الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يتدبرون الصيام.. وسيلة للتقوى!

نزل تشريع الصيام للمسلمين فى المدينة فى السَّنة الثانية للهجرة، وكان الصيام مفروضًا على الأمم السابقة ومعروفًا عند أهل الكتاب، ولكن صيامهم لم يرتبط بشهر رمضان.



قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 183، وهدف الصوم هو التقوَى، لم يقل تعالى: «فرض عليكم الصيام»، فالفرض يكون فى حق من حقوق الناس، أمّا «كُتِبَ» فهو حق على الإنسان لله تعالى.

ولأن الصيام بين الصائم وبين الله؛ فقد جاء بتعبير (كُتِبَ)، مثل الصلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) النساء 103، فالصلاة بين المُصلى وبين الله، أمّا الصدقات فقد قال تعالى إنها: (فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ) التوبة 60؛ لأنها حق من حقوق الناس.

وفى قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) البقرة 180، هنا لا يتكلم عن حقوق الناس؛ بل عن الذين شهدوا واقعة الموت وسمعوا وصية المحتضر، فوجب عليهم أن يشهدوا بما سمعوا، ولهذا قال تعالى «كُتِبَ» لأنهم يقومون بذلك لوجه الله فهم ليسوا من الوارثين أو من الذين يستحقون الوصية. 

وبَعد تقرير أن الصوم كان مكتوبًا على أقوام سابقين وهدفه التقوَى، تأتى تعديلات للتيسير، منها السماح بالإفطار للمريض والمسافر: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) البقرة 184.

والسماح بالعلاقة بين الزوجين: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) البقرة 187، بسبب وقوع البعض فى مباشرة الزوجة فى ليلة الصيام.

وجاءت إضافة أخيرة: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) البقرة 187، فى منع العلاقة بين الزوجين أثناء الاعتكاف فى المسجد.

مَن أصبح فى يوم من أيام رمضان مريضًا أو مسافرًا فله أن يفطر، ويقضى الأيام التى أفطرها بعد رمضان، ومَن أصبح مريضًا أو مسافرًا ولكن أراد أن يصوم فهو خير له: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُم إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة 184.

والتقوَى محلها ضمير الصائم الذى يتعامل مع الله تعالى ويخشاه بالغيب، فالقرآن الكريم لم يحدد السفر الذى يسبب إرهاقًا يتساوى مع المرض، وترك ذلك لتقدير ضمير المؤمن.

ولم يحدد نوع المرض الذى يستدعى الإفطار، والمؤمن التقىُّ عليه أن يأخذ رأى الطبيب المختص فى تحديد إن كان مرضه يستوجب الإفطار أمْ لا.

ولم يحدّد الفدية التى يدفعها المفطر: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، والتحديد يخضع لتقوى المسلم الذى يسعى لرضا الله عليه.

لقد تم فرضُ الصوم ليس فقط للامتناع عن الطعام والشراب والعلاقة بين الأزواج؛ ولكن ليكون الصوم تدريبًا للتقوى، ولذلك يعفو عن الخطأ بحسن نية: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب 5.

وفى قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، أصل الفعل «طاقَ»، بمعنى القدرة على التحمل ضمن الطاقة الطبيعية، أمّا الذين يستطيعون الصوم فإنّ الاستطاعة هى أكثر مشقة من الجهد الطبيعى، وقد جاءت بَعد الترخيص للمريض والمسافر، بمعنى أن الذين يُحَمّلهم الصومُ فوق طاقتهم عليهم أن يدفعوا فدية طعام مسكين: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) البقرة 184.

قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)، وليس «وعلى الذين يستطيعونه»، ومثل قوله تعالى: (رَبّنا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَالَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) البقرة 286، وليس «ما لا استطاعة لنا به».

وفى قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن 16، ولم يقل «ما طقتم»، فالطاقة تدخل فى الاستطاعة.

قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، ولم يقل «على مرض وعلى سفر»؛ لأنه ليس كل مريض على مرض بمعنى يعانى من المرض، وليس كل مسافر على سفر بمعنى يعانى من السفر، ولذلك الإفطار لمن يعانى إرهاق السفر وشدته بصرف النظر عن مسافة السفر.

ولم يقل تعالى «على مرض»، وقال: (مَّرِيضًا)، رحمة بالناس، ولذلك الإفطار لمن يعانى المرض لأن الصيام قد يزيد مرضه.

لقد شرّع تعالى العبادات كوسيلة للتقوى، وتزكية النفس وتطهيرها؛ بأن يصلى الإنسان لتتطهر نفسه، ويصوم لتتزكى وتتقى نفسه، ويحج لتتزود نفسه بالتقوى: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) البقرة 197، فالتقوى هى هدف المؤمن ليلقى الله بقلب سليم.