الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بعد التصعيد العسكرى المتسارع

حرب مفتوحة أم إعادة رسم لخرائط الشرق الأوسط؟

  فى  صباح لم يكن كغيره، استيقظت منطقة الشرق الأوسط السبت الماضى، على دوى انفجارات داخل الأراضى الإيرانية من جانب إسرائيل، وانخرطت الولايات المتحدة على خط الأزمة، وفى لحظة خاطفة انفرط عقد الترقب وانقلبت خرائط السياسة إلى نار تتناثر شرارتها فى الجهات الأربع. 



لم يكن انفجار الأزمة مجرد خبر عاجل، بل كان زلزالًا جيوسياسيًا أطاح بتوازنات دقيقة، وفتح أبواب الاحتمالات على مصاريعها. 

وخلال الأيام القليلة الماضية، تسارعت وتيرة الأحداث كأنها سباق مع المجهول، قرارات تتلاحق، وبيانات تشتعل، وصواريخ ترسم فى السماء خطوطًا من نار، تعيد تعريف الردع والقوة والحدود. 

وبدا المشهد وكأن المنطقة قد دخلت قسرًا فى نفق تتقاطع داخله الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، وتختبر فيه العواصم صلابة أعصابها قبل صلابة ترساناتها.

ومع انطلاق الضربات شاركت أكثر من 100 طائرة أمريكية انطلقت من البر والبحر، وتحدثت هيئة الأركان الأمريكية عن استهداف ما يزيد على ألف هدف خلال الساعات الـ24 ساعة الأولى، فى عملية قيل إنها استندت إلى حدث نفذته القوات الإسرائيلية بدعم استخباراتى أمريكي. 

ولكن، التحول الأكثر دراماتيكية تمثل فى الإعلان عن مقتل المرشد الإيرانى على خامنئى، فى ضربة استهدفت مقر إقامته بطهران، ما فتح بابًا واسعًا من التصعيد الذى يصعب احتواؤه.

الرد الإيرانى لم يتأخر؛ إذ أطلقت «طهران»  صواريخ باتجاه إسرائيل وعدة دول خليجية تستضيف قواعد أمريكية، فى اتساعٍ جغرافى للصراع شمل كلا من «الأردن والإمارات والبحرين والكويت وقطر»، مع تقارير عن أضرار وخسائر كبيرة. 

وامتدت تداعيات الحرب إلى الاقتصاد العالمى، حيث ارتفعت أسعار النفط، والغاز، والذهب، وتعطلت حركة الطيران فى أجواء المنطقة.

ومع تبادل التهديدات والتلويح بموجات تصعيد إضافية، بدا أن الأزمة دخلت طورًا مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، من حرب محدودة بإيقاع محسوب، إلى انزلاق أوسع يعيد رسم خرائط النفوذ. 

تلك التطورات المتلاحقة بتعقيداتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، مهدت لسجال تحليلى أعمق حول دوافع الأطراف، وحسابات الردع، والأهم السيناريوهات المتوقعة على المستوى الإقليمى والدولي.

واشنطن قد تعيد حساباتها

قال السفير خالد عمارة، مساعد وزير الخارجية الأسبق –فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن إيران فى هذا الموقف تدافع عن نفسها ضد عدوان مشترك قامت به الولايات المتحدة وإسرائيل، وعليه، فمن الصعب جدا احتواء التصعيد الجارى، موضحًا أن الأوضاع الحالية أصبحت مواجهة يُطلق عليها حرب غير متكافئة، بسبب مشاركة الجانب الأمريكى، الذى يحظى بإمكانيات ضخمة جدًا، ولديه أسلحة فتاكة يسعى لاستخدامها لما لها من قدرة على إحداث تدمير هائل. 

ورأى «عمارة» أن الجانبين الأمريكى والإسرائيلى كان لديهما تصور فى البداية بأن المعركة ستتم بمباغتة الجانب الإيرانى ليتم إسقاط النظام وينتهى الأمر، وهو ما لم يحدث؛ معتبرًا أن استهداف المرشد «خامنئي»، ثم القيادات الإيرانية على مستويات مختلفة، أدى إلى حدوث لحمة داخلية أكبر فى إيران. 

وفى هذا السياق، أكد «عمارة» أن إيران اكتسبت خبرتها فى إدارة الحرب الحالية، من حرب الصيف الماضى، خاصة فيما يخص عملية إطلاق الصواريخ، وتفادى الرادارات وعمليات الاعتراض. 

واعتبر أنه كان هناك تفاؤل أمريكى إسرائيلى غير مدروس، ناتج عن غرور القوة هيأ للجانبين أن الحرب ستنتهى خلال 48 إلى 72 ساعة؛ مؤكدًا أن الحرب الحالية، والسابقة أثبتتا أن هذه أحلام غير منطقية فى دولة تمكنت أن تستوعب الضربة الأولى التى استهدفت القيادات، ثم قامت بإعادة تنظيم نفسها سريعًا وتختار قيادة مؤقتة لإيران تقود البلاد بشكل احترافي. 

وأشار إلى إغلاق مضيق «هرمز» التى وصفها بخطوة محسوبة تنعكس على العالم كله، لأنه يؤثر على إمدادات  20 % من الطاقة العالمية، وعلى الجزء الأكبر من إنتاج دول الخليج؛ مؤكدًا أن إعادة فتحه ليس بالعملية اليسيرة، خاصة فى ظل تمتع إيران بالقدرة الكافية للسيطرة على المضيق.

كما اعتبر «عمارة» أن المعركة الحالية، ذات طبيعة مختلفة عن الحرب السابقة؛ مستدلًا بالحشد العسكرى الكبير الذى قامت به الولايات المتحدة لهذه الحرب، من أجل تحقيق أهدفها، وعلى رأسها الهيمنة على الثروات الإيرانية، وتغيير النظام السياسى، مرجحًا أن تذهب واشنطن إلى أبعد من ذلك لتفكر فى عملية تقسيم «إيران» إلى دويلات أصغر. 

وأضاف أن جزءا أساسيا فى إسقاط النظام الإيرانى، هو التأكد من تدمير كل الدول التى تقع فى شرق إسرائيل، حيث تم تدمير مقدرات الجيوش الأساسية فى كل «العراق، وسوريا، ولبنان» من قبل، ولم يتبق سوى الجيش والحرس الثورى الإيرانى، وأتباعهم فى المنطقة من حزب الله والحوثيين وغيرهم. 

ورأى «عمارة» أن إسرائيل نجحت فى إقناع الولايات المتحدة –المستعدة بالفعل لخوض مواجهة لكن بأجندة مختلفة- بأن أهدافهمها متطابقة فى عملية إسقاط النظام الإيرانى، وما سيسفر -فى النهاية- عن إعطاء الفرصة لإسرائيل بالتمدد فى المنطقة، وتغيير خريطة الشرق الأوسط، وعودة الحديث عن إسرائيل الكبرى.

أما فيما يخص الموقف الأوروبى من الحرب، فأوضح أن اختلاف وجهات نظر بعض الدول الأوروبية مع واشنطن أمر لا يمكن التعويل عليه؛ موضحًا أن حلف شمال الأطلسى (ناتو) سيكون داعما للولايات المتحدة وإسرائيل فى كل الأحوال، باستثناء إسبانيا.

وفى نهاية حديثه، توقع «عمارة» أنه إذا تماسكت الجبهة الداخلية الإيرانية خلال الفترة المقبلة، واستمرت المواجهة، وعدم تحقيق الجانب الأمريكى لأهدافه من الحرب فى إسقاط النظام السياسى الإيرانى، وتغيير الخريطة الجغرافية لإيران وفقا للرؤى الموضوعة، فإن ذلك سيؤدى –من وجهة نظره- لإعادة حسابات الولايات المتحدة مرة أخرى، والنظر فى جدوى استمرار الحرب، فى ظل عدم تحقيق نتائج ملموسة، واستمرار استهداف الأصول الأمريكية فى المنطقة، وتزايد الخسائر المادية والبشرية للقوات الأمريكية، فإن كل ذلك ستكون عوامل ضاغطة على صنع القرار فى واشنطن، فى ظل رغبة الرئيس الأمريكى فى عدم إطالة مدة الحرب.

 سيناريوهات الحرب الصفرية المفتوحة

قال الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية –فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن رد إيران كان سريعًا على عدة دول فى المنطقة، ما جعل الموقف ينتقل من الردع العادى إلى الردع فوق التقليدى، من أجل كسب مسرح عمليات، وكسب إرادات عسكرية واستراتيجية، فضلًا عن تحقيق النصر الأولى، وتغيير الحقائق على الأرض. 

وأوضح أن  الولايات المتحدة وإسرائيل اعتقدا –فى بادئ الأمر- أن تحركاتهما ستنتهى سريعًا، لكنهما فوجئنا أنهما أمام بحث الإمكانيات، والإمكانيات المتبادلة.

وأشار «فهمي» إلى احتمالات تأثر خطوط النقل اللوجستى، بسبب إغلاق مضيق هرمز بانعكاسات اقتصادية، ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى تيسير قوة أولية لتأمين الملاحة فى البحر الأحمر، ومضيقى هرمز وباب المندب، معربًا عن اعتقاده فى حدوث أزمة غذاء، ونقل لوجستي.

كما أكد أن المنطقة أمام خيارات مفتوحة وسيناريوهات صفرية؛ مضيفًا أن السيناريوهات العسكرية تسبق السياسية، فى ظل عدم قدرة أحد على التنبؤ بانتهاء الأزمة سريعًا، ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات، خاصة فى الولايات المتحدة التى تواجه قيودًا عدة، وعلى رأسها انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل، وسط تباين فى الرؤى بين الأمريكيين والإسرائيليين، رغم اتفاقهما على أن الهدف هو إسقاط النظام الإيرانين، الأخير الذى لم يسقط حتى الآن، أو يستبدل؛ مؤكدًا أن ترامب لا يعرف –حتى الآن- من الذى يحكم إيران.

وعليه، شدد «فهمي» على صعوبة تسوية الأزمة الحالية لعدة أسباب، من بينها عسكرة الأزمة، واستهداف أراضى الدول التى كانت تشارك فى التسوية مثل سلطنة عمان.

ورغم إقراره بوجود العديد من السيناريوهات التى تحيط بالمواجهات الحالية، أعرب «فهمي» عن اعتقاده أن أكثر السيناريوهات ترجيحًا، هو استمرار الحرب، وتوسع المواجهات الإقليمية، مع تدخل أطراف دولية، خاصة دول حلف شمال الأطلسى (ناتو)؛ مضيفًا أن المنطقة أمام مواجهة عربية إقليمية قد تتوسع إلى دولية.

كما أضاف أن هذه الحرب قد تتسع إلى خيارات أخرى ما سيؤثر على مستقبل الشرق الأوسط، خاصة وأن كل القوات العسكرية الموجودة فى المنطقة تشير –من وجهة نظره- إلى وجود ترتيبات أمنية قادمة على أعلى مستوى، سيكون لها انعكاس كبير على أمن الإقليم؛ مشددًا على ضرورة التحسب للآثار التى قد تنتج عنها.

وتوقع أن تغير الولايات المتحدة من ديمغرافيا المنطقة، مستدلًا بما صرح به ترامب، حينما قال إن حدود إسرائيل صغيرة، ويجب أن تتسع على حساب دول جوارها، ما سيشجع إسرائيل على ضم الضفة الغربية، وغيرها، إلى جانب تعلية النزعة العسكرية الكبيرة فى الإقليم، وتشجيع الأقليات على الانفصال، مثل: الدروز، والأكراد مثلما يحدث الآن. 

وأنهى الدكتور «طارق فهمي» حديثه قائلًا: «نحن أمام وقائع تُشكل وتُغير من المنطقة بكل ما فيها.. نحن سننطلق لهذا السيناريو بعد الحرب بقليل، وليس لدينا مصلحة –كدول عربية- فى إنهاء إيران، لأنها دولة كبيرة ومهمة، وإذا سقطت أو ظلت فى حالة عدم الاستقرار، سينتج عن ذلك فراغ سوف تملأه إسرائيل، الأخيرة التى تسعى إلى تغيير ديمغرافية الإقليم، وسوف يعاد جملة إسرائيل الكبرى».