د.نظير عياد مفتى الجمهورية:
رمضان شهر ضبط النفس ولا يوجد «كذب أبيض»
إعداد: صبحى مجاهد
فى شهر رمضان تفتح «روزاليوسف» صفحاتها لإثراء العقل بفهم دينى صحيح.. ونتعرّف على أمور مهمة فى الشهر الكريم.. وفى «روضة رمضان» هذا العام نقدم مادة صحفية متنوعة فى كل ما يهم القارئ.. كما نقدم جرعة رمضانية تشبع رغبة القارئ فى معرفة صحيح الدين.. تُعين الصائم على فهم كثير من أمور الصوم.
حين يتحدث فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد مفتى الجمهورية عن شهر رمضان؛ فإن الحديث لا يتوقف عند حدود الفقه وأحكامه؛ بل يتجاوزها إلى بناء الإنسان من الداخل، وصياغة روحه من جديد.
فـرمضان- كما يراه- ليس موسمًا عابرًا للصيام عن الطعام والشراب؛ بل مَدرسة متكاملة لإعادة تشكيل الأخلاق، وضبط الانفعالات، وتطهير القلوب من شوائب الغضب والهوَى.
فى هذا الحوار يفتح مفتى الجمهورية ملفات تمسّ واقع الناس اليوم؛ من حقيقة الصيام بوصفه تدريبًا عمليًا على الصبر والحِلم وكظم الغيظ، إلى قضايا السفر فى ظل وسائل النقل الحديثة، مؤكدًا أن تطور الوسائل لم يُلغِ مشقة السفر، وأن العبرة برؤية الغروب ولو كان المسافر على متن طائرة.
كما يتوقف عند جوهر رمضان باعتباره «كورسًا تدريبيًا» على العفو وضبط النفس، وشهرًا للتفكر والتدبر فى آيات الله، مشدّدًا على أن الصائم الصادق لا يسمح للغضب أن يهزمه، ولا يعرف ما يُسمى بالكذب الأبيض.
حوار يضع رمضان فى مكانه الصحيح: عبادة تُهذِّب السلوك قبل أن تُجَوِّع الجسد، وتُصلح الضمير قبل أن تُمسك المعدة.
بداية كيف نجعل من شهر رمضان فرصة للتغيير وتقوية العلاقة مع الله؟
- شهر رمضان يُعد مَدرسة إيمانية؛ تُعَلم الإنسانَ الصدقَ فى علاقته مع الله ومع نفسه ومع الآخرين، فالصيام عبادة خفية لا يطلع عليها إلا الله، مما يدفع الإنسان إلى التحلى بالصدق والخشية من الله عزّ وجلّ.
واستدل بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، مبينًا أن التقوى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصدق.
والصائم الصادق يلتزم بأخلاقيات الصيام، فيصبر على الأذى، ويضبط نفسَه عند الغضب، ويقول: «إنى امرؤ صائم»، وهذا التمرين الروحى يعزز من قوة الإنسان فى مواجهة الشهوات والمغريات.
وقيمة الصدق من أهم القيم التى يرسخها الصوم فى نفس الإنسان، وهى إحدى القيم الأخلاقية الكبرى التى حثت عليها الرسالات السماوية كافة، وجعلته سمةً لازمةً للأنبياء والمرسلين، والصدق لا يقتصر على القول فحسب؛ بل يمتد ليشمل الأفعال والنوايا، وهو الأساس الذى يبنى عليه الإنسان علاقته بالله وبنفسه وبالآخرين.
والعلماء حين يتحدثون عن صفات الأنبياء؛ فإنهم يؤكدون أن الصدق من أولى الصفات التى ينبغى أن تتوافر فيمن يتصدى للرسالة الإلهية.. مشيرًا إلى أن سيدنا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- كان معروفًا بالصدق والأمانة بين قومه حتى قبل البعثة، وشهد له أعداؤه قبل أصدقائه بأنه لا يكذب.
وما حكم الكذب بالمزاح وما يُعرَف بالكذب الأبيض؟
- الكذبُ مرفوضٌ بشكل عام، سواء كان على سبيل المزاح أو غيره.. مؤكدًا أنه لا يوجد ما يسمى بالكذب الأبيض والأسود؛ إذ إن الكذب يبقى كذبًا، إلا فى حالات استثنائية نبيلة، كالإصلاح بين المتخاصمين أو تقوية العلاقة بين الزوجين.
والحالات التى يُرخص فيها بالكذب جاءت لتحقيق غايات سامية، مثل التوفيق بين الناس؛ حيث يجوز أن يقول الشخص لطرفين متخاصمين بأن الآخر لم يذكر عنه إلا خيرًا لتقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين، وكذلك فى العلاقة الزوجية، حين يقول الزوج لزوجته كلمات طيبة تعزز الود بينهما، حتى إن لم تكن تُعَبر عن شعوره الحقيقى فى تلك اللحظة، والعكس صحيح.
كيف نتحقق بضبط النفس أثناء الصوم؟
الصيام فى أصله مَدرسة عظيمة لضبط النفس وتنمية الأخلاق.. مستشهدًا بقول النبى- صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنى صائم، إنى صائم».
وأوضح أن الصيام يساعد الإنسانَ على التحلى بمزيد من الصبر والرضا، كما يُعَلمه الْتماس الأعذار للناس.. مؤكدًا أن بعض الصائمين لا يستفيدون من صيامهم إلا بالجوع والعطش.. مستشهدًا بقول النبى- صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب».
ومن أهم مقاصد الصيام هو تهذيب النفس والتقليل من طغيانها وجبروتها، وشهر رمضان أشبه بـ«كورس تدريبى» لمدة ثلاثين يومًا على العفو وكظم الغيظ وضبط النفس، وأن مَن لم يستفد من هذه الفرصة فقد حرم نفسَه من الخير الكبير الذى أعده الله للصائمين.
وما أهمية صفة الحلم فى حياتنا؟
- خلق الحِلْم يعد من أعظم الأخلاق التى دعا إليها الإسلام وحث عليها النبى- صلى الله عليه وسلم- والواقع الذى نعيشه اليوم أفرز العديد من العلاقات السلبية بين الأفراد داخل المجتمع؛ بل حتى بين أبناء الأسرة الواحدة، نتيجة غياب ثقافة الْتماس العذر والرضا به، وهو ما يؤدى إلى تفكك العلاقات وضعف الروابط الاجتماعية.
وكثيرٌ من المشكلات التى تواجهنا اليوم يمكن حلها لو تحلى الإنسان بالحِلْم والصبر، والبعض يتحجج بالظروف والواقع المعاصر باعتبارهما عائقين أمام التحلى بهذا الخُلق، إلاّ أن التأمل فى حديث النبى- صلى الله عليه وسلم- عندما قال لرجل من أصحابه: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْم والأناة» يكشف لنا مدى أهمية الحِلْم فى تحقيق رضا الله ومحبة الناس.
والحِلْم هو أحد المفاتيح التى يصل بها الإنسان إلى رضا الله تبارك وتعالى.. مستدلّاً بقول النبى- صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الحليم». وأضاف إن القرآن الكريم وصف عبادَ الله الصالحين بالحِلْم والتسامح فى قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).. لافتًا النظر إلى أن المسلم ينبغى أن يسعى ليكون من هؤلاء الذين حازوا هذا الشرف العظيم.
والعلماء أكدوا أن المسلم ينبغى أن يلتمس لأخيه سبعين عذرًا، فإن لم يجد له عذرًا بعد البحث، فعليه أن يختلق له عذرًا حفاظًا على أواصر الأخوّة والصداقة.
وأوضح أن الأخلاق تنقسم إلى نوعين؛ أحدهما فطرى يولد به الإنسان، والآخر مكتسب يتأثر بالتربية والبيئة.. مؤكدًا أن على الأسرة والمَدرسة ودُور العبادة مسئولية كبيرة فى غرس القيم الأخلاقية كالحِلْم والتسامح فى نفوس الأفراد منذ الصغر.
إن الحِلْم والعفو والتسامح من القيم التى تؤدى إلى تحقيق التماسك المجتمعى، كما أن المحبة بين أفراد المجتمع هى أساس استقراره واستمراره، وأنه متى فقدت المحبة والتسامح؛ حلت الفرقة والنزاعات.. مشددًا على أن رمضان فرصة عظيمة لاكتساب هذه القيم وتطبيقها فى حياتنا اليومية.
ما حكم صيام المسافر فى ظل تطور وسائل النقل الحديثة؟
- الرخصة فى الفطر أثناء السفر ثابتة بنص القرآن الكريم؛ حيث قال الله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).. مشيرًا إلى أن مفهوم السفر فى الشريعة مرتبط بالمسافة التى حددها الفقهاء، والتى تقدر بنحو 80 كيلومترًا، فمن تجاوز هذه المسافة جاز له الفطر.
ومع ذلك الأفضل للصائم أن يتم صيامه إن لم يكن فيه مشقة، استنادًا لقوله تعالى: (وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقول النبى- صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ».
ووسائل النقل الحديثة، رغم توفيرها الراحة للمسافرين؛ فإن السفر قد يظل مشقة بالنسبة للبعض؛ خصوصًا فى الرحلات الطويلة التى قد تستغرق 18 إلى 20 ساعة، مما قد يتسبب فى إرهاق الصائم.
وبالتالى؛ فإن الأخذ بالرخصة جائز، ومن أراد الصيام فله ذلك، مع التأكيد على أن الأحكام الشرعية تراعى الظروف الشخصية.
وما توقيت الإفطار فى الطائرة؟
المسافر يصوم وفق توقيت البلد الذى خرج منه، لكنه يفطر بناءً على رؤيته لغروب الشمس، فإذا شاهد المسافر الشمس قد غربت أثناء الرحلة جاز له الإفطار، أمّا إن استمرت الشمس ظاهرة لفترة طويلة أكثر من 18 ساعة فيجوز له الفطر وفق عدد ساعات صيام أهل مكة المكرمة.
وما حكم من يداوم على السفر فى رمضان بحكم عمله؟
- هؤلاء لهم رخصة الفطر، لكن الصيام فى هذه الحالة أولى إن لم يكن هناك مشقة.. مشيرًا إلى أن العلماء ناقشوا أيضًا مسألة السفر فى طاعة أو معصية، وتأثير ذلك على جواز الفطر.
والأحكام الفقهية ينبغى أن تُفهَم فى سياقها الصحيح.. مشددًا على أهمية الاجتهاد فى الفتوى بما يراعى تغيّر الأحوال والأزمان، بشرط أن يصدر عن أهل الاختصاص.. لافتًا الانتباه إلى أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.
يعجز البعض عن الصوم لكنه لا يستطيع إخراج الفدية، فهل تسقط فدية الصيام عمَّن يعجز عنها؟
- من تلزمه النفقة هو المسئول عن إخراج الفدية لمَن يعولهم، مثل الأب تجاه أبنائه وزوجته، أمّا من يملك ذمَّة مالية مستقلة؛ فعليه إخراج الفدية بنفسه، ويجب توضيح أن الإسلام دين يُسر ورحمة، وأنه لا يكلف الإنسان فوق طاقته؛ حيث يقول تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، والمريض العاجز عن الصيام، الذى لا يُرجى شفاؤه، وليس لديه القدرة على دفع الفدية، يُرفع عنه الحرج، وليس عليه إثم.
ونشير إلى قصة الرجل الذى جاء إلى النبى- صلى الله عليه وسلم- يشتكى أنه أتى أهله فى نهار رمضان، فأمره النبى بالكفارة، لكنه لم يكن قادرًا عليها، فأعطاه النبى- صلى الله عليه وسلم- صاعًا من تمر ليتصدق به، فلما أخبره الرجل أنه أفقر أهل المدينة، سمح له النبى بأخذه.. وهذه القصة تدل على سعة رحمة الإسلام وتيسيره على المسلمين.
شهر رمضان هو شهر القرآن، فما آداب التعامل مع كتاب الله تعالى؟
- القرآن الكريم ليس مجرد كتاب يُتلى فى المناسبات والأفراح والمآتم؛ بل هو منهج حياة شامل، وروح تُبعَث فى القلوب، وهداية تضىء دروب الإنسان فى كل خطوة من خطوات حياته.
كما أن شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن، شهر التفكر والتدبر فى آيات الله.. مشيرًا إلى أن القرآن الكريم ليس مجرد نصوص محفوظة؛ بل هو رسالة حياة تنير القلوب وتوجهها نحو الطمأنينة والسَّكينة. وأضاف قائلاً: «لنلاحظ قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) فكأن القرآن هو الحياة الحقيقية، فمن اتصل به شعر بالنور فى قلبه، ومن ابتعد عنه عانى من القلق والاضطراب».
والقرآن الكريم ليس للعبادة فقط؛ بل هو هداية شاملة تمتد إلى الأخلاق والمعاملات والعلاقات الدولية وكافة مناحى الحياة.. مستشهدًا بقوله تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِيَ أَقْوَمُ)، وكثير من الناس يعانون من الضيق والاكتئاب ويبحثون عن العلاج فى أماكن متعددة، والواقع أن العلاج الحقيقى موجود فى القرآن الكريم؛ إذ يقول الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ).
ولا بُدَّ من التدبر فى آيات القرآن وعدم الاكتفاء بمجرد التلاوة، وتدبُّر القرآن يعنى أن يسأل الإنسان نفسَه: ماذا يريد الله تبارك وتعالى منا فى هذه الآية؟ وكيف يمكن توظيفها فى حياتنا؟ وكيف نعيش معانى الرحمة والصبر والتقوى التى يدعونا إليها القرآن الكريم؟
كما لا بُدَّ من تحويل آيات القرآن إلى أفعال عملية وواقع تطبيقى فى الحياة اليومية، فالنبى- صلى الله عليه وسلم- كان خُلقه القرآن، كما ورد فى حديث السيدة عائشة- رضى الله عنها- عندما قالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»، مما يوضح أن القرآن ليس مجرد نظرية بل دستور عملى ينبغى اتباعه.
والعاقل هو مَن يجعل القرآن منهجًا لحياته ويحرص على تدبره بدلاً من القراءة السريعة دون تفكُّر.. مستشهدًا بقول الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، وأود التأكيد على أهمية ربط الأبناء بالقرآن الكريم منذ الصغر؛ ليصبح جزءًا رئيسيًّا من حياتهم؛ مما يسهم فى تنشئة جيل يحمل فى قلبه نور القرآن وروحه.
وعلى الجميع استثمار أوقاتهم فى قراءة القرآن وتدبره.. موضحًا أن ذلك من أعظم أبواب الرضوان وحُسن الإيمان.
إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها
أعلن الأزهر الشريف أنه سيتم إنشاء «كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها» للبنين وأخرى للبنات بمقر جامعة الأزهر بمدينة نصر بالقاهرة، وذلك بناءً على موافقة المجلس الأعلى للأزهر على إنشاء الكليتين، على أن تبدأ الدراسة بهما اعتبارًا من العام الدراسى الجامعى القادم.
جاء ذلك عقب موافقة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي- بناء على تزكية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف -على إنشاء «كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها» للبنين وأخرى للبنات بمقر جامعة الأزهر، وذلك دعمًا لفكر الأزهر الشريف ومنهجه الوسطى، وامتدادًا لفلسفة الأزهر الشريف فى مشروع دولة التلاوة والتى نَمَت وترعرعت على يد طلاب الأزهر الشريف وعلماء القراءات المتخصصين من أبنائه فى هذا الفن.







