رمضان 2026 الدليل الاسترشادى قبل التقييم
محمد شميس
بعد صيفٍ موسيقيٍّ ملتهب على كل الجبهات، عادت الألبومات الغنائية الكاملة لتفرض نفسها من جديد، بعد سنواتٍ قصيرة - لكنها مُربِكة - من سيطرة منطق الـSingle، وكأن الصناعة كانت تمرّ بفترة صيام فني قاسٍ. فجأة، وجدنا أنفسنا أمام مشهد هو الأكثر تنوّعًا منذ سنوات: بوب، راب، مهرجانات… الكل حاضر، والكل يريد الصدارة.
ثم يدخل رمضان…
ذلك الموسم الغنائي الاستثنائي، الذي تتحول فيه السوق إلى ساحة زحام خانقة؛ الجميع يُطلق أعماله دفعة واحدة، وبعضهم يقدّم أكثر من أغنية في نفس التوقيت، في سباق لا يرحم، لا للملل ولا للرداءة.
وكما تعوّدنا، وحتى لا يتحول هذا الكلام إلى انطباعات ناقد يخاطب القاريء، كان لزامًا أن نضع معايير واضحة ومسبقة، قبل الاستماع إلى أي تتر أو إعلان في موسم رمضان 2026.
لماذا تترات المسلسلات اختبار حقيقي؟
لأن تترات الأعمال الدرامية ليست أغنية عابرة، بل فرصة ذهبية لصنّاع الموسيقى كي يخرجوا من القالب العاطفي المستهلك. هنا تُفتح الأبواب لموضوعات اجتماعية، سياسية، دينية، بل حتى نقد ساخر لأزمات المجتمع.
المعايير المعتادة في كل موسم:
التعبير الدرامي:
يجب أن تكون الأغنية جزءًا من نسيج العمل، الكلمات والموسيقى والأداء الغنائي الكل يخدم الحدث الذي يتحدث عنه المسلسل.
الهوية الجغرافية:
لا يعقل أن تدور الأحداث في صعيد مصر، ونستمع إلى لهجة مشوّهة أو توزيع موسيقي مستورد من نوادي أوروبا. الصعيد له صوته: الربابة، المزمار، النقرزان… لا الـHouse ولا الـEDM، وما إلى ذلك من أشكال أخرى.
الاختلاف عن الألبومات:
أغلب المغنيين يعيشون في المنطقة الآمنة للأغنية العاطفية. تترات رمضان يجب أن تكسر هذا الكسل، وتذهب إلى المساحات الاجتماعية والسياسية والوطنية التي تفرضها الدراما.
الزمن قبل كل شيء:
الأغنية يجب أن تشبه العصر الذي تدور فيه الأحداث، لا أن تفرض عليه ذائقة زمن آخر، ولنا في هذا المثال نموذج يُدرَّس،:الجزء الأول من مسلسل (النص) والذي عرض موسم رمضان الماضي، كان مثالًا مكتمل الأركان. تتره الغنائي، بصوت «هاني الدقاق» وأغنية «عاشت مصر»، استوفت كل الشروط دون ادّعاء.
الأحداث تدور في العشرينيات، زمن مقاومة الاحتلال الإنجليزي، وهذا واضح في كلمات «جورج عزمي» وألحان «إيهاب عبد الواحد».
بمجرد الاستماع، نستحضر فورًا روح «سيد درويش»، وأغانيه الفئوية القائمة على السرد الشعبي. «سيد درويش» كان يبدأ من لغة الحِرَف وأصحاب المهن، ثم يختم بالحكمة الكبرى، كما في «التحفجية»، حين تتحول الأغنية من توصيف اجتماعي إلى موقف وطني. وهذا بالضبط ما فعلته «عاشت مصر» حين تقول: «ويوم ما ييجي المعتدي… يهفه عقله ويعتدي.. تلقى الواحد منا بألف».. مثلما قالها في الماضي «سيد درويش»: «وأقوللك الحق يوم ما نلقا بلادنا طبت فى أى زنقه.. يحرم علينا شربك يا جوزه.. روحى و انتى طالقة مالكيشى عوزه.. دى مصر عايزه جماعه فايقين يا مرحب».
الفكرة واحدة:
حين تحتاج مصر أبناءها، الجميع في الصف… حشاش، نشال، عامل، مثقف. الوطن لا يفرّق وقت الخطر.
ما زاد العمل قوة، هو التوزيع الموسيقي لـ «أحمد عادل»، الذي ابتعد بوعي كامل عن أي معالجة غربية، محافظًا على الروح المصرية الخالصة. هنا نفهم كيف تُطبَّق المعايير عمليًا، لا نظريًا.
الإعلانات… نفس القصة بلا ترف
الإعلان الغنائي يخضع لنفس القواعد، مع شرط إضافي لا يقل أهمية:
وضوح فكرة المنتج.
كلمات مباشرة، غير خيالية، تخاطب المستهلك الحقيقي، وتخدم الهدف الأساسي للإعلان: الترويج الجماهيري، لا استعراض عضلات موسيقية فارغة.
وبداية من العدد القادم، نبدأ التقييم الفعلي، انطلاقًا من هذه المعايير.







