الأحد 1 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
‏شاه إيران فى المنفى والرهان الخاسر على الضربة الأمريكية!

‏شاه إيران فى المنفى والرهان الخاسر على الضربة الأمريكية!

‏يبدو أن رضا بهلوى- شاه إيران فى المنفى كما يلقبه أنصاره ومؤيدوه- لم يقرأ التاريخ ‏ويجهل ما الذى يحكم به على من يطالب بتدخل أجنبى فى بلاده عسكريا، ليأتى به إلى ‏السلطة، ولهذا فعلها ببساطة كأنه يطلب من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قرضا أو بناء ‏ناطحة سحاب فى طهران أو إقامة منتجع سياحى على بحر قزوين أو الخليج العربى!‏



 

وقال فى حوار مع قناة فوكس نيوز: آمل أن يدرك الرئيس ترامب إلى أى حد يمكن التدخل ‏العاجل أن ينقذ أرواحا ويساعدنا فى وضع حد لهذا النظام غير المرغوب فيه!‏

‏يخيل لمن يسمع هذه العبارات أن شاه إيران فى المنفى يمثل «بنيامين نيتانياهو» رئيس وزراء ‏إسرائيل الذى يستميت بكل ما يملك من عناصر الضغط الصهيونى فى واشنطن، لكى يورط ‏الولايات المتحدة فى ضرب إيران عسكريا!‏

يتصور رضا بهلوى أن الضربة العسكرية الأمريكية «مجرد عملية جراحية بالليزر» ستسقط ‏النظام وتفتح الطريق أمامه ليعود إلى السلطة، لا دماء لا ضحايا بالآلاف من الإيرانيين، لا ‏خسائر فى البنية التحتية ولا تدمير لثروات الشعب الإيراني! كما لو أن الصواريخ البالستية ‏والقذائف الموجهة والقنابل العنقودية التى ستطلقها أمريكا على إيران ذات طبيعة خاصة غير ‏قاتلة وغير مدمرة! وأن أقوى دولة عسكرية فى العالم ستفجرها فى الفضاء الخارجى من ‏باب الترهيب كأنها تحتفل بعيد الاستقلال الأمريكى، فيسقط نظام الملالى من فرط الفزع!‏

وإذا حدث وتعرضت إيران لتدخل عسكرى أمريكى بهذه الكيفية التى تحرض عليها إسرائيل ‏والصقور فى الإدارة الأمريكية ورضا بهلوى نجل شاه إيران المعزول فى عام 1979، فإن ‏الضربة العسكرية ستستهدف على الأرجح الحرس الثورى والمنشآت النووية ومراكز القيادة ‏الأمنية، وقطعا ستضعف النظام، لكنها ستترك فراغا خطيرا، مؤسسات الدولة ستتفكك، البنية ‏التحتية ستتضرر بشدة، والاقتصاد الذى يعانى من العقوبات أصلا سيواجه انهيارا كاملا، فى ‏مثل هذا الفراغ ستصعد ميليشيات محلية وجماعات مسلحة بعضها مدعوم خارجيا لتملأ ‏الفراغ، ويدفع المجتمع الإيرانى الثمن الأكبر: دماء وتهجير وانقسام داخلى!‏

‏هنا التاريخ لن يرحم الشاه المنفى وعائلته، فالتدخل الأجنبى ضد نظام وطنى مهما كان ‏قمعيا، ينتح دوما فوضى لا تنتهى، لأن الدولة نفسها تسقط قبل أن يسقط النظام، ولا يمكن أن ‏تأتى شرعية حقيقية على أجنحة طائرات إف 35 وتحت حماية القبعات المكتوب عليها «صنع ‏فى أمريكا»، وإذا أتت فهى شرعية مشوهة مشبوهة باعت الوطن ودمرته مقابل الجلوس على ‏كرسى حكم مهترئ!‏

والسؤال: ما الذى جعل بهلوى يطفو على سطح المشهد الآن؟

يبدو أن الدعم الذى يحظى به من الجاليات الإيرانية فى الخارج هو السبب ويفسر جرأته فى ‏الدعوة إلى تدخل عسكرى أمريكى.

وفعلا خرجت الجاليات الإيرانية فى أكثر من 30 دولة و73 مدينة فى مظاهرات ضخمة ‏للتضامن مع الاحتجاجات الشعبية داخل إيران التى اشتعلت قبل عام، وقد تجمع فى فبراير ‏الجارى ما يقرب من 250 ألف شخص فى مدينة ميونيخ الألمانية، متظاهرين ضد الحكومة ‏الإيرانية، كما خرجت مظاهرة من 350 ألف شخص فى تورنتو بكندا، وتظاهر كذلك ‏عشرات الآلاف فى لوس أنجلوس على الساحل الغربى الأمريكى، وقيل إن هذه المظاهرات ‏اندفعت إلى الشوارع استجابة مباشرة لدعوة من رضا بهلوى، وأن أعدادا من المتظاهرين ‏رفعوا أعلام «الأسد والشمس» المرتبطة بحقبة الشاه، ورددوا هتافات مثل «رضا بهلوى ‏ملكنا»، وفى الوقت نفسه تواصلت تجمعات إيرانية مع حكومات غربية تحثها على الاعتراف ‏به كقائد لمرحلة انتقال ديمقراطى فى إيران!‏

هذا الدعم منح بهلوى قدرا هائلا من الثقة، وإحساسا بالشعبية عند إيرانى المهجر، مع أن ‏هتافات هذه المظاهرات لم تقترب من دعوة أمريكا إلى التدخل العسكرى فى بلادهم، ربما ‏حدث من مجموعات ملكية صغيرة على صلة مباشرة بالشاه المنفى، فالإيرانيون أصحاب ‏حضارة قديمة ويعلمون ما حدث فى دول المنطقة، التى نادى بعض أبنائها بتدخل أجنبى فيها، ‏مثل العراق وليبيا!‏

فى العراق ضغطت المعارضة فى المنفى على واشنطن للتدخل العسكرى، وبالفعل سقط ‏صدام، لكن البلاد خسرت جيشها، وغرقت فى دوامة عنف طائفى، ورجعت إلى الخلف ‏عشرات السنوات، بعدما فقدت أغلب ما أحدثته من نهضة وانجازات بعد استقلال العراق ‏واكتشاف النفط فيه!‏

وليبيا تفككت على يد التدخل العسكرى لحلف الناتو، فانتشرت المليشيات وتحولت البلاد إلى ‏ساحة حرب أهلية.‏

لا يرى رضا بهلوى هذه الحقائق، هو فقط يريد استثمار اللحظة التاريخية، أزمة اقتصادية ‏خانقة، احتجاجات واسعة، وضغط دولى متزايد على النظام الحالى، فى مثل هذه اللحظة ‏يصبح الدعم الخارجى أداة لإعادة تقديم نفسه خيارا بديلا، حتى لو كان هشا، لأنه يعتمد على ‏أصوات المنفى أكثر مما يعتمد على أصوات الداخل، فالدعم الخارجى لا يعكس المزاج ‏الشعبى الغاضب داخل إيران، فمظاهرات الداخل لا ترفع صور رضا بهلوى ولا تذكر اسمه ‏ولا ترى فى عودة الملكية حلا لأزماتها، ولا تحبذ أصلا العودة إلى شخصيات الماضى ‏وتركز فقط على الحرية والعدالة الاجتماعية والإصلاحات السياسية.. أى أن رضا يستمد ‏وجوده من المنفى والجاليات التى تمتلك قدرات تنظيمية وإعلامية كبيرة، أكثر مما يستمدها ‏من الداخل، والداخل الإيرانى هو الذى سوف يحدد مستقبل الدولة، ولن يستطيع رضا بهلوى ‏أن يحول نفسه إلى مشروع سياسى حقيقى إلا بربطه بحركة داخلية منظمة وقوية وفق ‏مشروع معلن ينال توافقا شعبيا.‏

وإذا تحدثنا عن الدول العربية وموقفها من دعوة رضا بهلوى، لا يوجد ما يشير إلى دعمه أو ‏تأييده من أى دولة عربية، فتاريخ الشهنشاهية مع الدول العربية خليط من الصداقة الهشة ‏والتربص ومحاولات السيطرة، وتتسم المواقف العربية عموما من فكرة الضربة العسكرية ‏الأمريكية بالحذر الشديد، وتفضل مواجهة النفوذ الإقليمى لطهران عبر التحالفات الأمنية ‏والسياسية، دون الإنخراط فى دعم شخصيات معارضة فى المنفى.‏

ويعد الموقف المصرى هو الأكثر وضوحا فى رفض أى تدخل عسكرى، وقد عبرت القاهرة ‏مرارا عن قلقها البالغ من التصعيد، وأكدت أن الحل يجب أن يكون سياسيا ودبلوماسيا، لا ‏عبر القصف وإسقاط النظام بالقوة، وموقفها لا يعكس فقط التحسن النسبى والتقارب مع إيران ‏فى السنوات الأخيرة، ولكن لأنها ترى أن أى حرب سوف تجر المنطقة كلها إلى حالة من ‏عدم الاستقرار، وينسف التوازن الإقليمى الهش الذى يوفر قدرا من الهدوء النسبى.‏

أما دول الخليج ، فهى لا تؤيد فكرة إسقاط النظام عبر تدخل عسكرى مباشر، بالرغم من ‏خلافها العميق مع طهران، فأى ضربة أمريكية قد تؤدى إلى رد فعل إيرانى مباشر على ‏منشآت النفط والغاز ومحطات تحلية المياه أو حتى على المدن الكبرى، فهذه الدولة تستضيف ‏قواعد أمريكية، وقد تعتبرها إيران جزءا من خط النار، ولذلك تميل دول الخليج إلى إيران ‏الضعيفة المقيدة، لا المنهارة بالكامل، لأن الانهيار قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية قد ‏يصعب السيطرة عليها.‏

وتقريبا هو نفس موقف الدول العربية فى شمال إفريقيا بتفاصيل مختلفة، صحيح أن المغرب ‏يصطف مع الغرب، ويصنف إيران خصما استراتيجيا بسبب دعمها لجبهة البوليساريو، ولا ‏يمانع فى الضغط عليها ، لكن لا يذهب إلى حد تأييد التدخل العسكرى المباشر، أما الجزائر ‏فهى ترفض كليا أى فكرة لإسقاط النظام بالقوة.‏

باختصار دعوة رضا بهلوى ليست إلا تكرارا لرهان خاسر كما أثبت التاريخ.‏