أزمة ثقافية واتهامات بتسييس الفن
بحجة ترميمه.. «ترامب» يغلق مركز كينيدى للفنون لعامين
آلاء البدرى
فتحت قرارات «ترامب» الأخيرة ضد الفنون أبوابًا مواجهة رمزية بين البيت الأبيض والقطاع الثقافى إذ لم يتوقف الأمر عند إغلاق «مركز كينيدى للفنون» و«مؤسسة سميثسونيان» بحجة التجديد بل امتد ليشمل مقترحات لإلغاء «الصندوق الوطنى للفنون» وتقليص تمويل الإعلام العام ومراجعة المتاحف لتتشكل صورة متكاملة لسياسة تُثير قلق المبدعين وتضع الثقافة فى مواجهة مباشرة مع السلطة.
وسط ضجيج الملفات المثيرة للجدل المرتبطة بـ«ملفات إبستين» وتهديدات الرئيس بتأميم انتخابات التجديد النصفى والحملة المستمرة على الهجرة بدا الإعلان عن إغلاق مركز كينيدى للفنون الأدائية وكأنه خبر ثانوى غير أن هذا القرار الذى يطال مؤسسة ظلت لأكثر من خمسة عقود رمزًا للتميز الثقافى الأمريكى ومعزولة عمدًا عن السياسة الحزبية أثار مخاوف عميقة فى أوساط المعماريين الذين عبروا عن قلقهم من سجل «ترامب» الحافل بإتلاف المبانى ذات القيمة الجمالية وخاصة بعد تدميره للجناح الشرقى من البيت الأبيض، بينما يرى الفنانون فى هذه الخطوة محاولة واضحة للسيطرة على الثقافة الأمريكية.
معركة ترامب وكينيدى
منذ ولايته الأولى أعلن «ترامب» مواجهته لـ«مركز كينيدى للفنون» بشكل غير مباشر بعد أن رفض الفنانون دخول المركز فى وجوده حتى أن حفل التكريم السنوى الأبرز للمركز لم يقم حينها إلا بعد أن وعد «ترامب» بالبقاء بعيدًا ولكنه اعتبرها إهانة شخصية لم يستطع نسيانها إذ عاد لاحقًا لينتقم بأسلوب صارخ. فقد أحكم الرئيس الأمريكى قبضته على إدارة المركز بعد أن أطاح برئيسه وعين «ريك جيرنيل» الرئيس السابق للمخابرات وأحد أبرز الموالين له على رأس الإدارة، بل عين نفسه رئيسًا لمجلس الإدارة المعاد تشكيله.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أجرى «ترامب» تغييرات جذرية فى جدول البرامج وأبعد فرقة الأوبرا المقيمة، وأعلن نفسه مقدمًا لأكبر حفل خيرى لجمع التبرعات. وصف الإعلام تعامل الرئيس الأمريكى مع المركز بأنه اعتبره ملحقًا بالبيت الأبيض وليس كيانًا مستقلًال يهتم بالفنون ولا يتعاطى مع السياسة حيث ظهر «ترامب» بدور محورى فى معظم الفعاليات وفى خطوة رمزية مثيرة للجدل وضع اسمه على المبنى الذى كان يعرف سابقًا باسم «مركز جون إف. كينيدى التذكارى للفنون الأدائية» ليصبح «ترامب كينيدى». وأخيرًا أعلن عن إغلاق المركز لمدة عامين واعادة ترميمه بالكامل. هذه الإجراءات المتتالية جعلت الجميع يُجزم أنها تحمل طابعًا انتقاميًا وعزم على هدم المركز وإعادة تشكيله وفق رؤيته الخاصة
صراع قضائى
اندلعت مواجهة قضائية بين الرئيس دونالد ترامب ومركز كينيدى للفنون الأدائية فى 22 ديسمبر الماضى حين رفعت عضوة الكونجرس «جويس بيتى» دعوى ضد «ترامب» وعدد من المسئولين مطالبًة بوقف تغيير اسم المركز بشكل غير قانونى. تولت الدعوى «مجموعة واشنطن للتقاضى» و«منظمة مدافعو الديمقراطية» نيابةً عن النائبة «بيتى» بصفتها عضوًا بحكم منصبها فى مجلس أمناء المركز بعد أن مُنعت من الكلام خلال اجتماع المجلس الأخير حين حاولت الاعتراض على تغيير الاسم. وأكدت الدعوى أن الكونجرس وحده يملك صلاحية تغيير اسم «مركز كينيدى» ولا يجب السماح للرئيس «ترامب» وحاشيته بانتهاك القانون الفيدرالى وتجاوز الكونجرس لإشباع غرورهم وإلا ستظل هذه العملية برمتها وصمة عار على المؤسسة العريقة وعلى الشعب الذى تخدمه. وتطالب الدعوى بضرورة وقف هذه الإجراءات غير القانونية قبل حدوث أى ضرر إضافى مستندًة إلى أن الكونجرس خصص المركز، بعد اغتيال الرئيس جون كينيدى، ليكون النصب التذكارى الوطنى الوحيد له فى العاصمة الأمريكية وسماه رسميًا بموجب قانون، وبذلك فإن أى تغيير فى الاسم يتطلب تشريعًا جديدًا من الكونجرس وليس قرارًا منفردًا من الرئيس.
العروض الملغاة
سحب الملحن العالمى «فيليب جلاس» العرض الأول لسمفونيته الجديدة من «مركز كينيدى» فى (واشنطن) ليصبح أحدث الأسماء البارزة التى تلغى مشاركتها فى المركز وسط الجدل المحيط بإدارة الرئيس «دونالد ترامب» حيث كان من المقرر أن تُعزف السيمفونية رقم 15 التى أطلق عليها اسم «لينكولن» يومى 12 و13 يونيو بقيادة المايسترو «كارين كامينسيك» وهى السيمفونية الحائزة على جائزة «جرامى» وتُعتبر عملًا موسيقيًا يستحضر صورة الرئيس الأمريكى «إبراهام لينكولن» وقيمه. وفى بيان الإلغاء، أوضح «جلاس» أن هذه السيمفونية تمثل انعكاسًا لقيم «لينكولن» غير أن سياسات «مركز كينيدى» فى ظل إدارته الحالية تتعارض بشكل مباشر مع رسالة العمل مما دفعه إلى اتخاذ قرار بسحب العرض الأول احترامًا لجوهر السيمفونية ومعانيها.
كما انهت «أوبرا واشنطن الوطنية» إقامتها الطويلة الأمد فى «مركز كينيدى» بينما سحبت «فوكال آرتس دى سى» ،وهى منظمة فنية متخصصة فى تقديم حفلات غنائية كلاسيكية، حفلاتها الغنائية المخطط لإقامتها بالمركز إلى جانب إلغاء فرقة «برينتانو» الرباعية مع عازفة الفيولا المرموقة «هسين يون هوانج» حفلًا موسيقيًا كان مقررًا أن يُقام بالمركز. وتوالت الانسحابات والإلغاءات حيث سحب «مسرح سياتل للأطفال» عرضًا كان مخططًا له وألغت فرقة «مارثا جراهام» للرقص عرضًا مستقبليًا. أما السوبرانو العالمية «رينيه فليمنج» الحائزة على جائزة جرامى، فلم تكتف بإلغاء عروضها المقررة فى «مركز جون إف كينيدى» فى أعقاب سيطرة الرئيس «دونالد ترامب» عليه فقط، بل أعلنت استقالتها من منصبها كمستشارة فنية عامة وهو المنصب الذى شغلته لمدة تسع سنوات بدءًا من عام .2016 وكان من المقرر أن تظهر «فليمنج» فى عرض مع المايسترو «جيمس جافيجان» و«أوركسترا السمفونية الوطنية» يومى 29 و30 مايو ولكن تم الإعلان عن عازف منفرد جديد وبرنامج موسيقى جديد فى وقت لاحق وفقًا لموقع مركز كينيدى الإلكترونى. ومن بين الموسيقيين الآخرين الذين ألغوا عروضهم فى مركز كينيدى «إيسا راى» وفرقة الروك «لو كت كونى» من فيلادلفيا والمغنية وكاتبة الأغانى «ريان جيدنز» و«تشاك ريد» فضلًا عن فرقة الجاز «ذا كوكرز» ومغنية الفولك «كريستى لى». كما ألغى «لين مانويل ميراندا» عرضًا لإحياء مسرحية هاميلتون كان من المقرر عرضه فى ربيع عام 2026.
مسرح المقاومة
أطلق الفنانون والجماعات الثقافية حركة تحمل اسم «مسرح المقاومة» مستلهمين فكرتها من تجربة مسرح المضطهدين التى أسسها الفنان والناشط البرازيلى «أوجستو بوال» فى أواخر الستينيات خلال فترة الديكتاتورية العسكرية حين استهدف النظام المثقفين المعارضين ومن بينهم «بوال» نفسه الذى نُفى إلى الأرجنتين قبل أن يُسجن. وجاء هذا التحرك كرد فعل مباشرًا على ما اعتبره الفنانون قمعًا للحرية الفنية فى عهد إدارة ترامب، فنظّموا أكثر من 700 عرض ومعرض وفعالية فى مختلف أنحاء البلاد وشارك فيها كتّاب ومسرحيون وفرق فنية قدّموا أعمالًا إبداعية تحمل رسائل احتجاجية. ومن أبرز هذه الفعاليات كانت عروض حية فى سان فرانسيسكو جسدت واقع احتجازات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية واحتجاجات فنية على إغلاق مركز كينيدى للفنون وأعمال مسرحية ومعارض ردًا على إلغاء نحو 560 منحة فنية وتخفيضات فى التمويل تجاوزت 27 مليون دولار.







