اليوم التالى للتعديل الحكومى
روزاليوسف
حين يصدر تكليف رئاسى للحكومة بعد تعديل وزارى، فنحن أمام وثيقة سياسية مكتوبة بلغة الأولويات.. ثمانية محاور استراتيجية لم تطرح باعتبارها ملفات مستقلة، بل باعتبارها خريطة طريق لدولة تبحث عن توازنها فى لحظة شديدة الحساسية إقليميا ودوليا.
وضع الأمن القومى والسياسة الخارجية فى أول التكليف لا يبدو اختيارا بروتوكوليا، بل توصيف دقيق لطبيعة العالم الذى نعيش فيه. لم تعد الجغرافيا وحدها تصنع التهديد، بل تصنعه الأسواق، وسلاسل الإمداد، وشاشات الإعلام. السياسة الخارجية هنا لم تعد مجرد إدارة علاقات بقدر ما هى «إدارة مخاطر».
والدولة وهى تعيد ترتيب البيت من الداخل، تعلن أن استقرارها الاقتصادى والاجتماعى يبدأ من قدرتها على قراءة الإقليم قراءة عقلانية لا انفعالية.
بعد ذلك يأتى الاقتصاد باعتباره الاختبار اليومى للحكومة. اللافت فى الصياغة الرئاسية أنها لم تتحدث عن «النمو» بل عن «التحسين المستمر»، ما يعنى أن الأزمة ليست رقما يحل بقرار، بل حالة ممتدة تحتاج إلى إدارة طويلة النفس. ومع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى بنهاية العام، تدخل الدولة مرحلة انتقالية؛ من اقتصاد تحت الإنقاذ إلى اقتصاد مطالب بالوقوف على قدميه.
الحديث عن تخفيض الدين العام بأفكار جديدة يكشف وعيا بأن الأدوات القديمة استهلكت، وأن الحلول الجاهزة لم تعد كافية. الدين لم يعد شأنا ماليًا فقط، بل صار قضية اجتماعية تمس مستوى المعيشة وثقة الناس فى المستقبل. أما محور الإنتاج والطاقة والأمن الغذائى، فهو عودة واعية إلى فكرة الدولة القادرة لا الدولة المستوردة. الطاقة هنا ليست مجرد خدمة، بل شرط للسيادة الصناعية. والغذاء لم يعد ملف دعم، بل ملف استقلال.
فى عالم تحكمه الاضطرابات وسلاح الحبوب والنفط، يصبح الإنتاج مسألة سياسية بقدر ما هو مسألة اقتصادية.
ويأتى محور بناء الإنسان والمجتمع ليضع المواطن فى مركز المعادلة. التعليم والصحة فى هذا السياق ليست خدمات عامة فقط، بل أدوات لتشكيل شخصية اجتماعية قادرة على الفهم والمشاركة. الرهان الحقيقى ليس فى عدد المدارس والمستشفيات، بل فى نوع الإنسان الذى يخرج منهما.
وفى التحول نحو السوق، يظهر محور سياسة ملكية الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص بوصفه إعادة تعريف لدور الدولة فى الاقتصاد. الدولة هنا تعيد رسم موقعها، من منافس إلى منظم، ومن لاعب مباشر إلى ضامن لقواعد اللعبة.
أيضا يأتى التوجه نحو التقنية والمعادن النادرة والابتكار ليمثل إدراكا لطبيعة الاقتصاد الجديد. فالقوة لم تعد تقاس بعدد المصانع فقط، بل بعدد العقول القادرة على إنتاج المعرفة. البحث العلمى هنا ليس رفاهية، بل «سلاح استراتيجى» فى سباق عالمى لا ينتظر المترددين.
وفى محور المواطنة والمشاركة السياسية، تعود المجالس المحلية إلى الواجهة باعتبارها حلقة الوصل الضرورية بين الدولة والناس. ليبقى محور الإعلام والرأى العام الأكثر حساسية. لأن الاعتراف بأهمية تبصير المواطنين بالحقائق رسالة ضمنية من الرئيس للجميع بأن معركة الدولة لم تعد مع الخارج فقط، بل مع الفوضى المعرفية فى الداخل. واستعادة الثقة فى الإعلام أصبح ضرورة، وجزءا من منظومة الأمن القومي. الشائعة، حين تنتشر، لا تضعف الثقة فقط، بل تكسر الروح العامة.
القاسم المشترك بين هذه المحاور جميعا هو أننا أمام معيار واضح للقياس، مسطرة للأداء الحكومي. فالتكليف الرئاسى لا يكتفى بتحديد الاتجاه، بل يطالب بخطط زمنية، وتمويل معلوم، ومؤشرات أداء قابلة للتقييم. وهذا تحول مهم من سياسة النوايا إلى سياسة النتائج.
نحن أمام لحظة فارقة، إما أن تتحول هذه المحاور إلى عقد جديد بين الدولة والمجتمع، أو تبقى إطارا نظريا جميلا. والفارق بين الاحتمالين لا تصنعه الأوراق، بل تصنعه الإرادة، وقدرة الحكومة على أن ترى المواطن شريكا لا رقما، ورضاه هدفا لا عبئا.







