محمد شميس
معركة المشاهدات الوهمية.. الشركات ترانا أغبياء
فى زمنٍ أصبحت فيه الأرقام هى اللغة الأكثر صخبًا فى صناعة الموسيقى، لم يعد النجاح يُقاس دائمًا بما يسمعه الناس، بقدر ما يُقاس بما تدّعيه البيانات الصحفية الصادرة عن الشركات الكبرى التى استقطبت أهم نجوم الغناء فى الوطن العربى للإعلان عن خدماتها. وهكذا تحولت منصة يوتيوب شئنا أم أبينا إلى ما يشبه الميزان شبه الرسمى لشعبية الأغنيات وانتشار الفنانين.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرقام من مؤشر على النجاح إلى أداة لصناعته بشكل مصطنع.
فعندما تُضخ ملايين المشاهدات الوهمية فى عمل فنى، يتشكل أمامنا نجاح يبدو حقيقيًا من الخارج، بينما هو فى الواقع نجاح صناعى لا يعكس تفاعلًا حقيقيًا ولا جمهورًا فعليًا. وهنا تبدأ أولى المشكلات: فقدان المصداقية.
لأن الشركات الكبرى التى تبنى صورتها الإعلامية على أرقام غير حقيقية تضع نفسهاعاجلًا أم آجلًا أمام سؤال بسيط وقاسٍ: هل النجاح الذى نراه حقيقيًا أم مجرد ديكور رقمي؟
بل إن السؤال الأكثر إزعاجًا هو: إذا كانت أرقام الإعلانات يمكن صناعتها بهذه السهولة، فهل الخدمات التى تروج لها هذه الشركات سواء كانت خدمات اتصالات أو خدمات بنكية وتمويلية حقيقية فعلًا، أم أنها مجرد صورة براقة أخرى مثل أرقام المشاهدات؟
الأخطر من ذلك أن هذه الأرقام المصطنعة لا تخدع الجمهور فقط، بل قد تخدع الفنان نفسه. إذ قد يظن أنه يسير فى الاتجاه الصحيح لأن الأرقام تقول ذلك، بينما التفاعل الحقيقى على الأرض قد يروى قصة مختلفة تمامًا. ومع الوقت تتحول هذه اللعبة إلى نوع من تزييف الذوق العام، حيث تدفع الأرقام الضخمة الجمهور إلى الاعتقاد بأن عملاً ما هو الأكثر نجاحًا، بينما الواقع قد يكون أبعد ما يكون عن هذه الصورة.
وفى النهاية لا تتضرر السمعة الفردية فحسب، بل تتضرر آلية المنافسة داخل الصناعة نفسها.
لدينا على سبيل المثال إعلانان كبيران بصوت «عمرو دياب» و«تامر حسنى»، والبيانات الصادرة عنهما تقول إن هاتين الأغنيتين حققتا على مختلف المنصات أكثر من أربعة مليارات استماع.
نحن هنا نتحدث عن أغنيتين فقط خلال أقل من عشرين يومًا، فكيف يمكن لهذا الرقم أن يكون قريبًا من الحقيقة أصلًا؟
خذوا مثالًا آخر: أغنية للفنانة «إليسا» تحقق أكثر من 120 مليون مشاهدة فى أقل من عشرين يومًا. وهناك إعلان غنائى بصوت «محمود العسيلى» و«بهاء سلطان» تجاوز 230 مليون مشاهدة، وآخر بصوت «محمد منير» و«أمير عيد» تجاوز 137 مليون مشاهدة.
هل يعقل كل هذا؟ أم أننا أمام سباق داخلى بين الموظفين داخل الشركات، حيث يريد كل مسئول عن حملة إعلانية أن يعود إلى مديره بصورة شاشة تُظهر عشرات الملايين من المشاهدات؟
الأمر يصبح أكثر غرابة عندما ننظر إلى تطبيقات الموسيقى مثل «أنغامى» ونقارنها بمشاهدات «يوتيوب».
فأغنية «نقصاك القعدة» تحقق على يوتيوب أكثر من 320 مليون مشاهدة، بينما لا تكاد تصل إلى مليون استماع على أنغامى وأغنية لـ»تامر حسنى» تحقق 98 مليون مشاهدة على يوتيوب، بينما لا تتجاوز نصف مليون استماع على أنغامى.
والأمر نفسه يتكرر مع إعلان «محمد منير» و«أمير عيد»، وأغنية «إليسا»، وإعلان «بهاء سلطان» و«محمود العسيلى»؛ فجميعها تحقق مئات الملايين من المشاهدات على YouTube، بينما تبقى أرقام الاستماع على أنغامى محدودة للغاية.
مع العلم أن أنغامى وغيره من التطبيقات الإلكترونية الصوتية هى الأنسب لسماع الأغانى فى السيارات والمنازل والكافيهات عكس يوتيوب الذى يعتمد على الصورة أكثر من الصوت!
كيف يمكن تفسير هذه الفجوات الهائلة؟
الحقيقة أن المسألة لا تتوقف عند الأرقام فقط. فهناك أيضًا شكاوى متكررة من كتاب وملحنين، وقيل لى هذه الشكاوى بشكل شخصى، عن التدخل الكبير للشركات فى المحتوى الإعلانى، خصوصًا فى موسم رمضان، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى إعلانات متشابهة بروح واحدة مكررة.
وعندما يصبح الجميع متشابهين، يظهر السؤال داخل الشركة: كيف نظهر أننا الأفضل؟
والإجابة السهلة تكون:
لنرفع أرقام المشاهدات على يوتيوب، خطة بصراحة فى منتهى السذاجة.
لذلك أقول للشركات الكبرى بكل احترام: احترموا عقولنا.. واحترموا عملاءكم، حتى نستطيع أن نثق فيكم، وحتى نستطيع أن نشترى منتجاتكم.
فالجمهور المصرى صدقونى أذكى بكثير من هذه اللعبة.











