الأحد 1 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من ضجيج أسواق الشوارع فى كوالالمبور إلى طقوس موكب دوجديران فى جاوة

رمضان بنكهة آسيوية

يأتى رمضان فى دول جنوب وشرق آسيا بروح قد تختلف فى تفاصيلها لكنها تتشابه فى جوهرها من القاهرة إلى كراتشى ومن كوالالمبور إلى جاكرتا.. فكما هو الحال فى مصر، يتميز رمضان فى تلك الدول ليس فقط بروحانياته كونه شهر عبادة وتعبُّد؛ بل يمتد ليشكل مظاهر الحياة اليومية من أسواق إلى احتفالات وطقوس خاصة.. وتشهد دول الجنوب والشرق من آسيا أجواءً استثنائية هذا العام؛ إذ يتزامن حلول شهر رمضان المبارك مع بداية رأس السنة الصينية عام الحصان مما يضفى على المشهد طابعًا فريدًا يجمع بين الروحانية والاحتفال الشعبى ويجعل المدن أكثر حيوية وتعددية.. وهذا التقارب المبهج سيستمر خلال السنوات القادمة وبخاصة من عام 2029 إلى عام 2031 عندما يحتفل المسلمون وغيرهم بـ«جونج شى رايا» وهو احتفال خاص جدًا يجمع بين عيد الفطر ورأس السنة الصينية ويتكرر مرة كل 33 عامًا فتتقاطع طقوس الصيام مع أجواء الاحتفال، فى مشهد ثقافى فريد.



فقد تزينت الشوارع والمراكز التجارية فى ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة والفلبين ومعظم دول شرق آسيا بزينة احتفالية متقنة تجمع بين الفوانيس الرمضانية التقليدية والرموز الصينية المبهجة مثل التنين والخيول فى مشهد يعكس الهوية متعددة الثقافات لكل بلد.. كما حرصت مراكز التسوق الكبرى على استقطاب الزوار عبر عروض فنية وديكورات بصرية مبهرة بينما قامت أسواق الطعام بإعداد قوائم مبتكرة تمزج بين المأكولات الصينية التقليدية مثل دامبلينجز ونودلز والأطباق الرمضانية الآسيوية الشهيرة لتلبية أذواق كلا المجتمعَين وأيضًا إقامة فعاليات موسيقية ورقصات تنين ملونة إلى جانب أمسيات رمضانية تتخللها تلاوات قرآنية وموائد جماعية.. كل هذه المَشاهد تعكس التنوع الثقافى فى المجتمع الآسيوى ويؤكد قدرة هذه المجتمعات على الاحتفاء بتنوعها الثقافى والدينى فى آن واحد. 

 أطول بازار رمضانى

فى ماليزيا يأتى رمضان محمّلاً بأجواء خاصة وعلى رأسها أسواق الشوارع التى تعرف باسم «بازار رمضان»، وتعد من أبرز المظاهر التى ينتظرها الناس بشغف كل عام.. ومع حلول الشهر الفضيل، تتحول الأمسيات إلى لوحات نابضة بالحياة اصطفت فيها الأكشاك المزينة بالألوان الزاهية لتعرض أصنافًا لا حصر لها من المأكولات والمشروبات وتستضيف معظم الأحياء هذه الأسواق المزدحمة التى تجمع بين نكهة التراث وروح الاحتفال لتصبح مقصدًا رئيسيًا للعائلات والزوار الباحثين عن متعة التذوق وأجواء المشاركة.. ويقع أطول بازار رمضانى فى ماليزيا بمنطقة بندر تاسيك بوتيرى (BTP)؛ حيث يستعد البازار هذا العام لدخول التاريخ كأطول بازار من نوعه فى البلاد.. وتمتد هذه السوق الرمضانية المميزة بطول 1.4 كيلومتر وتحتضن أكثر من 500 كشك متنوع يعرض كل أنواع المأكولات والمشروبات.. وتعتبر هذه السوق وجهة رئيسية للزوار سواء من سكان المدينة أو السائحين خلال الشهر الفضيل.. ولم يقتصر البازار على صفوف الأكشاك وحدها بل وفّر أيضًا أماكن مخصّصة للإفطار مزودة بالكراسى والطاولات ليستمتع الزوار بوجباتهم فى أجواء جماعية.. كما يضم الموقع مرافق متكاملة تشمل غرفًا للصلاة ودورات مياه إضافة إلى مواقف سيارات واسعة قادرة على استيعاب نحو 800 سيارة مما يجعل التجربة أكثر راحة وتنظيمًا.

 موكب دوجديران

أمّا فى إندونيسيا المترامية الأطراف؛ فتختلف مظاهر الاحتفال بشهر رمضان من منطقة إلى أخرى، إلا أن هناك طقوسًا مشتركة تعكس روح الشهر المبارك وتجعل من إندونيسيا فى رمضان فسيفساء ثقافية ودينية تمتزج فيها الطقوس القديمة بالممارسات الحديثة.

ففى جاوة الوسطى يبرز احتفال شعبى مميز يعرف باسم «دوجديران»، وهو موكب طويل تقليدى كان يقام قديمًا لتحديد أول أيام رمضان، وقد سجلت أول ممارسة له عام 1881 ورغم مرور الزمن ظل جوهر هذا الطقس قائمًا باعتباره إعلانًا جماعيًا لبداية الصيام.. ويحمل هذا الحدث رمزية خاصة من خلال تميمة «واراك نجندوك» وهى عبارة عن مجسم يجمع بين جسم الماعز ورأس التنين مزين بعدة بيضات مسلوقة ترمز إلى الخصوبة وبداية جديدة.. ويجوب المجسم الشوارع فى موكب ضخم مصحوب بالعروض الموسيقية والرقصات الشعبية يشارك فيه الجميع بمختلف أعمارهم.. ويرتبط اختيار البيض بالذات فى هذا الحدث بالاحتفال الأول الذى أقيم عام 1881 بينما كانت مدينة سيمارانج تعانى أزمة غذائية جعلت البيض سلعة نادرة وثمينة.. ولا يزال الأهالى يمارسون هذا الطقس فى استقبال رمضان كعلامة على الأمل فى تجاوز المحن.

 تقليد ميوجان 

وفى إقليم آتشيه الإندونيسى، يقوم الناس بالتضحية قبل رمضان بيومين، وهى بالطبع عادة اجتماعية رمضانية؛ حيث يجتمع الناس خلال أيام رمضان لطهى لحوم الأضاحى وتناولها فى أجواء جماعية مع العائلات والأصدقاء، كما يخصّص جزء منها للأيتام والفقراء، ويعتبر هذا الطقس رمزًا للشكر والامتنان بعد أحد عشر شهرًا من العمل الدؤوب لكسب الرزق.. وتعود جذور هذا التقليد العريق الذى يُعرَف باسم ميوجان إلى عهد السلطان إسكندر مودا فى القرن السابع عشر؛ إذ كان السلطان يذبح عددًا كبيرًا من حيوانات الأضاحى ويوزع لحومها على الأهالى قبل حلول شهر رمضان.. فى إشارة إلى الكرم والاستعداد الروحى لاستقبال الشهر المبارك.. أما اليوم فقد تطور هذا التقليد حيث يقام ثلاث مرات فى السنة قبل رمضان وفى عيدىّ الفطر والأضحى.

 مغاطس التطهر

يبرز أيضا تقليد قديم يعرف باسم باليمو، وهو طقس رمضانى مميز يقوم فيه مجتمع مينانجكاباو الإندونيسى بالاستحمام فى مياه ممزوجة بالجير الطبيعى.. وهناك مواقع مخصّصة لممارسة هذا التقليد الذى يعتبر أكثر من مجرد طقس تطهيرى، فهو رمز لتجديد الجسد والروح استعدادًا لاستقبال شهر رمضان المبارك.. فالماء الممزوج بالجير يعتقد أنه يطهر الجسد من الأوساخ.. ويشارك فى هذا التقليد مختلف فئات المجتمع.. كما يرافقه أحيانًا أجواء احتفالية بسيطة مثل تبادل الأطعمة المحلية أو إقامة تجمعات صغيرة بعد الاستحمام فى أجواء روحانية نقية.

 طقوس رمضانية 

وفى مناطق أخرى من إندونيسيا تتنوع التقاليد الرمضانية التى تعكس ثراء الثقافة المحلية وتعددها.. ففى جاكرتا يحتفظ سكان بيتاوى بعادة قديمة تعرف باسم نيوروج؛ حيث يقدم الناس طرود الطعام لكبار السّن من العائلة مثل الوالدين والأجداد والأعمام.. فى الماضى كانت هذه الطرود تحتوى على الخضروات والأسماك المطبوخة، أما اليوم فقد تطورت لتشمل البسكويت القهوة سريعة التحضير والسكر إلى جانب الشاى والمشروبات المختلفة.. ويعتبر هذا التقليد بمثابة إعلان رمزى عن قدوم رمضان ودعوة لتوطيد الروابط الأسرية ووصل الأرحام.. أما فى بالى فيستقبل المسلمون الشهر الفضيل بطقس شهير يعرف باسم «ميجيبونج»؛ حيث يجلس الأهالى فى حلقات جماعية لتناول وجبة من الأرز والأطباق المختلفة على صينية كبيرة ويقام هذا الطقس بمنطقة كارانجاسيم شرق بالى فى الأيام العاشر والعشرين والثلاثين من رمضان.. وقد أدخل هذه العادة الملك «إى جوستى أجونج أنجلوراه كيتوت كارانجاسيم» فى القرن السابع عشر لتصبح رمزًا للتآخى والمشاركة الجماعية.

ومن أبرز ما يميز رمضان فى إندونيسيا أيضًا هو الطعام؛ حيث يحتفظ شعب مينانجكاباو بعادة مالامانج، وهى طقوس جماعية لإعداد كعكة الأرز المطبوخة فى الخيزران وتعرف باسم «ليمانج»؛ إذ يجتمع الأهالى فى الحقول لشَىّ الكعكة معًا لتقدم مع تاباى سيبوليك أو الأرز الأسود الدبق المخمر. كما يعد طبق «تاكجيل» من أبرز المظاهر الرمضانية؛ إذ يباع على جوانب الطرق وفى الأسواق وبالقرب من المساجد ويعتبر رمزًا لوجبة الإفطار السريعة التى يعرفها جميع الإندونيسيين. ومن أشهر أنواع الحلويات الرمضانية «كولاك بيسانج» والتى تحضر من الموز المطبوخ مع حليب جوز الهند وسكر النخيل وأوراق الباندان.

 خيام الاحتفالات

أما فى الفلبين الدولة ذات الأغلبية المسيحية الكاثوليكية؛ فتميزت احتفالات استقبال شهر رمضان هذا العام حيث علقت لافتات الترحيب على الأقواس المؤدية إلى المسجد الذهبى ونصبت الخيام فى زوايا الشوارع لتكون بمثابة مناطق استقبال للضيوف والمصلين. أما الحفل الرئيسى فقد أقيم فى ساحة شاريل؛ حيث اجتمع الأهالى فى أجواء احتفالية وروحانية. وفى لفتة مميزة، سلطت الكنيسة الفلبينية الضوء على خصوصية وتميز هذا الشهر إذ تزامن يوم الأربعاء 18 فبراير ورؤية هلال رمضان بأربعاء الرماد وبداية رحلة الصوم الكبير. وهنأت الكنيسة الشعب الفلبينى قائلة «إن هذا التقارب هو مصادفة نادرة وذات مغزى ولحظة مقدسة مشتركة للتأمل والسير معًا نحو الله». كما تشهد بعض المناطق ذات الكثافة المسلمة مثل مراوى ومينداناو أجواءً أكثر حيوية؛ حيث تقام موائد إفطار جماعية وتتزين الشوارع بالفوانيس بينما تنظم أنشطة ثقافية ودينية لتعزيز الهوية الإسلامية. 

 ساحات ذوى الهمم 

رغم أن سنغافورة ليست دولة ذات أغلبية مسلمة؛ فإن المسلمين هناك يحتفلون بأجواء روحانية مميزة فى المساجد والساحات العامة بعد أن أعلن المجلس الإسلامى الدينى فى سنغافورة (MUIS) عن توفير عدد غير مسبوق من أماكن الصلاة خلال رمضان تصل إلى 125٫500 مكان موزعة فى مختلف أنحاء الجزيرة ليتمكن المسلمون من أداء الصلوات الليلية فى أجواء منظمة ومريحة. ولا يقتصر الأمر على توفير أماكن الصلاة فحسب؛ بل تقام أيضًا أنشطة اجتماعية وثقافية موازية مثل حلقات تلاوة القرآن ودروس دينية وموائد إفطار جماعية فى بعض الأحياء وأيضًا أسواق خاصة ببيع منتجات رمضان.

وهكذا نجد أن لرمضان طقوسه الخاصة التى تختلف من مكان إلى آخر. فالمسلمون حول العالم قد يتفقون فى طقوس رمضان الدينية لكنهم يختلفون ويتنوعون فى طقوسهم الاجتماعية.