نبيل عمر
شاه إيران فى المنفى والرهان الخاسر على الضربة الأمريكية!
يبدو أن رضا بهلوى- شاه إيران فى المنفى كما يلقبه أنصاره ومؤيدوه- لم يقرأ التاريخ ويجهل ما الذى يحكم به على من يطالب بتدخل أجنبى فى بلاده عسكريا، ليأتى به إلى السلطة، ولهذا فعلها ببساطة كأنه يطلب من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قرضا أو بناء ناطحة سحاب فى طهران أو إقامة منتجع سياحى على بحر قزوين أو الخليج العربى!
وقال فى حوار مع قناة فوكس نيوز: آمل أن يدرك الرئيس ترامب إلى أى حد يمكن التدخل العاجل أن ينقذ أرواحا ويساعدنا فى وضع حد لهذا النظام غير المرغوب فيه!
يخيل لمن يسمع هذه العبارات أن شاه إيران فى المنفى يمثل «بنيامين نيتانياهو» رئيس وزراء إسرائيل الذى يستميت بكل ما يملك من عناصر الضغط الصهيونى فى واشنطن، لكى يورط الولايات المتحدة فى ضرب إيران عسكريا!
يتصور رضا بهلوى أن الضربة العسكرية الأمريكية «مجرد عملية جراحية بالليزر» ستسقط النظام وتفتح الطريق أمامه ليعود إلى السلطة، لا دماء لا ضحايا بالآلاف من الإيرانيين، لا خسائر فى البنية التحتية ولا تدمير لثروات الشعب الإيراني! كما لو أن الصواريخ البالستية والقذائف الموجهة والقنابل العنقودية التى ستطلقها أمريكا على إيران ذات طبيعة خاصة غير قاتلة وغير مدمرة! وأن أقوى دولة عسكرية فى العالم ستفجرها فى الفضاء الخارجى من باب الترهيب كأنها تحتفل بعيد الاستقلال الأمريكى، فيسقط نظام الملالى من فرط الفزع!
وإذا حدث وتعرضت إيران لتدخل عسكرى أمريكى بهذه الكيفية التى تحرض عليها إسرائيل والصقور فى الإدارة الأمريكية ورضا بهلوى نجل شاه إيران المعزول فى عام 1979، فإن الضربة العسكرية ستستهدف على الأرجح الحرس الثورى والمنشآت النووية ومراكز القيادة الأمنية، وقطعا ستضعف النظام، لكنها ستترك فراغا خطيرا، مؤسسات الدولة ستتفكك، البنية التحتية ستتضرر بشدة، والاقتصاد الذى يعانى من العقوبات أصلا سيواجه انهيارا كاملا، فى مثل هذا الفراغ ستصعد ميليشيات محلية وجماعات مسلحة بعضها مدعوم خارجيا لتملأ الفراغ، ويدفع المجتمع الإيرانى الثمن الأكبر: دماء وتهجير وانقسام داخلى!
هنا التاريخ لن يرحم الشاه المنفى وعائلته، فالتدخل الأجنبى ضد نظام وطنى مهما كان قمعيا، ينتح دوما فوضى لا تنتهى، لأن الدولة نفسها تسقط قبل أن يسقط النظام، ولا يمكن أن تأتى شرعية حقيقية على أجنحة طائرات إف 35 وتحت حماية القبعات المكتوب عليها «صنع فى أمريكا»، وإذا أتت فهى شرعية مشوهة مشبوهة باعت الوطن ودمرته مقابل الجلوس على كرسى حكم مهترئ!
والسؤال: ما الذى جعل بهلوى يطفو على سطح المشهد الآن؟
يبدو أن الدعم الذى يحظى به من الجاليات الإيرانية فى الخارج هو السبب ويفسر جرأته فى الدعوة إلى تدخل عسكرى أمريكى.
وفعلا خرجت الجاليات الإيرانية فى أكثر من 30 دولة و73 مدينة فى مظاهرات ضخمة للتضامن مع الاحتجاجات الشعبية داخل إيران التى اشتعلت قبل عام، وقد تجمع فى فبراير الجارى ما يقرب من 250 ألف شخص فى مدينة ميونيخ الألمانية، متظاهرين ضد الحكومة الإيرانية، كما خرجت مظاهرة من 350 ألف شخص فى تورنتو بكندا، وتظاهر كذلك عشرات الآلاف فى لوس أنجلوس على الساحل الغربى الأمريكى، وقيل إن هذه المظاهرات اندفعت إلى الشوارع استجابة مباشرة لدعوة من رضا بهلوى، وأن أعدادا من المتظاهرين رفعوا أعلام «الأسد والشمس» المرتبطة بحقبة الشاه، ورددوا هتافات مثل «رضا بهلوى ملكنا»، وفى الوقت نفسه تواصلت تجمعات إيرانية مع حكومات غربية تحثها على الاعتراف به كقائد لمرحلة انتقال ديمقراطى فى إيران!
هذا الدعم منح بهلوى قدرا هائلا من الثقة، وإحساسا بالشعبية عند إيرانى المهجر، مع أن هتافات هذه المظاهرات لم تقترب من دعوة أمريكا إلى التدخل العسكرى فى بلادهم، ربما حدث من مجموعات ملكية صغيرة على صلة مباشرة بالشاه المنفى، فالإيرانيون أصحاب حضارة قديمة ويعلمون ما حدث فى دول المنطقة، التى نادى بعض أبنائها بتدخل أجنبى فيها، مثل العراق وليبيا!
فى العراق ضغطت المعارضة فى المنفى على واشنطن للتدخل العسكرى، وبالفعل سقط صدام، لكن البلاد خسرت جيشها، وغرقت فى دوامة عنف طائفى، ورجعت إلى الخلف عشرات السنوات، بعدما فقدت أغلب ما أحدثته من نهضة وانجازات بعد استقلال العراق واكتشاف النفط فيه!
وليبيا تفككت على يد التدخل العسكرى لحلف الناتو، فانتشرت المليشيات وتحولت البلاد إلى ساحة حرب أهلية.
لا يرى رضا بهلوى هذه الحقائق، هو فقط يريد استثمار اللحظة التاريخية، أزمة اقتصادية خانقة، احتجاجات واسعة، وضغط دولى متزايد على النظام الحالى، فى مثل هذه اللحظة يصبح الدعم الخارجى أداة لإعادة تقديم نفسه خيارا بديلا، حتى لو كان هشا، لأنه يعتمد على أصوات المنفى أكثر مما يعتمد على أصوات الداخل، فالدعم الخارجى لا يعكس المزاج الشعبى الغاضب داخل إيران، فمظاهرات الداخل لا ترفع صور رضا بهلوى ولا تذكر اسمه ولا ترى فى عودة الملكية حلا لأزماتها، ولا تحبذ أصلا العودة إلى شخصيات الماضى وتركز فقط على الحرية والعدالة الاجتماعية والإصلاحات السياسية.. أى أن رضا يستمد وجوده من المنفى والجاليات التى تمتلك قدرات تنظيمية وإعلامية كبيرة، أكثر مما يستمدها من الداخل، والداخل الإيرانى هو الذى سوف يحدد مستقبل الدولة، ولن يستطيع رضا بهلوى أن يحول نفسه إلى مشروع سياسى حقيقى إلا بربطه بحركة داخلية منظمة وقوية وفق مشروع معلن ينال توافقا شعبيا.
وإذا تحدثنا عن الدول العربية وموقفها من دعوة رضا بهلوى، لا يوجد ما يشير إلى دعمه أو تأييده من أى دولة عربية، فتاريخ الشهنشاهية مع الدول العربية خليط من الصداقة الهشة والتربص ومحاولات السيطرة، وتتسم المواقف العربية عموما من فكرة الضربة العسكرية الأمريكية بالحذر الشديد، وتفضل مواجهة النفوذ الإقليمى لطهران عبر التحالفات الأمنية والسياسية، دون الإنخراط فى دعم شخصيات معارضة فى المنفى.
ويعد الموقف المصرى هو الأكثر وضوحا فى رفض أى تدخل عسكرى، وقد عبرت القاهرة مرارا عن قلقها البالغ من التصعيد، وأكدت أن الحل يجب أن يكون سياسيا ودبلوماسيا، لا عبر القصف وإسقاط النظام بالقوة، وموقفها لا يعكس فقط التحسن النسبى والتقارب مع إيران فى السنوات الأخيرة، ولكن لأنها ترى أن أى حرب سوف تجر المنطقة كلها إلى حالة من عدم الاستقرار، وينسف التوازن الإقليمى الهش الذى يوفر قدرا من الهدوء النسبى.
أما دول الخليج ، فهى لا تؤيد فكرة إسقاط النظام عبر تدخل عسكرى مباشر، بالرغم من خلافها العميق مع طهران، فأى ضربة أمريكية قد تؤدى إلى رد فعل إيرانى مباشر على منشآت النفط والغاز ومحطات تحلية المياه أو حتى على المدن الكبرى، فهذه الدولة تستضيف قواعد أمريكية، وقد تعتبرها إيران جزءا من خط النار، ولذلك تميل دول الخليج إلى إيران الضعيفة المقيدة، لا المنهارة بالكامل، لأن الانهيار قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية قد يصعب السيطرة عليها.
وتقريبا هو نفس موقف الدول العربية فى شمال إفريقيا بتفاصيل مختلفة، صحيح أن المغرب يصطف مع الغرب، ويصنف إيران خصما استراتيجيا بسبب دعمها لجبهة البوليساريو، ولا يمانع فى الضغط عليها ، لكن لا يذهب إلى حد تأييد التدخل العسكرى المباشر، أما الجزائر فهى ترفض كليا أى فكرة لإسقاط النظام بالقوة.
باختصار دعوة رضا بهلوى ليست إلا تكرارا لرهان خاسر كما أثبت التاريخ.







