تعالى، وهذه المعانى الجامعة للقدرات الفرديَّة عند كلِّ إنسان، وتوظيفها فى إخراج أحسن ما عنده اعتقادًا وسلوكًا هى ما تُعرَف فى لغة العرب وفى التَّعبير القرآنى بإسلام الإنسان وجهه لله وهو مُحسن.

وشعائر دِين الإسلام متمايزة مع اختلاف المراحل الزَّمنيَّة والمكانيَّة لأنبياء الله ورسله، ولكنَّها مُتَّفقة على تعظيم الله وتمجيده، والتَّبتُّل إليه توحيدًا وصلاة وصيامًا وزكاةً وحجًّا، وعدم الدُّعاء بسؤال الحوائج إلَّا منه سبحانه، مع الأخذ بأسباب تحصيل تلك الحوائج قدر الاستطاعة. 

وأكثر النَّاس علمًا بشكل الشَّعائر الدِّينيَّة ومكوِّناتها النُّسُكيَّة التى أوحى الله بها إلى أنبيائه ورُسُله- كلٌّ فى وقته وأرضه وناسه- هم هؤلاء الأنبياء والرُّسُل أنفسهم، ثمَّ المؤمنون الأوائل الشَّاهدون للآيات والمعجزات التى أجراها الله على يد مَنْ آمنوا به نبيًّا ورسولًا، ثمَّ توارثتها الأجيال المحافظة على تراثها فى خطوط إيمانيَّة مستقلَّة بعدد الرِّسالات السَّماوية، جيلًا بعد جيل محاكاةً ومشافهة، ثقةً من جيل الأبناء فى صدق آبائهم وذويهم، حتَّى ظهرت حضارة التَّدوين والتَّوثيق والتَّفسير والتَّأويل والمقارنات، ثمَّ حضارة الجرح والتَّعديل لمن يتصدَّى العمل فى العلوم الخادمة للدِّين؛ لتحقيق المرويَّات الدينيَّة وشروحاتها، وذلك بعد اكتشاف الاستغلال السياسى للدِّين بفئة الوضَّاعين والمغرضين. 

وعملًا بما ارتضاه الله للإنسانية دِينًا، وهو «الإسلام»- الذى يُفوِّض الإنسان إلى قلبه السَّليم- فقد أمر الله المؤمنين به أن يتعايشوا فى سلام مع تلك التَّعدُّديَّة الخالدة فى الشَّعائر الدِّينيَّة.

أكذوبة الدِّيانة الإبراهيميَّة وعبثيَّة شعائرها

بعد ثبوت انتساب الدِّين وشعائره إلى الله تعالى دون سائر الخلق، وإن كان نبيًّا أو رسولًا أو وليًّا أو دَعيًّا، وإنَّه فى حال نسبة الدِّين إلى أى إنسان أو أى جماعة بشريَّة فإن ذلك من المجاز اللغوى، أو أنْ يكون المراد من تلك النسبة هو بيان صورة التَّديُّن الذى عليه مَنْ نُسِب الدِّين إليه، وليس المراد أنَّ أحدًا سوى الله يملك أنْ يَشرع للنَّاس دِينًا، وإلَّا كان لغوًا باطلًا فى ذاته؛ لأنَّ الدِّين وشعائره لله خاصَّة. 

وبهذا تتضح أكذوبة مصطلح «الدِّيانة الإبراهيميَّة»، وعبثيَّة توحيد الشَّعائر الدِّينيَّة عند أهل الكُتُب السَّماويَّة، ولو بخدعة «الدِّيانة الإبراهيميَّة» التى سيصنعها مَن سرَّب اسمها إلى وسائل الإعلام المعاصرة فى السنوات القليلة الماضية دون أن يُفصِح عن نفسه، وجعل المُفكِّرين والمُثقَّفين يتكلمون عنها، وهم لا يعلمون ملامحها ولا مصدرها، وإن كانت أصابع الاتهام تشير إلى الصُّهيونيَّة العالميَّة التى يديرها حاليَّا النُّفوذ العسكرى الجائر. 

ويُغنى عن هذا العبث الباطل حضارة التَّعايش السِّلمى فى ظلِّ تعدُّديَّة الشَّعائر الدِّينيَّة، وقبول الآخر؛ كما قال تعالى: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» (المائدة: 48).

انتساب الملَّة إلى الأنبياء والرُّسُل

تُنسَب الملَّة إلى الأنبياء والرُّسل، فيقال: «ملَّة إبراهيم، وملَّة موسى، وملَّة عيسى، وملَّة محمد» صلوات الله عليهم، كما قال تعالى: «واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب» (يوسف: 38)، وأخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال: ذبح النبى- صلى الله عليه وسلم- يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين، فلمَّا وجَّههما- أى نحو القبلة- قال: «إنى وجَّهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض على ملَّة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين». 

كما تُنسَب الملَّة- بمعنى الطَّريقة الاستدلالية- إلى غير الأنبياء والرُّسُل من الزُّعماء الدِّينيِّين وجماعاتهم، فيقال: «ملَّة الإخوان، وملَّة السَّلفيين، وملَّة الصوفيِّين، وملَّة عبدالمطلب»، كما أخرج الشيخان عن سعيد بن المُسيَّب بن حَزَن القرشى، عن أبيه أنَّه لمَّا حضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له: «يا عَمِّ قل: «لا إله إلَّا اللهُ»، كلمة أشهد لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبدالله بنُ أبى أميَّة: يا أبا طالب أترغب عن «ملَّة عبدالمُطَّلب»؟ فلم يزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعود بتلك المقالة حتَّى قال أبو طالب آخر ما كلَّمهم هو على «ملَّة عبدالمُطَّلب».

 ولا تُنسب الملَّة إلى الله تعالى، فلا يُقال: ملَّة الله تعالى، وإنَّما يُقال: «سُنَّة الله»، أو «دِين الله»، كما قال تعالى: «سُنة الله فى الذين خلو من قبل ولن تجد لسُنة الله تبديلا» (الأحزاب: 62)، وقال تعالى: «ألا لله الدين الخالص» (الزمر: 3).

وأصل المِلَّة- فى اللغة العربية- من المَلِّ، وهو الاستمرار على الشىء، أو التكرار للشىء، من قولهم طريق مليل إذا تكرر سلوكه، ومنه المَلل والملال، والفعل من ذلك ملَّ وتملَّل وتململ، أى تَقلَّب.

ويدلُّ من القرآن الكريم على أنَّ «المِلَّة» هى الطَّريق المسلوكة، أو السُّنَّة المُتَّبعة، أو المنهج الدَّيدن المُعتاد فى الحكم على الأمور أو الشئون، ومنها التَّديُّن: عموم قوله تعالى: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم» (البقرة: 120)، وقوله تعالى: «إنى تركت ملَّة قوم لا يؤمنون بالله» (يوسف: 37)، وقوله تعالى: «إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم» (الكهف: 20). 

ويدلُّ من الأحاديث النبويَّة على أن «الملَّة» هى الطَّريق، أو السُّنَّة، أو المنهج الدَّيدن فى الحكم على الأمور: ما أخرجه الحاكم عن على بن أبى طالب، قال: قال لى رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الأمَّة ستغدُرُ بك بعدى، وأنت تعيش على مِلَّتى، وتُقْتَل على سُنَّتى».

وأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه محمد عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يتوارث أهل ملَّتين شتَّى»؛ لأن اختلاف طرائق أو مناهج التَّوريث يحول دون التَّوافق عليه، حتَّى وإن كانوا تحت اسم دِين واحد، كاختلاف فقهاء السُّنة وفقهاء الشِّيعة فى طريقة التَّوريث. 

اتِّباع ملَّة إبراهيم

تظاهرت النُّصوص القرآنية والمرويَّات الحديثيَّة على أن «اتِّباع ملَّة إبراهيم» التى هى طريقته فى الإيمان، هو اتِّباع للصراط المستقيم، وهو طريق الاهتداء إلى الدِّين القيِّم الذى لا حرج فيه لأحدٍ من النَّاس، بما يُحقِّق «العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة» للجميع، وهذه العدالة هى «دِين الإسلام» الذى وصل إليه «خليل الله إبراهيم» بملَّته أو طريقته فى الاستدلال، والتى أمر الله تعالى رسوله الخاتم- صلى الله عليه وسلم- وهو أمر يشمل كلَّ مَنْ يريد النَّجاة فى الآخرة، ويسعى أن يكون من أكرم النَّاس وأحسنهم فى الدُّنيا- أن يتَّبعها؛ فقال تعالى: «قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين» (الأنعام: 161)، وأخبرنا- سبحانه- أنه لا يَرْغَب عن تلك الملَّة الإبراهيميَّة إلَّا مَن سَفِه نفسه، يعنى جهل قدر نفسه واستخفَّ بها، ومارس الجهالة على غيره؛ فقال تعالى: «ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين» (البقرة: 130)، وقال تعالى: «وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا» (البقرة: 135)، وقال تعالى: «قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا» (آل عمران: 95)، وقال تعالى: «ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا» (النساء: 125)، وقال تعالى: «ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا» (النحل: 123).

وحتَّى تعظم «ملَّة إبراهيم» الاستدلاليَّة فى وجدان المُسلمين على الدَّوام فإنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد سنَّ الصلاة والسَّلام على «إبراهيم» معه فى تَشهُّد الصلاة المكتوبة والنَّافلة، وذلك فيما أخرجه البخارى عن كعب بن عُجْرة، قال: سألنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علَّمنا كيف نُسلِّم عليكم؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».