4 سنوات عجاف نيران الحرب تشعل فوضى الاقتصاد العالمى
أزمة اقتصادية خانقة يواجهها العالم منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التى تحولت من نزاع إقليمى إلى صدمة مالية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.
فالحرب لم تقتصر على تدمير البنية التحتية، وارتفاع عدد الضحايا فحسب، بل أدت لاضطرابات واسعة فى سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتباطؤ النمو الاقتصادى فى معظم الدول.
وانخفض النمو العالمى بنسبة 0.7 % فى 2022 وفق تقرير صندوق النقد الدولي؛ بينما وصف البنك الدولى الصدمة السلعية الناتجة عن الحرب بأنها الأكبر خلال نصف قرن.
وفى خضم حالة عدم اليقين التى تسيطر على المشهد الاقتصاد العالمي، لا تزال التأثيرات مستمرة حتى 2026، مع توقع نمو عالمى متواضع يبلغ 3.3 % فقط.
التداعيات على «أوكرانيا»
شهد الاقتصاد الأوكرانى أكبر انكماش فى تاريخه المعاصر، إذ تراجع الناتج المحلى الإجمالى بنسبة تراوحت بين 30 % و45 % فى 2022، وفق تقرير صندوق النقد الدولى فى أكتوبر من العام ذاته، نتيجة تدمير البنية التحتية، ونزوح نحو 7 ملايين شخص، وفقدان الإنتاج الزراعى والصناعى فى الشرق.
وفى السياق ذاته، ارتفع معدل الفقر من 5.5 % إلى 24.2 % خلال 2022، ما دفع 7.1 مليون شخص إلى خط الفقر، بحسب تقرير البنك الدولى فى فبراير 2023.
ورغم تعافى النمو إلى 5.3 % فى 2023 بدعم دولي، فإنه تباطأ إلى 2.9 % فى 2024، بسبب الهجمات الروسية على قطاع الطاقة، والتى أدت إلى انخفاض الإنتاج الكهربائى بنسبة 50 %، حسب تقرير البنك الدولى فى ديسمبر 2024.
وتشير التقديرات إلى نمو متوقع للاقتصاد الأوكرانى بنحو 2 % فى 2025، و4.5 % فى 2026، إلا أن هذه التوقعات تظل مشروطة بوقف التصعيد العسكري، وفق تقديرات صندوق النقد الدولى فى يناير 2025.
من جانبه، أكد رئيس البنك الوطنى الأوكرانى فى فبراير الماضي، أن الاقتصاد لا يزال يواجه استنزافًا مستمرًا؛ مشددًا على أن جذب الاستثمارات يتطلب توفير ضمانات دولية حقيقية تعزز الثقة وتقلل المخاطر.
التداعيات على «روسيا»
من جانبه، انخفض الناتج المحلى الروسى بنسبة 2.1 % فى عام 2022، لكنه تجنب الانهيار المالي، وتعافى مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط، وفق تقرير صندوق النقد الدولى فى أكتوبر من العام ذاته.
ورغم العقوبات الغربية، سجل الاقتصاد الروسى نموًا بنسبة 3.6 % فى 2023، و3.6 % فى 2024، مدعومًا بزيادة الإنفاق العسكرى الذى يقدر بنحو 6 % من الناتج المحلى الإجمالي، وإعادة توجيه الصادرات نحو «آسيا»، بحسب تقرير البنك المركزى الروسى فى يناير 2025.
غير أن التوقعات تشير إلى تباطؤ النمو إلى 0.9 % فى 2025، و0.8 % فى 2026، نتيجة انخفاض إيرادات النفط بعد تحديد سقف سعرى عند 60 دولارًا فى 2022، ثم 47.6 دولار فى 2025، إلى جانب ارتفاع التضخم الروسى إلى ما بين 7 % و8 %.
«أوروبا».. أزمة طاقة وتباطؤ نمو
كانت «أوروبا» المتأثر المباشر بالحرب بحكم القرب الجغرافي، والاعتماد على الطاقة الروسية؛ إذ ارتفعت أسعار الغاز بنحو 50 % فى 2022، وتراجع نمو «الاتحاد الأوربي» من 3.5 % إلى 1.4 % وفق تقرير المفوضية الأوروبية فى نوفمبر 2022، فيما بلغ التضخم ذروته عند 10.6 % فى أكتوبر من العام نفسه، ما دفع البنك المركزى الأوروبى إلى رفع أسعار الفائدة.
وفى 2024–2025، تعافى النمو إلى 2.4 %، لكنه قد يتباطأ إلى 2.7 % فى 2026، بسبب ارتفاع الديون وضعف الطلب، بحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية الصادر فى مارس 2025.
اضطراب سلاسل التوريد العالمية
انعكست الحرب على الاقتصاد العالمى كله بصورة غير مسبوقة، وفقًا لما أكدته «كريستالينا جيورجيفا»، مديرة صندوق النقد الدولي، حينما قالت فى يناير الماضي، إن: «الحرب أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي، مع زيادة الفقر وتفاقم الجوع فى الدول النامية».
وبالفعل، تسببت الحرب فى أكبر صدمة سلعية عالمية خلال الخمسين عامًا الماضية، مع ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 50 %، وأسعار الغذاء بنسبة 40 % فى عام 2022، مما أدى إلى انخفاض النمو العالمى بنسبة 0.7 %، وارتفاع التضخم بنسبة 2.5 %، وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولى فى إبريل 2022.
كما زاد الفقر العالمى بنحو 100 مليون شخص، خاصة فى «إفريقيا»، و«آسيا»، نتيجة نقص القمح والأسمدة، علماً أن «روسيا» و«أوكرانيا» تمثلان معًا نحو 30 % من الصادرات العالمية للقمح والذرة، بحسب تقرير البنك الدولى فى إبريل 2022.
كما أدى اضطراب سلاسل التوريد والصدمات السعرية لانخفاض إضافى فى النمو العالمى بنسبة 1 %، وفق تقرير البنك الدولى فى يوليو 2022؛ فى حين ارتفعت أسعار القمح بنسبة 55 % خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وفق تقرير (Frontiers) للبحوث الأكاديمية لعام 2025.
وخلال عامى 2023 و2024، استمرت تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، مع نمو عالمى محدود بنسبة 3 % فقط، وارتفاع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة فى الدول المتقدمة، بسبب زيادة أسعار الغاز الروسي.
وتقدر التوقعات لعامى 2025 و2026 نموًا عالميًا ضعيفًا بنحو 3.3 % فقط، وسط مخاطر محتملة للركود، مع استمرار زيادة الفقر والجوع فى الدول النامية، وفق تقرير (منتدى دافوس الاقتصادى العالمي) الصادر فى عام 2025.
«الشرق الأوسط».. أزمة غذاء وفرص طاقة
بالإضافة إلى التأثيرات العالمية، شهدت منطقة «الشرق الأوسط» اضطرابات حادة فى سلاسل التوريد الغذائية والطاقة، مما زاد من الفقر والتضخم؛ وذلك بعد أقل من عامين من تداعيات أزمة (كوفيد- 19) الاقتصادية على المنطقة.
فأدت الحرب إلى أزمة غذاء شديدة بمنطقتى «الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا»، حيث ارتفعت أسعار الغذاء والأسمدة، مما أثر على الاستقرار الاجتماعى فى عدد من الدول، وفقاً لما أشار إليه تقرير الكونجرس الأمريكى فى يوليو 2022.
ولكن، على صعيد آخر، استفادت دول «الخليج العربي» - جزئيًا - من ناحية الطاقة، بعد ارتفاع أسعار النفط فور الحرب حيث وصلت إلى 120 دولارًا للبرميل فى 2022 قبل أن تنخفض مرة أخرى، فى المقابل، استفادت دول «الخليج» - أيضًا- من زيادة واردات النفط الروسى المخفض.
تلك العوامل أدت إلى تغييرات فى تدفقات الطاقة، بالتزامن مع زيادة صادرات «الخليج» إلى «أوروبا» لتعويض الغاز الروسي.
ما الذى تعنيه تلك الأرقام؟
تكشف هذه المؤشرات أن الحرب لم تعد أزمة جيوسياسية محصورة فى نطاقها الإقليمي، بل تحولت إلى صدمة اقتصادية ممتدة أعادت تشكيل خريطة النمو العالمي.. فحين ينخفض النمو العالمي، ويرتفع التضخم، ويتسع نطاق الفقر بملايين إضافية، فإن ذلك يعنى تآكل القوة الشرائية للأفراد، وضغطًا غير مسبوق على الموازنات العامة، وتراجعًا فى الاستثمارات طويلة الأجل على مستوى العالم.
وبحسب تقرير صندوق النقد الدولى الصادر فى يناير الماضي، أسهمت الحرب فى رفع التضخم التراكمى العالمى بنحو 3.5 تريليون دولار منذ 2022، مع تركيز أكبر التأثيرات على الدول النامية التى تواجه نقصًا فى السلع الأساسية.
وفى نفس الإطار، أشار تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2025 إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائى الحاد بمقدار 70 مليون شخص إضافى فى الدول النامية، نتيجة ارتفاع أسعار الحبوب والأسمدة الناجم عن الحرب.
وفى الوقت ذاته، حذر تقرير البنك الدولى فى فبراير الماضى من أن استمرار الصراع حتى 2026 قد يؤدى إلى خسائر تراكمية فى الناتج المحلى الإجمالى العالمى تتراوح بين 1.3 و1.8 تريليون دولار، مع تباطؤ النمو فى الاقتصادات الناشئة بنسبة 0.8–1.2 % سنويًا.
وبصورة عامة، تعنى هذه الأرقام أن إنهاء الحرب لم يعد خيارًا سياسيًا فقط، بل صار ضرورة اقتصادية ملحة لتفادى حالة عدم اليقين فى الاقتصاد العالمى.







