الإثنين 16 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حين تتحول السياسة العالمية إلى كازينو رقمى

الحرب الإيرانية تنتقل إلى منصات المراهنات

عبارة «اعرف متى تنسحب».. تحولت إلى واحدة من أشهر الحكم المتداولة بين المقامرين حول العالم.. ظهرت هذه الجملة فى الأصل عبر أغنية للمغنى الأمريكى الشهير «كينى روجرز»، لكنها لم تبق مجرد كلمات فى أغنية، بل تحولت -مع مرور الوقت- إلى قاعدة ذهبية فى عالم المراهنات. 



ما يحدث اليوم فى عالم المراهنات يبدو كأنه يتجاهل هذه الحكمة تمامًا.. فالبعض لا يكتفى بالمجازفة التقليدية على أوراق اللعب أو طاولات الكازينو، بل اندفع إلى مستوى جديد من المقامرة يتجاوز الترفيه، ليطال أكثر الملفات حساسية فى العالم: السياسة الدولية ومصائر الدول.

فاليوم تفتح دفاتر الرهان على سقوط حكومات، وتُعقد المقامرات على أعمار الحكام، بل يجرى تسعير احتمالات الحروب والانهيارات السياسية فى عالم بلغ فيه هوس المراهنة مستويات غير مسبوقة، صارت فيه الأزمات الجيوسياسية نفسها مادة للمضاربة المالية، وصارت هذه السوق الغريبة منظومة مالية كاملة تتغذى على الفوضى؛ وتتحول فيها الصراعات الدولية إلى فرص للثراء السريع.

 الرهان على استهداف المرشد الإيراني

يشكل الحدث الأخير المتعلق بإيران مثالًا بارزًا على الطريقة التى باتت تتداخل بها المراهنات السياسية مع التطورات الجيوسياسية الحساسة.

فى 28 فبراير الماضى، أعلنت السلطات الإيرانية مقتل المرشد الأعلى «على خامنئي» خلال الحرب التى شنتها «الولايات المتحدة» وإسرائيل، ما مثل تحولًا جذريًا فى التوازنات الداخلية الإيرانية، كما فتح الباب أمام تداعيات إقليمية واسعة.

غير أن التطور اللافت لم يكن فى الحدث السياسى نفسه فقط، بل فيما سبقه على منصات المراهنات العالمية. فقبل الإعلان الرسمى عن استهداف «خامنئي»، شهدت منصة (Polymarket) -وهى أكبر سوق للرهانات، والتنبؤات فى العالم- تداولات مكثفة على أسواق مرتبطة بإزاحة «خامنئي» من السلطة.. وبلغ إجمالى هذه التداولات نحو نصف مليار دولار.

وجاء أحد أبرز هذه التداولات من حساب يحمل اسم (Magamyman) الذى تمكن من تحقيق أرباح تجاوزت 553 ألف دولار من خلال رهانات دقيقة وضعها قبل ساعات قليلة من الضربة. 

فصاحب الحساب وضع مبلغًا يقارب 32 ألف دولار فى رهان يتوقع وقوع ضربة أمريكية أو إسرائيلية على إيران بحلول 28 فبراير، أو حدث يؤدى إلى إزاحة «خامنئي» من السلطة فى نفس الإطار الزمني.

الأمر اللافت أن هذا الرهان وُضع قبل الإعلان العام عن الضربة بنحو 71 دقيقة فقط، أى قبل ساعة و11 دقيقة تقريبًا من انتشار الخبر رسميًا.

كما أثار اسم الحساب نفسه تساؤلات إضافية، إذ يشير إلى شعار (Make America Great Again) المرتبط بحملة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن مصدر المعلومات التى استند إليها صاحب الحساب؛ هل كانت هناك تسريبات من مصادر عسكرية أمريكية أو إسرائيلية؟ أم أن الأمر مجرد مصادفة غير عادية؟

ما زاد من الشكوك أن الرهانات لم تكن عامة أو مبهمة، بل تضمنت خيارات محددة للغاية، مثل: توقيت القصف الأمريكى على «إيران»، أو تاريخ إزاحة المرشد الأعلى الإيراني.

تجدر الإشارة إلى أن المنصة تسمح باستخدام شبكات (VPN) لإخفاء الهويات، وهو ما يجعل التحقيق فى مثل هذه الحالات أمرًا بالغ الصعوبة. 

وفى هذا الصدد، كشفت تحليلات شركة (Bubblemaps) عن تفاصيل أكثر إثارة، إذ تبين أن 6 حسابات جديدة أُنشئت فى فبراير 2026، راهنت على الفكرة نفسها تقريبًا، أى وقوع ضربة أمريكية على «إيران» بحلول 28 فبراير 2026.

هذه الحسابات وضعت رهاناتها قبل ساعات قليلة فقط من الضربة، وتمكنت مجتمعة من تحقيق أرباح تقارب 1.2 مليون دولار. 

وعليه، أثار التوقيت الدقيق لهذه الرهانات، إلى جانب كون الحسابات جديدة ولم يظهر لها أى نشاط سابق، شبهات قوية لدى النقاد والمشرعين بشأن احتمال وجود ما يعرف بـ(التداول الداخلي)، أى استخدام معلومات سرية مصدرها جهات عسكرية أو حكومية.

 مستقبل «إيران».. سوق واسعة للمراهنات

إن الحجم الإجمالى للتداول على المنصة يعكس حجم الاهتمام الهائل بهذه الأحداث، إذ تجاوزت قيمة الرهانات المرتبطة بالصراع مع «إيران» مليار دولار، من بينها 529 مليون دولار على توقيت الهجمات، لتصبح أكبر سوق فردية فى هذا السياق، إضافة إلى 194 مليون دولار موزعة على عدة أسواق تتعلق بإزاحة «خامنئي».

المفارقة أن تدفق الأموال لم يتوقف حتى بعد وقوع الحدث.. فبعد أسبوع واحد فقط، استمر المتداولون فى ضخ ملايين الدولارات فى أسواق جديدة تتعلق بمستقبل النظام الإيرانى نفسه.. حيث شملت هذه الأسواق أسئلة عديدة، مثل: من سيصبح المرشد الأعلى الجديد، وهى سوق بلغ حجم تداولها نحو 5 إلى 6 ملايين دولار؛ إضافة إلى رهانات حول مدة إغلاق «إيران» لمضيق «هرمز»، واحتمالات دخول قوات برية أمريكية إلى الصراع، والدول التى قد ترد عليها «إيران» عسكريًا، بل حتى فرصة عودة نجل الشاه الراحل «رضا بهلوى» إلى المشهد السياسي.

يذكر أن هذه الأسواق تعتمد فى الغالب على نظام بسيط يقوم على خيارين فى الرهان، وهى (نعم أو لا)، أو على تحديد توقيت دقيق لوقوع حدث معين.. غير أن هذا النظام البسيط أثار تساؤلات خطيرة حول ما إذا كان بعض المتداولين يمتلكون معلومات سرية بالفعل، الأمر الذى قد يجعل الربح المالى حافزًا لتسريب المعلومات الحساسة، أو حتى للتدخل المباشر فى مجريات الأحداث السياسية.

 الجدل القانونى

أثار هذا الحدث ردود فعل قوية داخل «الولايات المتحدة»، خاصة فى الأوساط السياسية. فالسيناتور الديمقراطى «كريس ميرفي» ممثل ولاية «كونيتيكت» وصف ما حدث بأنه أمر مجنون أن يكون مثل هذه المراهنات قانونية؛ متهمًا أشخاصًا من دائرة «ترامب» بالاستفادة ماليًا من الحرب والموت. كما أعلن «ميرفي» أنه يخطط لتقديم تشريع فورى يهدف لمنع مثل هذه الأنشطة؛ مؤكدًا أن هذه الأسواق قد تشجع على استغلال المعلومات السرية لتحقيق مكاسب مالية.

من جانبه، قال «مايك ليفين» النائب الديمقراطى عن ولاية «كاليفورنيا» إن أسواق التنبؤ لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتربح من المعرفة المسبقة بالعمليات العسكرية؛ مؤكدًا الحاجة إلى إجابات واضحة وشفافية ورقابة صارمة.

كما صرحت «أماندا فيشر»، المسئولة السابقة فى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية لموقع (NPR) بأن الكونجرس يجب أن يتحرك لوقف الفوضى الناتجة عن الرهان على الموت والدمار؛ معتبرة أن هذه الأسواق تعزز بشكل غير مباشر فرص الرهان على الحروب أو الاغتيالات.

فى المقابل، نفى (البيت الأبيض) وجود أى صلة لأشخاص من محيط «ترامب» بهذه التداولات، غير أن ارتباطات عائلة الرئيس الأمريكى بالمنصة أثارت الكثير من الشكوك، وذلك لأن «دونالد ترامب الابن» يعمل مستشارًا لمنصة (Polymarket)، كما أن شركته الاستثمارية (1789 Capital) استثمرت ملايين الدولارات فى هذه المنصة.

ومن الجدير بالذكر –أيضًا- أن إدارة «ترامب» أوقفت تحقيقين فيدراليين كانا مفتوحين ضد منصة (Polymarket) خلال فترة إدارة سلفه «جو بايدن».

وبشكل عام، تخضع معظم منصات المراهنات والتنبؤ - من الناحية القانونية- لإشراف لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية (CFTC)، التى تعتبر هذه الرهانات نوعًا من العقود الآجلة، وليس قمارًا بالمعنى التقليدي. لكن، القوانين الأمريكية -فى الوقت نفسه- تحظر الرهان على الموت أو الحرب، لأنها قد تخلق حوافز مالية للعنف والفوضى.

إن هذا التناقض ظهر بوضوح فى رد فعل منصة (Kalshi) -وهى منصة أمريكية لأسواق التنبؤ تخضع للتنظيم الفيدرالى الكامل، وتعد أول بورصة قانونية فى «الولايات المتحدة» مخصصة لتداول عقود الأحداث.. حيث استضافت تلك المنصة –أيضًا- سوقًا متعلقًة بإزاحة «خامنئي» من السلطة، وهى السوق التى جذبت تداولات بقيمة 54 مليون دولار. 

لكن، بعد تأكيد خبر مقتله، قررت (Kalshi) تعليق التداول فى السوق، وإعادة جزء من الأموال إلى المتداولين بناءً على آخر سعر قبل الإعلان الرسمى، فى محاولة لتجنب مخالفة القوانين.

كما شدد الرئيس التنفيذى للمنصة على أن الشركة لا تعرض أسواقًا مرتبطة مباشرة بالموت، وأنه عندما تكون هناك نتائج محتملة قد تشمل الوفاة، يتم تصميم القواعد بطريقة تمنع تحقيق الربح من ذلك.

 رهانات سابقة فى سياق عالمى أوسع

إن ظاهرة المراهنة على الأحداث السياسية لا تقتصر على الحالة الإيرانية فقط، بل ظهرت أمثلة مشابهة فى سياقات أخرى حول العالم.

ففى يناير 2026، حقق تاجر مجهول أرباحًا ضخمة من رهانات دقيقة على منصة (Polymarket) قبل اعتقال الرئيس الفنزويلى «نيكولاس مادورو». 

والمثير للشك، هو إنشاء الحساب الذى نفذ هذه الرهانات فى ديسمبر 2025 أى قبل أيام قليلة من الحادث، ليراهن بنحو 32 ألف دولار على أن «مادورو» سيخرج من السلطة بحلول 31 يناير 2026.. وبعد الإعلان عن اعتقال «مادورو» مُنح صاحب الحساب أرباحًا صافية تجاوزت 400 ألف دولار، بينما تشير بعض التقارير إلى أن الأرباح ربما بلغت 410 آلاف أو حتى 436 ألف دولار.

ورغم محاولات التعقب، ظل الحساب مجهول الهوية، مستفيدًا من طبيعة العناوين المشفرة المستخدمة على المنصة. المثير للاهتمام أن رهانات الحساب كانت مرتبطة بفنزويلا فقط، وهو ما زاد من الشكوك بشأن مصدر المعلومات التى اعتمد عليها.

وأثار هذا الحادث –حينها- جدلًا واسعًا حول المخاطر المرتبطة بأسواق التنبؤ، التى تدفع الأرباح دون قيود واضحة.. ففى فبراير الماضى، أعرب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين عن مخاوفهم من أن أسواق التنبؤ قد انتهكت القواعد الأمريكية، وخلقت حوافز لإثارة الصراعات، أو الكشف عن معلومات سرية.

فى المقابل، لم ترد (Polymarket) فورًا على طلبات التعليق، لكنها دافعت عن نموذج عملها بالقول، إن أسواق التنبؤ تعتمد على ما تسميه (حكمة الجماهير) لتقديم توقعات دقيقة وغير متحيزة للأحداث.

فى النهاية، يبدو أن المراهنات انتقلت بالفعل من الملاعب وصالات الألعاب إلى قلب الجيوسياسية العالمية.. فالأحداث الدامية، مثل: الاغتيالات، والحروب، والانهيارات السياسية أصبحت أسواقًا مفتوحة للمضاربة بمليارات الدولارات، يضع فيه المتداولون رهانات دقيقة على موعد موت زعيم سياسى، أو إغلاق دخول قوات برية إلى صراع معين.

بهذا المعنى، لم تعد السياسة الدولية مجرد ساحة للصراع الدبلوماسى أو العسكرى، بل تحولت فى نظر البعض إلى ما يمكن وصفه بـ(كازينو الجيوسياسية).