الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فقيه هذا الزمان

مفيد شهاب رحيل مهندس عودة طابا

لم يكن خبر وفاة د.مفيد شهاب، الفقيه القانونى الكبير، خبرًا عاديًا فى زحمة العناوين اليومية. بل هو واحد من تلك الأخبار التى لا تمر سريعًا، لأنها تستدعى زمنًا كاملًا، وتفتح دفاتر مرحلة، وتوقظ أسئلة عن معنى الدولة.



عند رحيل د.مفيد شهاب، لا نتذكر فقط أستاذ القانون الدولى أو الوزير الأسبق، بل نتذكر نموذجًا نادرًا لرجل جمع بين العقل الأكاديمى الصارم، والبراجماتية السياسية، والإحساس الوطنى الذى لا يعلو عليه صوت.  

فى زمن اختلطت فيه الأدوار، وصار كل شىء قابلًا للمزايدة، ظل اسم مفيد شهاب مرتبطًا بشىء واحد واضح  «القانون».. ليس بوصفه نصوصًا جامدة، بل بوصفه أداة لاسترداد الحق، وحائط صد فى معارك السيادة.

 ولذلك، حين يُذكر اسمه، تُذكر معه معركة طابا، تلك الصفحة التى تُدرس لا لأنها انتهت باستعادة أرض، بل لأنها أثبتت أن النزاع يمكن أن يُحسم بالحجة لا بالمدفع، وبالوثيقة لا بالرصاصة فقط.

لم يكن مفيد شهاب من نوعية رجال السياسة الذين يصعدون بالخطابة، أو يراكمون شعبيتهم بالصوت العالى. 

كان أقرب إلى رجال الظل الذين يعملون فى صمت، ويتركون النتائج تتكلم نيابة عنهم. 

ابن الإسكندرية، حمل معه إلى القاهرة عقلية الباحث لا لسان الخطيب، فصار أستاذا للقانون الدولى فى جامعة عريقة، ثم رئيسًا لها، ثم وزيرًا فى أكثر من موقع، دون أن يتبدل جوهره، أستاذ يشرح، ومحامٍ يدافع، ورجل دولة يعرف حدود الدور وحدود السلطة.

وحين نعود إلى طابا، لا نعود إلى واقعة تاريخية فقط، بل إلى درس سياسى كامل. مصر لم تستعد هذه البقعة الصغيرة من سيناء بالسلاح، بل بالمرافعة. لم تدخل المعركة وهى تلوّح بالقوة، بل وهى تلوح بالخرائط والاتفاقيات والوثائق القديمة.

هنا تحديدًا يظهر وزن مفيد شهاب وأمثاله من رجال القانون، الذين عرفوا كيف يحولون النزاع الحدودى إلى قضية أمام هيئة تحكيم دولية، وكيف يجعلون العالم يسمع الرواية المصرية بلغة يفهمها؛ لغة القانون الدولى.

كانت لحظة رفع العلم المصرى فى طابا تتويجًا لمعركة طويلة، لكنها فى الحقيقة كانت تتويجًا لفكرة، أن الدولة ليست فقط جيشًا، بل عقل. ليست فقط حدودًا مصونة بالسلاح، بل حقوق مصونة بالمنطق. وفى هذا المعنى، كان مفيد شهاب يمثل تيارًا كاملاً فى الدولة المصرية، تيارًا يؤمن أن السياسة تحتاج إلى علم، وأن السيادة لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالملفات المدروسة والكوادر المؤهلة.

وربما كان لافتًا أن الرجل، رغم حضوره القوى فى واحدة من أهم معارك السياسة الخارجية المصرية، لم يتحول إلى «نجم» بالمعنى الإعلامى. لم يقدم نفسه بوصفه بطل استرداد طابا، ولم يدخل مزاد البطولة. 

ظل يتحدث عن المعركة باعتبارها جهدًا جماعيًا، شارك فيه الدبلوماسى ورجل القانون ورجل الدولة. وهذا فى حد ذاته درس آخر، أن الإنجاز الوطنى لا يصنعه شخص، بل تصنعه مؤسسة تعمل بتناغم.

فى مسيرته الأكاديمية، ترك مفيد شهاب أثرًا لا يقل أهمية عن أثره السياسى. كأستاذ للقانون الدولى، وكباحث فى قضايا الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، وحقوق الإنسان، لم يكن يكتب من برج عاجى، بل من تماس مباشر مع الواقع العربى والدولى. كانت كتاباته مشغولة بالسؤال نفسه؛ كيف يمكن للقانون أن يحمى الضعيف فى عالم تحكمه موازين القوة؟ وكيف يمكن للدولة الصغيرة أو المتوسطة أن تجد لنفسها مكانًا فى نظام دولى غير عادل بطبيعته؟

لم يكن اهتمامه بحقوق الإنسان اهتمامًا شكليًا. كان يرى أن الدولة القوية لا تقوم فقط على السيادة الخارجية، بل على احترام الداخل أيضًا. ولذلك حين كتب عن الإعلان العالمى لحقوق الإنسان أو المواثيق الإقليمية، لم يكن يفعل ذلك بوصفه أكاديميًا محايدًا، بل بوصفه رجل دولة يعرف أن الشرعية تبدأ من الداخل قبل أن تصدر إلى الخارج.

فى مواقع المسؤولية، من رئاسة جامعة القاهرة إلى وزارة التعليم العالى ثم الوزارات السياسية، حافظ على صورة الأستاذ الذى لم يخلع عباءته العلمية. لم يكن سياسيًا تقليديًا، ولم يكن تكنوقراطيًا باردًا، كان مزيجًا خاصًا؛ «عقل قانونى فى جسد دولة». وهذا ربما ما جعله واحدًا من رموز عصر كامل، هو عصر الدولة المركزية التى تعتمد على الخبراء، لا على المؤثرين، وعلى الملفات، لا على اللافتات.

وحين رحل، بدا واضحًا أن مصر لا تودّع مجرد وزير أسبق، بل تودع نوعًا من الرجال بات نادرًا، رجل الدولة الذى لا يصرخ، ولا يستعرض،  بل يعمل وكأنه يكتب سطرًا فى كتاب طويل اسمه الوطن.. رجل يعرف أن السياسة ليست دائمًا معركة فى الشارع، بل كثيرًا ما تكون معركة فى القاعة المغلقة، ومعركة فى سطر قانونى، ومعركة فى فاصلة بين كلمتين فى نص دولى.

رحيل مفيد شهاب يضعنا أمام سؤال أعمق من سيرة شخص، هل ما زالت الدولة تنتج هذا النوع من الرجال؟ هل ما زال التعليم يصنع عقلًا قانونيًا قادرًا على خوض معارك السيادة بلغة العالم؟ وهل ما زال لدينا صبر على المعركة الطويلة التى لا تكسب تصفيقًا سريعًا، لكنها تكسب أرضًا وكرامة؟

ربما نختلف حول عصره، وحول السياسات التى عمل فى ظلها، وحول النظام الذى كان جزءًا منه، لكن من الصعب أن نختلف حول حقيقة واحدة أن مفيد شهاب كان رجل دولة بالمعنى الدقيق للكلمة. رجل خدم الدولة بعلمه قبل منصبه، وبهدوئه قبل صوته العالى.  رحل مفيد شهاب، وبقيت طابا على الخريطة المصرية شاهدة على أن معركة واحدة بالقانون قد تعادل ألف معركة.