سر ارتباط المصريين بآل البيت
فى حضرة صاحب المقام
هاجر عثمان
يحتل أهل البيت مكانة خاصة في وجدان الشعب المصري على مدار قرون طويلة، فهم أكثر شعوب العالم الإسلامي ارتباطًا وعشقًا وتعلقا وتبركا بهم، ورسخ حب المصريين لـ«آل البيت» باعتباره جزءًا من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعد هذا الارتباط مصدرًا للبركة والتقرب إلى الله، وينتهي دعاء الكثير من المصريين دائما «بحق جاه النبي وأهل بيته».
ولم يكن حب المصريين لـ«آل البيت» مجرد ممارسة طقسية موسمية، لكنه علاقة وجدانية ممتدة، تتداخل فيها عناصر التاريخ والدين والفن والمعتقد الشعبي، لتصنع نموذجًا خاصًا في التعبير عن الانتماء الروحي.
وصنعت مصر جغرافيا دينية روحية مختلفة، تفردت بها عن بقية المجتمعات الإسلامية، فانتشرت مساجد ومقامات آل البيت في بقاع عرفت بمسار أهل البيت، وتمركزت معظم الأضرحة في قلب القاهرة التاريخية بصوة لعبت دورًا بارزًا في تشكيل الهوية الدينية، يربط «مسار آل البيت» بين مساجد السيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة عائشة مرورًا بباقي مزارات آل البيت بشارع الخليفة أيضا بآثار تاريخية هامة، مثل مسجد ابن طولون ومتحف جاير أندرسون، مرورًا بقبة شجر الدر وكذلك منتزه الخليفة التراثي البيئي ومسجد السيدة نفيسة ومسجد السيدة رقية وضريح محمد الأنور، الذي يعتقد أنه من نسل النبي عليه الصلاة والسلام، وقبة الأشرف ومقام السيدة جوهر ومقام سيدي الحناوي.
ويبدأ الشارع من مقام زين العابدين بن الحسين، وينتهي بمسجد عمته السيدة زينب بنت علي، مرورًا بالسيدة نفيسة والسيدة سكينة والسيدة عاتكة.
ومن هذا الشارع، كانت كسوة الكعبة المشرفة تخرج في طريقها إلى مكة، بالإضافة إلى مسجد الحسين بالقرب من الجامع الأزهر.
وحاول كثير من المفكرين والباحثين تفسير حب المصريين لأهل البيت، مثلًا ذكر الدكتور “جمال حمدان” في مُؤلفه «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان»؛ أن تعلق المصريين بأهل البيت نابع من جغرافيتهم النيلية، فدول الأنهار تتعلق بمن يطهر الناس من الإثم والآثام، كما يطهر ماء النيل الأرض.
بينما قال الدكتور عبد المنعم ماجد في كتابه الضخم «ظهور الدولة الفاطمية وسقوطها»: «إن حُب المصريين لأهل البيت نابع من التراث الفرعوني، الذي قدّس الصالحين من الملوك، وليس كل الملوك، وغيرها من التفسيرات المختلفة، ولكنها تتفق على أن ولاء المصريين لأهل البيت، ولاء غير مشكوك فيه، ومن خلاله تبوأت مصر مكانتها منذ الدولة الفاطمية وحتى اليوم».
آل البيت في الوجدان الشعبى المصرى
ويُفسر الدكتور مصطفى جاد، العميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية وخبير التراث الثقافي اللامادى باليونسكو من منظور أنثروبولوجى هذا الارتباط العاطفي العميق بين المصريين وأهل البيت مقارنة بمجتمعات إسلامية أخرى قائلًا: «المسألة تتجاوز البعد الديني إلى تكوين وجداني وثقافي تشكّل عبر قرون، وأن احتفالات المصريين بآل البيت لها خصوصية مختلفة عن بقية المناطق العربية، تعود إلى طبيعة الشخصية المصرية التي تميل إلى الاحتفاء الرمزي وإضفاء الطابع الحميمي على المقدس».
وأوضح جاد في حديثه لـ«روزا اليوسف» أن الأضرحة في مصر لم تكن مجرد مواقع دينية، لكن تحولت إلى فضاءات اجتماعية وثقافية متكاملة، لافتًا إلى ظاهرة الحضور الكثيف للمصريين وزيارة أضرحة السيدات من آل البيت، مثل مساجد وأضرحة؛ السيدة زينب، السيدة نفيسة، السيدة فاطمة، السيدة سكينة، ويعكس هذا الحضور مكانة رمزية خاصة للمرأة في المخيال الشعبي.
«أم العواجز»
ويسرد جاد مظاهر التراث الشعبي المرتبطة بأولياء آل البيت، مُستهلًا حديثه عن السيدة زينب، قائلًا: « أطلق المصريون عليها لقب «أم العواجز»، أو «رئيسة الديوان» أو «صاحبة المشورة»، مؤكدًا أن هذه الألقاب ليست مجرد توصيف شعبي لكن تعبير عن تصور جمعي لدى المصريين عن دورها بوصفها ملاذًا للمحتاجين وصاحبة المشورة، وهو تصور ممتد من التاريخ الإسلامي لهذه السيدة، التي كان يشهد منزلها تجمع لكبار السن، وكانت تحميهم وترعاهم».
وأشار جاد إلى أن الجدل التاريخي حول وجود الجثمان من عدمه، قال إن السيدة زينب لها ضريحان واحد في القاهرة والثاني في أسوان، ويمارس المصريون فيهما نفس الطقوس، لأنه ترسّخ في وجدانهم أن من يأتي إلى السيدة زينب هنا أو هناك سيعود رابحًا ومطمئنًا.
«نفيسة العلم» تمنح البركة واستقرار الحياة
وعن السيدة نفيسة، أشار جاد إلى ارتباطها في المخيال الشعبي بالعلم والبركة، وبقضايا الحياة اليومية، خصوصًا الزواج واستقراره. ويشير إلى أنه وفقًا لهذا المعتقد الشعبي، «قمت أنا شخصياً بكتابة كتابي في السيدة نفيسة، وزواجي يقترب استمراره حتى الآن إلى 40 سنة مثلاً، اعتقاداً بأن هذا المكان فيه من الطهارة وفيه من البركة ما يحمي حياتنا الشخصية ويُعلي من قدر الراحة أو الناحية الروحية داخلنا».
وفى شهر رمضان عام 193 هجريًا قدُمت إلى مِصر السيدة نفيسة حفيدة الحسن بن على مع أسرتها، وعاشت فيها خمسة عشر عاما، فخرج أهالي العريش مرحبين بها. ثم قدم لها والى مصر الوالي العباسي، السري بن الحكم، دارًا فسيحة للإقامة فيها، وتفرغت للعبادة والعلم حتى لقبها المصريون بنفيسة العلم، وخصصت يومين أسبوعيا لاستقبال طالبي العلم والسائلين عن الأحكام الشرعية.
وعاصرها الإمام الشافعي الذي قدم إلى مصر عام 198 هجريًا، فكان يصلى بها التراويح في ليالي رمضان، وطلب منها أن تصلى عليه عند وفاته، فكان له ما أراد، وتوقفت جنازته أمام منزلها لتصلى عليه تنفيذًا لوصيته.
الحسين.. مركز الاحتفال الشعبى
أما في محيط مسجد الإمام الحسين، فتتجلى – بحسب جاد – صورة مكثفة لهذا التداخل بين الديني والشعبي، موضحًا: «الاحتفال بمولد الحسين، يمتد أيامًا عدة وتبلغ ذروته في الليلة الكبيرة، الذي يتحول إلى مهرجان روحي واجتماعي، حيث تتجاور حلقات الذكر مع باعة السبح والمباخر والأطعمة الشعبية».
ووصف عميد المعهد العالي للفنون الشعبية أن الطقوس التي يشهدها فضاء ضريح الحسين، من بيع المباخر والسبح تُشكل طقسا شعبيا غير عادي.
جمهور الموالد يفوق جمهور عمرو دياب
وألقى الدكتور مصطفى جاد الضوء على مظاهر الإبداع الفني التي تصاحب الاحتفال بالموالد، قائلًا: «من يذهب للأضرحة يستمع للإنشاد الديني، والإيقاعات الموسيقية المختلفة المصحوب بالطبول والمزمار وأحيانًا الربابة، بالإضافة إلى حلقات الذكر».
تابع: «في هذه الموالد يتجلى إبداع شعبي غير مرئي، فلا نعرف اسم المنشد ولا كاتب النص، لكن مئات يلتفون حوله ليستمتعوا بأداء روحي عميق»، مُستدركًا: «في زيارتي الأخيرة لمولد السيدة زينب، شاهدت جمهورًا ضخمًا يفوق الجمهور الذي يستمع لعمرو دياب، يلتفون حول المنشد ويستمعون للأداء الروحي الجميل».
وأشار إلى حضور هذه الفكرة في الأدب، قائلًا إن رواية قنديل أم هاشم للكاتب يحيى حقي تُبرز قوة المعتقد الشعبي، لافتًا إلى أن «أم هاشم» أحد ألقاب مسجد وضريح السيدة زينب، مؤكدًا أن العمل يُظهر كيف يُلبي المعتقد رغبة الوجدان الشعبي بشكل عام ولا يُسمح لأحد أن يشكك فيه، كما ظهر في شخصية الطبيب شكري سرحان.
الموالد والتكافل الاجتماعى
ولفت جاد للطقوس المحيطة بالموالد مثل تقديم الطعام او ما يُطلق عليه الخدمة، قائلًا: «في أي مولد لأهل البيت ممكن تروح تأكل وتشرب وتستمتع بإنشاد ديني، وتمارس كل ما يتم هناك من غير ما تدفع ولا مليم».. «هناك قوة اقتصادية أخرى تموّل أو تدعم هذه الاحتفالات المفتوحة لكل الناس».
وتحدث عن ظاهرة كتابة الرسائل ووضعها في صناديق الأضرحة، قائلًا: «الناس تفضل الكتابة بيدها خطابات وليس الاكتفاء بالدعاء الشفوي، ويوجهون طلباتهم مباشرة إلى الإمام الحسين والسيدة نفيسة وغيرهم».
الترابط
أعرب جاد عن أحد الخصائص الذي يتميز بها الشعب المصري، والتي تعكس هويه دينية مختلفة وتعكس خصوصيته، قائلًا: «من الملاحظ في الوجدان الشعبي المصري أن محبة آل البيت لا تقتصر على المسلمين فقط، بل نجد الكثير من الأقباط يشاركون في هذه الاحتفالات، أو يزورون الأضرحة تبركاً، مما يعكس نسيجاً وطنياً فريداً يجمع بين أبناء الشعب المصرى حول البركة والمحبة».
عجينة مختلفة
وقال الدكتور مصطفى جاد، إن حلقات الذكر في موالد آل البيت تمثل حالة اندماج روحي كامل، موضحًا: «ما يحدث فيها نوع من الاندماج الكامل مع الولي، ومع بركة الولي، ومع طهارة الولي».
وأضاف: «أنا بروح وأنا مؤمن تمامًا إن مجرد إن أنا أروح الفضاء – فضاء المولد أو المسجد – ده في حد ذاته كفاية»، مشيرًا إلى أن أضرحة أولياء آل البيت في مصر توجد داخل المساجد، مؤكدًا: «هناك أولياء كثر ليس لها موالد، ولكن أضرحة أولياء آل البيت مختلفة، لأنها شيء عظيم جدا لدى الوجدان الشعبي المصرى، ولا توجد في أي مجتمعات أخرى».
وفسر جاد خصوصية التدين المصري بأنه عائد إلى طبيعة التكوين الثقافي المصري، موضحًا: «العجينة المصرية التي تربط ما بين التاريخ الفرعوني والقبطي والإسلامي والحديث، كلها بتكوّن الوجدان الشعبي المصري تجاه آل البيت بالشكل اللي إحنا بنشوفه دلوقتي»؟
«من الخطأ الشائع أن يُفسر ارتباط المصريين بأضرحة الأولياء والممارسات الخاصة بالذكر، الإنشاد الديني، وتقديم الطعام والتوسل للأضرحة؛ أنها بمثابة خرافات، ويقومون بتحريمها على المصريين» يقول عميد معهد فنون شعبية.
وتابع: « اللي بيقول كده يبقى مش فاهم الشعب المصري خالص» هذه الممارسات تؤكد أن الشعب مُتدين وروحانيًا جدًا، وأنه مُرتبط وجدانيًا بأطهر شخصيات موجودة على الأرض وهي شخصيات مرتبطة بالرسول عليه الصلاة والسلام».
مشروع إحياء مسار أهل البيت
أكد الخبير في اليونسكو على أهمية تنفيذ مشروع إحياء مسار آل البيت.. «كما نجحنا في تنفيذ تجربة مسار العائلة المقدسة في مصر وما يصاحبها من احتفالات شعبية، نستطيع تحقيق مشروع إحياء آل البيت، ويصبح مقصدًا ممتازًا للسياحة في مصر، بجانب مسار العائلة المقدسة».
وتابع: «مصر تتمتع بجغرافية دينية وروحية مميزة، ولا يوجد في العالم بلد تتمتع بهذا التنوع والثراء الثقافي والديني والشعبي، ويجب علينا استغلاله والاستفادة منه بصورة إيجابية»؟
كسوة الكعبة
ويرى جاد أن مصر تتمتع عن غيرها من الدولة بزخم غير عادي، زخم في حركة آل البيت ووصولهم إلى مصر ودفنهم وعمل أضرحة لهم، مشيرًا أيضًا إلى أحد مظاهر الاحتفالات الدينية المصرية وكانت خروج كسوة الكعبة.
تابع: «تجهيز كسوة الكعبة، كان يُمثل جزءًا أصيلًا من التراث الشعبي المصرى، وكانت تُصنع على أيدي مجموعة من أمهر الحرفيين المصريين، وكانت رحلتها من القاهرة إلى مكة تشهد طقس روحانيًا، فيما يعرف بزفة المحمل على ضهر جمل، وكان طقسًا يكن له المصريون تقديرًا دينيًا كبيرًا، وكانت هذه الزفة تستغرق شهرين لتصل لمكة، وكان هذا الجمل الذي يحمل هذه الكسوة، يشهد اهتمامًا وعناية فائقة».
وتسعى محافظة القاهرة لإعادة إحياء «مسار آل البيت» في القاهرة التاريخية، لدعم حركة السياحة، والمساهمة في إحياء مناطق التراث، وذلك من خلال تشكيل لجنة لإحياء هذا المسار وربط المناطق الواقعة به، والعمل على إعادة تأهيلها بإتاحة ساحات حولها، وإنشاء حدائق ومتنزهات والحفاظ عليها من الزحف العشوائي.







