محمد هانى
البحث عن «الست» (4)
لم يقدم صوت عربى (وربما فى العالم) الأغانى الروحية كما قدمتها أم كلثوم، لا فى الامتداد الزمنى ولا فى القيمة والتنوع ولا فى الثراء والتفرد ككلمات وكلحن، وأداء وإحساس صعب أن يوصف.. لم يسبق إليه أحد ولم يصل إليه أحد.
وقد يكون من الإشارات القدرية اللافتة أن أم كلثوم كما بدأت مسيرتها بالإنشاد الدينى، اختتمتها وهى كوكب الشرق الساطع برائعتها «القلب يعشق كل جميل» فى آخر حفل لها عام 1973 قبل عامين فقط من رحيلها.. وبينهما وعلى مدار ما يزيد على 60 عامًا قدمت عشرات الأغنيات فى العشق الإلهى والمديح النبوى وتجليات الشعور الدينى الذى يلوذ به كل قلب سليم فى الشدائد والحوادث الكبرى.
وفى تقديرى فإن عطاء أم كلثوم وتراثها فى هذا اللون هو أحد مسارات عبقريتها الذى لم يأخذ حقه فى الدراسة وإعادة الإحياء وهو ما أتمنى أن يتصدى له أساتذة النقد والخبراء المتخصصون مثلما حظيت به (عن استحقاق) سيدة الغناء من تقدير وتحليل دائم لأغنياتها يستخرج من كنوزها الجديد جيلًا بعد جيل.
وقد رافقها فى تلك الرحلة الروحية السامية شعراء وملحنون عباقرة يتصدرهم دون منازع «سيد التصوف اللحنى» أستاذ الأساتذة رياض السنباطى.
وإذا كان المجال هنا لا يتسع للتوقف عند تراثها المبهر كاملًا، إلا أن هناك أيقونات فنية تشير وتدل، فى مقدمتها ما أبدعه أمير الشعراء أحمد شوقى من قصائد صارت بعض أبياتها مأثورات عابرة للأجيال:
«سلوا قلبى» التى قدمتها 1946، من أجمل ما قيل فى المديح النبوى إحساسًا وعمقًا وفكرًا، والبيت الشهير الذى أصبح مثلًا «وما نيلُ المطالبِ بالتمنى.. ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا».. و«من يغترُ بالدنيا فإنى.. لبثتُ بها فأبليتُ الثيابا..... فلم أرَ غيرَ حكمِ الله حكمًا.. ولم أرَ غيرَ بابِ الله بابا»، ثم «أبا الزهراءِ قد جاوزتُ قَدْرى.. بمدحكِ بَيْدَ أن ليَ انتسابا....مَدَحتُ المالكين فزدتُ قدرًا.. فحين مدحتُكَ اقتدتُ السحابا».
وفى العام نفسه: «وُلدَ الهُدى فالكائناتُ ضياءُ.. وفمُ الزمانِ تَبَسمٌ وثناءُ.... الروحُ والمَلَكُ الملائكُ حوله.. للدينِ والدنيا به بشراءُ.... والعرشُ يزهو والحظيرةُ تزدهى.. والمُنتَهى والسدرةُ العصماءُ.... والوحيُ يَقطرُ سَلسَلًا من سَلسَلٍ.. واللوحُ والقلمُ البديعُ رُواءُ».
«رباعيات الخيام» التى وصل أحمد رامى إلى قمة الإبداع فى ترجمتها وخلدتها أم كلثوم حين ظلت تغنيها منذ بداية الخمسينيات فى القاهرة إلى 1968 فى المغرب.. تلك الأيقونة التى تجوب فى عمق رحلة النفس البشرية بين الشك واليقين وبين هوى الدنيا والاستجارة بمغفرة الله.. «إن لم أكن أخلصتُ فى طاعتك.. فإننى أطمعُ فى رحمتك.. وإنما يشفعُ لى أننى.. قد عشتُ لا أُشركُ فى وحدتك.. إن تُفصَلُ القطرةُ من بحرها.. ففى مداه مُنتَهى أمرها.. تقاربت ياربُ ما بيننا.. مسافةُ البُعدِ على قَدْرِها»
مجموعة «رابعة العدوية» البديعة التى صاغها شعرًا طاهر أبوفاشا فى أجمل ما كتب على الإطلاق وتبارى فى إبداعها نغمًا السنباطى والموجى وكمال الطويل.. «حانة الأقدار» و«لغيرك ما مددت يدا» و«على عينى بكت عينى» و«عرفت الهوى» و«الرضا والنور».
فى تلك المجموعة عاشت كلمات علوية تنطق بالوجد الروحى: «وفى كلِ شيءٍ يلوحُ الهوى.. ولكن لمن ذاقَ معنى الهوى»، و«أحبُكَ حبيّن حبَ الهوى وحبًا لأنكَ أهلُُ لذاكا.. فأما الذى هو حبُ الهوى فشُغلى بذْكرِكَ عمن سواكا.. وأما الذى أنت أهلُُ له فكشفكُ لى الحجبَ حتى أراكا.. فلا الحمد فى ذا ولا ذاك لى ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا»، و«وركنُكَ لم يزل صمدًا فكيف تَزودُ من وردا»، و«عهدُه الوثيق واحة النجاة.. أولُ الطريق هو منتهاه».
و.. طريق «الست أم كلثوم» الممتد مع الأغانى الروحية لم نصل بعد إلى منتهاه.
وللحديث بقية.











