الثلاثاء 3 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عندما يتحول السؤال إلى جريمة

الإخوان والغباء الاصطناعى

حين تُختزل الحرية فى طاعة، ويتحوّل السؤال إلى جريمة، يبدأ العقل رحلة الانكماش.. هناك داخل الجماعة المغلقة، يُعاد تشكيل الفرد كما تُعاد برمجة آلة، يُفرّغ من ذاته، يُغذّى بالشعارات، ويُحصن ضد الشك حتى يصبح عقلًا مغلقًا لا يعرف سوى إعادة إنتاج نفس الأجوبة، مَهما تغيرت الأسئلة، إنها عملية صناعة عقل جماعى لا يتطور؛ بل يتباهى بجموده، ويظن أن التكرار حكمة، وأن السيطرة خلاص.



فى زمن تُعاد فيه تغليف الفتاوَى على مقاس المصالح، وتُباع الشعارات كـ«أكليشيهات» جاهزة، يصبح من المشروع أن نسأل: هل يمكن تعريف أنماط التفكير المغلق (الدينى والسياسى) بأنها «غباء اصطناعى»؟ 

بداية؛ أنا لا أقصد الإهانة؛ بل التشخيص، الإهانة لن تؤدى الغرض، وقد تمنح المُهان تعاطفًا وتعزز خطاب «المظلومية».. فإذا افترضنا جدلًا أن الغباء الاصطناعى فى أبسط تعريفاته هو تكرار نفس الإجابة مَهما تغيّرت الأسئلة، فما هو الفارق بينه كنظام مغلق لا يتعلم، ولا يشك، ولا يستطيع تطوير نفسه، وبين خطاب جماعات الإسلام السياسى؛ وبخاصة «الإخوان» التى تعد أصل جميع تيارات الإسلام السياسى.

خطاب تيارات الإسلام السياسى يحمل نفس المفردات، ونفس العدو، ونفس الحنين إلى «الخلافة»، ونفس الرعب من «الآخر»، كما يحمل نفس الحلول الجاهزة التى لا ترى الواقع إلا نسخة مشوهة ومشوشة من الماضى.

يمر كل ذلك دون مقاومة كبيرة، من خلال التلاعب بالعقول واستغلال الجهل بالدين، وإقناع المستهدف بأن هذا «السيستم المغلق» ما هو إلا ذكاء ودهاء واسع، وأن أى تخبط وتكرار نمطى ما هو إلا تمويه اتقاءً لشر «العدو». 

وعندما يتظاهر النظام المغلق بأنه يتعلم، بينما هو فى الحقيقة يُعيد إنتاج نفس الانحيازات القديمة مغلفة بلغة جديدة، فهو يحكم على أفراده بالخروج بصفة نهائية من صفات بشرية حصرية، دون غيرهم من الدواب، وهى التطور والتعلم.

الخطر من هذا الانغلاق رأيناه على أرض الواقع، فى بعض من سموا أنفسهم «المجدّدين» الذين تحدّثوا عن الديمقراطية، لكنهم لا يؤمنون بها إلا كوسيلة، وتحدّثوا عن الدولة لكنهم يرونها مجرد محطة فى طريق «التمكين».. صدّروا واجهة ناعمة، لكن النواة الصلبة لا تعرف إلا السيطرة، ولو باستخدام العنف.

 صناعة عقل الجماعة

ما يلى ليس وصفًا حرفيًا لطريقة صنع عقل الجماعة؛ بل تحليل مستلهم من ملاحظاتى الشخصية، ومن أعمال إريك فروم حول «الهروب من الحرية»، وحنّة أرندت فى تحليلها للطغيان، وبيير بورديو عند حديثه عن بنية السلطة الرمزية، بالإضافة إلى تتبع سلوك الجماعات المغلقة فى الواقع المصرى والعربى.

لدينا 5 مراحل تمثل خريطة ذهنية لفهم كيف يُعاد تشكيل الفرد داخل الجماعة المغلقة، وكيف يتحول إلى وحدة تشغيل ضمن نظام مغلق.

1 -  التهيئة: تفريغ الفرد من ذاته 

يُقال للفرد فى بداية تجنيده: «لا تثق بعقلك، العقل قد يضلّك».. وفى هذه المرحلة يُربّى على الشك فى نفسه، وعلى أن الحقيقة ليست فى داخله؛ بل فى «المرشد»، «الشيخ» و«القيادة».. وفى أدبيات جماعة الإخوان يتم تكريس مقولة «العقل تابع للنقل»، بغرض تحييد أو قتل أى تفكير نقدى.

2 - البرمجة: التكرار 

فى هذه المرحلة يتم تكرار جُمَل مختارة بعناية وتخص الجماعة وحدها للتمييز، وكعناوين رئيسية للخطوات القادمة، مثلًا: «الإسلام هو الحل».. «الجاهلية تحاصرنا».. «الطاغوت» و«الولاء والبراء».

كل جملة يتم تكرارها تفقد معناها الأصلى مع الوقت، وتتحوّل إلى «أمر تشغيل»، وعلى سبيل المثال فإن شعار «الإسلام هو الحل» الذى ظل يُستخدَم لعقود دون أى توضيح لآليات التطبيق، يترجم فى عقل أفراد الجماعة مباشرة كأمر تشغيل لا يقبل الجدل. 

3 - العزل: بناء جدار ضد الواقع 

فى مرحلة العزل يكون كل ما لا يُشبه الجماعة تهديدًا، ومثال ذلك أن فى أدبيات السلفية الجهادية يُستخدم مفهوم «الطائفة الممتنعة»، بغرض تكفير المجتمعات بأكملها.

4 - التحصين: تحريم الشك 

فى الجماعة تُعامَل الأسئلة مثل الفيروسات، والردود جاهزة دائمًا: «ارجع للشيخ».. «لا تفتن نفسك»، وفى حلقات التربية يُمنع النقاش المفتوح تمامًا، ويُتهم السائل بالضعف أو التأثر بالعلمانية.

5 -  إعادة التشغيل 

فى هذه المرحلة يقال: «فشلنا لأننا لم نلتزم كفاية».. «الناس لم تفهمنا» و«المؤامرة أكبر»... وهو ما حدث نصًا بعد سقوط حكم الإخوان فى مصر؛ حيث لم تُطرَح مراجعة حقيقية داخل الجماعة؛ بل عاد خطابها يلوم «الجهل الشعبى» و«التحالف الصليبى الصهيونى».

ولأن أى جماعة مغلقة تمتلك الحقيقة المطلقة (دوجماتية) بحاجة دائمًا إلى عدو، ليس فقط كخصم خارجى؛ بل كأداة يتشكل الفرد من خلالها داخل الجماعة، يصبح بث الشائعات وتشويه الخصوم ليس مجرد سلوك عدائى؛ بل أداة تربوية ونفسية ومعرفية، تُعيد إنتاج الجماعة وتعمل على تطويع أفرادها.

وللتوضيح؛ فإن الجماعة المغلقة عندما تصنع خصمًا أو عدوًا، لا بُدّ أن يُجسّد كل ما هو «خارجها»، وذلك حتى تتمكن من إعادة استخدامه لتثبيت هوية أفرادها، وإسقاط كل ما هو «مكبوت» داخلهم عليه؛ ليصبح «الآخر» هو المنحل والخائن أو العميل، ولو كان السياق العام داخل الجماعة مغلفًا برداء دينى، يصبح المنشق خصمًا مباشرًا ومشوَّهًا وعدوًا واضحًا بلا شك، وبالتالى يخرس الجميع وينكمشون. 

وللشائعة أدوارٌ أخرى، فهى عندما تعمل على اختزال الخصم فى «ملف التشويه»، ويمنع تمامًا مجرد ذكر أفكاره، ويُغلق باب السؤال بالضبة والمفتاح؛ فإن كل خصم هو تهديد وجودى، وتصبح كل حملة تشويه أداة لتأكيد «نقاء» الجماعة، و«شر» الآخر.

وهكذا؛ فإن الشائعة تعمل كأداة تثبيت بنية تحتية إنتاجية، وليست مجرد سلوك دفاعى، ولكن بنية تعيد تشكيل الوعى، وتعيد برمجة الأفراد على الطاعة، وتُغلق أمامهم كل أبواب النقد.

 من الفرد إلى النظام

ما سبق ليس مجرد وصف لحالة فردية؛ بل برنامج تشغيل كامل، فالجماعة لا تكتفى بتجنيد الأفراد؛ بل تعيد تشكيلهم وفق منهجية مغلقة (تهيئة، برمجة، عزل، تحصين، وإعادة تشغيل).

هذا ما يمكن تسميته بـ «الغباء الاصطناعى الجماعى»؛ لأنه يُنتج عقلًا لا يتعلم من الواقع؛ بل يُعيد إنتاج نفس النتائج، مَهما تغيّرت المعطيات.

ومن هنا نفهم لماذا فشلت الجماعة فى حكم مصر؛ لأنها لم تتعامل مع الدولة على أنها كيان مؤسّسى معقد؛ بل امتداد للجماعة التى تمتلك الحقيقة الربانية المطلقة، وبالتالى فإن «التمكين» والنجاح وعدٌ إلهى مضمون.

لكن الحقيقة أن العقل الذى تمت برمجته على الطريق الواحد، والعدو الواحد، والمصير الواحد، مع إلغاء آليات التعلم والتطور- المرونة الفكرية- عاجز عن التفكير، المرونة هنا خطر على أى جماعة مغلقة، حتمًا ستتفكك.

الجماعة لم ترَ الشعبَ إلا كجمهور دعوة مستهدف سيتم تهذيبه، ولا رأت المؤسّسات سوى أدوات طيّعة.. الجماعة حين اصطدمت بالواقع تبين أنها غير قادرة على تحديث برنامجها، ما لديها هو برمجة قادرة على إعادة التشغيل فقط، مرة تلو الأخرى، وبالتالى حدث الانهيار.

يُبنى عقل الجماعة بالتدريج، من خلال تفكيك الفرد وإعادة تركيبه لاستخدامه كأداة، والإيمان عندما يصبح برنامجًا تتم إدارته، لا يمكن للإنسان أن يرتقى؛ بل العكس هو الصحيح، يتخلف الفرد ويصبح مثل الآلة التى تنتج غباء وهو يتباهى بحكمته.

الحكمة اللازمة لأى مسئولية لا تأتى بالتكرار، ولا تسعى لـ «التمكين»، لكنها بنية فكرية بشرية وليدة التطور والتعلم والتجربة والصواب والخطأ، ويتوقف السلوك البشرى المتطور على التأمل والاعتراف بالجهل، ثم التعلم بعقل مفتوح وحواس سليمة تعمل على إمداد العقل بما يلزمة من بيانات ومعلومات ومعرفة، ليكون قادرًا على تكوين وجهة نظر فردية متماسكة.

كما تمتلك الحكمة من المرونة ما يجعلها أداة مفصلية ووجوبية فى البناء، وهى بالطبع عدو مباشر للجمود الفكرى.

وعندما يتم إحكام إغلاق العقل، والتهديد بالعقاب حال استخدامه، تصبح أستاذية العالم و«الهوس»، بديلًا مضمونًا لعقول أضناها الغباء.