السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تأمـــين الجبهة الاقتصادية

بعد الزيادة الأخيرة فى أسعار المحروقات، عاد السؤال الذى يتكرر كلما ارتفعت أسعار الوقود فى مصر.. كيف يزيد البنزين فى بلد لم يدخل الحرب أصلا؟ وأين الاحتياطات الاستراتيجية من الطاقة التى يفترض أنها تكفينا على الأقل لعدة أشهر؟



السؤال هذه المرة لم يأت من فراغ، فالمشهد الإقليمى ملتهب، وأسواق الطاقة العالمية تتحرك تحت ضغط توترات سياسية وعسكرية متصاعدة. ومع كل موجة ارتفاع فى الأسعار، يشعر المواطن بأنه يدفع فاتورة الأزمات الدولية من جيبه، حتى لو لم تكن البلد طرفا مباشرا فى الصراع.

ربما زادت التساؤلات بعد حديث وزير المالية عن وجود آليات تأمين ضد ارتفاع الأسعار فى بعض تعاقداتنا النفطية، فهناك من فهم التصريح باعتباره دليلا على أن الدولة محصنة جزئيا ضد تقلبات الأسعار العالمية، بينما ذهب آخرون إلى تفسير مختلف، معتبرين أن الحكومة ربما تستغل الأزمة لزيادة مواردها، فى الوقت الذى يتحمل فيه المواطن عبء ارتفاع الأسعار.

الاستعداد للحروب كما يعرفه خبراء الاستراتيجية لا يقتصر على الجيوش والأسلحة فقط. فهناك جبهة أخرى لا تقل أهمية، وربما تكون فى بعض الأحيان أكثر حسما «جبهة الاقتصاد».

فالدولة التى تستعد للصراعات الكبرى لا تفكر فقط فى عدد الطائرات والدبابات، بل فى قدرتها على توفير الطاقة والغذاء والموارد الأساسية إذا طال أمد الأزمة أو اتسعت دائرتها.

هنا يظهر مفهوم «التعبئة الاقتصادية». وهو ببساطة استعداد الدولة اقتصاديا لمواجهة سيناريوهات الأزمات الكبرى، من خلال إدارة الموارد بحذر، وتأمين الإمدادات الاستراتيجية، ومحاولة حماية الاقتصاد من الصدمات المفاجئة التى قد تضرب الأسواق العالمية.

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الفكرة. فخلال الحرب العالمية الثانية لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل كانت اقتصادية أيضا. وقتها أعادت الدول الكبرى تنظيم اقتصاداتها بالكامل لضمان استمرار الإنتاج وتأمين الطاقة والغذاء والمواد الخام، وهو ما اعتبره المؤرخون أحد أهم أسباب قدرتها على الاستمرار فى الحرب لسنوات طويلة.

لكن من المهم هنا أن نميز بين مفهومين مختلفين يجرى الخلط بينهما كثيرا فى النقاش العام «اقتصاد الحرب» و«التعبئة الاقتصادية».

اقتصاد الحرب يعنى أن الدولة دخلت بالفعل فى صراع عسكرى واسع، وأن الاقتصاد بدأ يتحول بشكل مباشر لخدمة المجهود الحربي. فى هذه الحالة تتغير أولويات الإنتاج، وتعاد توجيه الموارد نحو الصناعات العسكرية، وقد تفرض قيود على بعض السلع أو الاستهلاك.

أما التعبئة الاقتصادية فهى مرحلة مختلفة تماما، هى مرحلة الاستعداد، لا القتال. مرحلة تحاول فيها الدول تحصين اقتصاداتها ضد الصدمات المحتملة قبل أن تصل إليها.

لهذا يبدو من المبالغة وربما من الخطأ القول إننا دخلنا مرحلة «اقتصاد حرب». فهذه العبارة قد تستخدم أحيانا لإرباك الأسواق أو تضخيم المخاوف، بينما الواقع يشير إلى شىء مختلف.

كل المؤشرات تقول إن ما يحدث أقرب إلى محاولة للاستعداد الاقتصادى، أو ما يمكن تسميته بالتعبئة الاقتصادية، فى ظل منطقة تعيش توترات مفتوحة على احتمالات متعددة.

فالحروب الحديثة لا تبقى دائما داخل حدود الدول التى تبدأ فيها. بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية. وقد رأينا ذلك بوضوح فى السنوات الأخيرة، سواء خلال جائحة كورونا أو مع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تأثرت اقتصادات بعيدة جغرافيا عن ساحة القتال بشكل مباشر.

فى مثل هذا العالم المضطرب، تصبح القدرة على الاستعداد للأزمات جزءا من مفهوم أوسع للأمن القومي. فالدولة التى لا تستعد اقتصاديا قد تجد نفسها فجأة أمام صدمات لا تملك أدوات التعامل معها.

طبعا.. هذا لا يلغى حق المواطنين فى التساؤل، ولا يعفى أى سياسة اقتصادية من النقد والمراجعة. فالسؤال عن كيفية توزيع الأعباء بين الدولة والمجتمع يظل سؤالا مشروعا فى كل وقت.

لكن فهم السياق الأوسع يظل ضروريا أيضا. فليس كل إجراء اقتصادى يعنى أننا فى قلب الحرب، لكنه قد يكون جزءا من محاولة الاستعداد لها إذا اقتربت، أو إذا طال أمد الصراعات المشتعلة حولنا.

وفى منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتسع دوائر النار أحيانا بسرعة غير متوقعة، قد يصبح الاستعداد الاقتصادى ضرورة لا تقل أهمية عن الجاهزية العسكرية.

ربما لا يخفف هذا التفسير من أعباء زيادة الأسعار، لكنه يضع النقاش فى إطاره الحقيقي.. فالاقتصاد، مثل الجيوش، من الضرورى أن يكون مستعدا للمعارك قبل أن تبدأ.