المواجهة التشريعية لا تكفى
حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت..
مى زكريا
فى استجابة مباشرة لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن التصدى لمخاطر الاستخدام غير المنضبط للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى على الأطفال والنشء، كثّف مجلسا الشيوخ والنواب تحركاتهما خلال الأسابيع الماضية لمناقشة مشروع قانون يستهدف تنظيم حق الطفل فى استخدام الإنترنت وفق مبدأ «الاستخدام الآمن»، ووضع ضوابط واضحة لحمايته من المحتوى الضار؛ والألعاب الإلكترونية الخطرة وجرائم الابتزاز والاستغلال.
التحركات البرلمانية جاءت فى إطار الرغبة فى التصدى لخطورة التأثيرات النفسية والسلوكية الناتجة عن التعرض غير المنضبط للإنترنت، مع التأكيد بأن التشريع الجديد يهدف لحماية النشء وبناء وعى رقمى آمن وليس مجرد أداة عقابية.

التحركات البرلمانية الجارية وآراء ومقترحات النواب؛ تؤكد أن حماية الأطفال فى العصر الرقمى مسئولية منظومة متكاملة؛ الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية، وأن التشريع رغم ضرورته هو جزء من منظومة أوسع يجب أن تقوم على الوعى والتثقيف وتوفير البدائل الآمنة، الى جانب مسئولية تحويل النصوص القانونية إلى واقع فعلى يحمى النشء.
مجلس الشيوخ
ناقشت اللجان النوعية المختصة بمجلس الشيوخ القضية من مختلف جوانبها، مستعرضة تجارب دولية فى تنظيم المحتوى الرقمى وحماية القُصر، وانتهت إلى حزمة توصيات تشريعية وتنفيذية اعتُبرت الأساس المرجعى لمشروع القانون المرتقب؛ أهمها وضع تعريف قانونى دقيق لمفهوم «الاستخدام الآمن»؛ وذلك مع إلزام مقدمى خدمات الإنترنت ومنصات التواصل بتفعيل أدوات التحقق من العمر والرقابة الأبوية، وتشديد العقوبات على جرائم الاستغلال والابتزاز الإلكترونى التى تستهدف الأطفال.
كما تتخذ الدولة خطوات تنفيذية مهمة لحماية الأطفال؛ أهمها قرار إيقاف منصة الألعاب Roblox؛ والذى عكس جدية الدولة فى التعامل مع الملف؛ وذلك بعد إصدار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرار الحجب، بالتنسيق مع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات لتنفيذه فنيًا، استنادًا إلى مخاوف تتعلق بتواصل الأطفال غير المراقب، ووجود محتوى قد يؤثر سلبًا على سلوكهم ونموهم النفسي.
فيما شدد عدد من النواب؛ على أن التشريع وحده لا يكفى لمواجهة مخاطر الفضاء الرقمي؛ وسط أجيال من الأطفال والشباب يسيرون بمبدأ « الممنوع مرغوب» ويستطيعون التحايل والوصول الى التطبيقات التى تحجبها الدولة خوفا عليهم؛ مما يحتم ضرورة إدماج التوعية الرقمية للأسرة ضمن المناهج الدراسية؛ لتعزيز ثقافة الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا.

التشريع لا يكفي
فى هذا الصدد؛ أكدت النائبة أمينة النقاش، عضو مجلس الشيوخ أن التشريع وحده لا يكفى لحماية الأطفال، وأنه يمثل المرحلة الأخيرة ضمن منظومة متكاملة تشمل التوعية الأسرية وتطوير التعليم وتوفير بدائل ثقافية وترفيهية حقيقية، وإحياء دور قصور الثقافة فى محاولة تنشئة جيل واعٍ ومبدع، مؤكدة أن بناء وعى الإنسان فى مراحله الأولى يجعله قادرا على حماية نفسه دون حاجة لسلطة قسرية، لأن هذا الجيل إذا أُجبر على شيء غالبًا ما يسلك الاتجاه المعاكس.
وشددت النقاش أنه من الصعب بل من المستحيل ضمان التطبيق الشامل لأى تشريع يستهدف تقييد استخدام الأطفال للإنترنت، فى ظل طبيعة الأجيال الجديدة، خاصة جيلى «ألفا» و«زد»، الذين يمتلكون قدرة كبيرة على التحايل على وسائل المنع والرقابة، واستحداث طرق جديدة للوصول إلى المحتوى الذى يرغبون فيه، سواء كان أفلامًا ممنوعة أو محتوى غير ملائم.
وأكدت أيضًا؛ على أن التشبه بالتجارب الغربية سواء الأمريكية أو الأسترالية فى تطبيق مثل هذه القوانين ليس فى محله؛ لأن تلك الدول تمتلك منظومات تنفيذ صارمة، وتصدر قوانين قابلة للتطبيق لا قوانين توضع فى الأدراج، موضحة أن لدينا إشكالية حقيقية فى تنفيذ القوانين وأحكام القضاء فى أحيان كثيرة، ومن ثم فإن المطلوب هو دراسة التجارب الدولية واختيار ما يلائم الواقع المصري.
وأكدت النقاش؛ أنه لا ضرورة لإصدار تشريع جديد، فى ظل وجود قانون رقم 175 لسنة 2018 الخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذى يتضمن نصوصًا واضحة تجرم السب والقذف، وانتحال الصفة، وانتهاك الخصوصية، وغيرها من الجرائم الإلكترونية، ويشمل عقوبات محددة.
الإتاحة المشروطة
من جانبه أكد النائب عصام خليل رئيس حزب المصريين الأحرار وعضو مجلس الشيوخ؛ أن هذا الملف يتسم بدرجة عالية من التعقيد والتداخل، ولا يمكن التعامل معه بإجراءات أحادية أو حلول سطحية، فى ظل تعدد أبعاده التشريعية والتكنولوجية والمجتمعية، وما يفرضه ذلك من ضرورة تبنى مقاربة شاملة ومنظمة.
وشدد خليل على أن سياسة المنع الكامل لم تعد قابلة للتطبيق فى عصر التحولات الرقمية المتسارعة، مؤكدًا أن الدولة مطالبة بتبنى نهج «الإتاحة المشروطة» باعتباره إطارًا متوازنًا يحقق حماية الأطفال دون عزلهم عن أدوات العصر الحديثة، على أن يتم ذلك وفق ضوابط واضحة وآليات رقابية وتشريعية صارمة.
وطالب خليل؛ بتشكيل لجنة متخصصة تضم ممثلين عن وزارات الاتصالات، وشركات الاتصالات، إلى جانب مختصين فى الصحة النفسية والعضوية، وعلم الاجتماع، والإعلام، والثقافة، والتعليم، والقانون، لوضع إطار شامل للتعامل مع هذا الملف، قائم على حلول مرنة ومدروسة تراعى متطلبات التطور التكنولوجى وتحفظ فى الوقت ذاته سلامة الأطفال.
ودعا رئيس حزب المصريين الأحرار؛ الأحزاب السياسية الممثلة داخل مجلس الشيوخ إلى الاضطلاع بدورها الوطنى، من خلال تقديم دراسات متخصصة ومقترحات عملية تُعرض على اللجنة المختصة، بما يضمن صياغة سياسات عامة متماسكة تواكب التحول الرقمى وتحمى الأجيال القادمة.
الإدمان الرقمي
أكدت الدكتورة داليا الأتربى عضو مجلس الشيوخ، أن مناقشات مجلس الشيوخ حول مخاطر الإدمان الرقمى تعكس وعي الدولة بالآثار السلبية المباشرة على النشء؛ وخطورة الاستخدام غير المنضبط للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى والألعاب الإلكترونية، لافتة إلى أن الإدمان الرقمى لم يعد مجرد ظاهرة سلوكية عابرة؛ بل تهديد حقيقي يؤثر على النمو النفسى والعقلى والسلوكى للطفل ؛ويؤدى إلى ضعف مهارات التواصل وتراجع المستوى الدراسى.







