من نخيل الوادى الجديد إلى السوق العالمية
مصنع «تمور التكافل».. مشروع محلى برؤية عالمية
نرمين ميلاد
فى واحدة من أكثر المناطق المصرية ثراءً بمحصول التمور، حرصت «روزاليوسف» على زيارة مصنع تمور التكافل التابع لوزارة التضامن الاجتماعى بمحافظة الوادى الجديد، للتعرّف عن قرب على رحلة تصنيع التمور، منذ لحظة وصولها من المزارع وحتى طرحها فى الأسواق، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، حيث يقبل المستهلكون على التمور باعتبارها عنصرًا أساسيًا على المائدة الرمضانية.
مصنع تمور التكافل نموذج لصناعة غذائية حديثة لا تكتفى بتعبئة المنتج، بل تعيد تعريفه وفق معايير الجودة والتشغيل المستدام، واضعة نصب عينيها التوسع نحو الأسواق العالمية.
الوادى الجديد تنتج نحو100 ألف طن من التمور سنويا
يقول محمد غريب يونس، مدير مصنع تمور التكافل التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، إن المصنع لا يعمل بمعزل عن محيطه، بل يأتى ضمن منظومة متكاملة تابعة لمركز التكوين المهني، تضم ورشًا للنجارة، والألوميتال، والحديد، إلى جانب مغسلة سيارات، وماكينة CNC، ووحدة طباعة رقمية، ما يوفّر بنية تحتية صناعية داعمة وقابلة للتوسع، انطلق المصنع فى الإنتاج عام 2023، ليشهد منذ ذلك الحين مراحل تطوير متسارعة، كان أبرزها إضافة وحدة الطباعة الرقمية التى أنهت الاعتماد على مصادر خارجية، ورفعت من كفاءة التغليف والهوية البصرية للمنتج، يمتلك المصنع 3 وحدات تبريد بسعة تخزينية إجمالية تصل إلى 180 طنًا، تُستخدم فى حفظ وتعقيم التمور وفق دورات زمنية دقيقة قبل التصنيع.
6 آلاف جنيه راتب العامل
وأضاف غريب: المصنع ينتج عبوات تمور مخصصة لبرامج تكافل وكرامة، إلى جانب التصنيع للغير من خلال تعاقدات صناعية، فى نموذج إنتاجى يجمع بين الاستقرار والتنوع. وتبلغ الطاقة الإنتاجية اليومية للصالة نحو 5 أطنان، مع قابلية الزيادة وفق الطلب الموسمي، لا سيما قبل شهر رمضان، حيث يرتفع عدد العاملين بنسبة تصل إلى 100%، يعتمد المصنع على العمالة الموسمية المنظمة، بمتوسط أجر يومى يصل إلى 200 جنيه، ما يحقق دخلًا شهريًا يقارب 6 آلاف جنيه خلال مواسم الذروة، ويولى المصنع اهتمامًا خاصًا بتمكين المرأة، حيث تعمل به 25 سيدة بشكل مباشر، إلى جانب سيدات أخريات يشاركن فى عمليات نزع النوى من المنازل، ضمن نموذج إنتاج مرن يراعى البعد الاجتماعى.
تصدير 160 طنًّا إلى غزة
وأوضح غريب رحلة التمور داخل المصنع حيث تمر بسلسلة عمليات دقيقة، تبدأ بشراء البلح السيوى من المزارعين المحليين بسعر يصل إلى 43 ألف جنيه للطن وفقًا لأسعار السوق، ثم حفظه داخل الثلاجات لمدة 15 يومًا للتعقيم.
تلى ذلك مراحل الغسيل الآلي، والفرز، والتعبئة، والتغليف، مع الاستفادة من مخلفات الإنتاج؛ حيث يتم توجيه 3 إلى 4% من المنتج كأعلاف للمواشي، فى حين يُعد نوى البلح أحد الموارد القابلة لإعادة التدوير الصناعى.
كما أكد أن الإنتاج لا يقتصر على السوق المحلية، بل يمتد إلى التصدير الخارجي، حيث تم خلال العام الماضى تصدير 160 طنًا من التمور إلى قطاع غزة، إضافة إلى التصدير لأسواق شرق آسيا، مثل المغرب وماليزيا وإندونيسيا.
ويتراوح سعر الكيلو بين 40 و50 جنيهًا، وقد يصل إلى 70 جنيهًا بعد التصنيع، ما يمنح المنتج قدرة تنافسية عالية فى الأسواق الإقليمية والدولية.
دعم التضامن
وأضاف غريب أن محافظة الوادى الجديد تنتج نحو 100 ألف طن من التمور سنويًا، وهو ما يمنح مصنع تمور التكافل ميزة جغرافية واستراتيجية تضعه فى موقع متقدم ضمن خريطة صناعة التمور عالميًا، وجاء إنشاء المصنع بدعم من وزارة التضامن الاجتماعي، التى وفرت الأرض، إلى جانب تمويل قدره 5 ملايين جنيه لتنفيذ المشروع. كما تمت الموافقة على شراء ماكينة نزع النوى وماكينة فرم، فى خطوة تعزز من كفاءة التشغيل وترفع القيمة المضافة للمنتج.
زيادة الدخل
لم تتوقف السيدة هناء على عبدالله- إحدى العاملات بمصنع التمور- عند محطة خروجها على المعاش، وقررت العمل لتوفر دخلًا إضافيًا لأسرتها.
تقول «هناء»: حصلت على دبلوم تجارة وكنت موظفة وطلعت معاش وجئت المصنع لأعمل ويزداد دخلي، أعمل منذ سنتين فى المصنع من 8 صباحا وحتى 5 مساء وأحصل على مرتب حسب ساعات العمل.
فى البداية نقوم بعملية تنظيف للمكان و«الترابيزات» التى يوضع عليها البلح، ثم نبدأ عمل الطلبيات والفرز والتعبئة فى كراتين، «جو العمل مريح» والمصنع يوفر أتوبيسات لتسهيل الانتقال من البيت للمصنع.
وتقول إيمان أحمد محمود، حاصلة على دبلوم فني، إنها تعمل بالمصنع منذ انطلاقته الأولى، بعدما مرّت بتجربة إنسانية قاسية عقب اكتشاف إصابتها بورم خبيث منذ خمس سنوات «العمل كان الملاذ الوحيد من الحزن وشعور العجز».
وتضيف: «رغم صعوبة البداية، مع الوقت أصبحت أكثر قدرة على الإنتاج، وأعمل يوميًا ما يقارب طريحة إلى طريحة ونصف». وتشير إلى أنها تعرفت على المصنع عبر الإنترنت، ويبدأ عملها من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، إلا أن حبها للعمل يدفعها فى كثير من الأحيان للاستمرار حتى الثامنة مساءً.
وتلفت إلى أنها تحصل على مكافآت إلى جانب راتبها الشهري، فى إطار تقدير إدارة المصنع لجهود العاملين. كما شاركت بمنتجاتها فى معرض أقيم بالمحافظة تحت اسم «معرض طموح»، حيث تم عرض أنواع متعددة من المنتجات، معربة عن أملها فى توسيع نطاق المشاركة مستقبلًا، سواء فى معارض أخرى داخل المحافظة أو من خلال التواجد فى معارض بالقاهرة، للوصول إلى شريحة أكبر من الجمهور ودعم انتشار منتجات المصنع.
الاستقلالية والحرية
وتعمل زمزم محمود أحمد بالمصنع منذ نحو عام، وأكثر ما شجعها على الالتحاق بالعمل هو أن أغلب العاملين بالمصنع من السيدات، ما خلق بيئة داعمة تقوم على التعاون والمشاركة.
وتوضح زمزم أنها تعمل لمدة 8 ساعات يوميًا، رغم مسؤولياتها الأسرية، حيث إن لديها أربعة أبناء فى مراحل التعليم المختلفة، وأعربت عن أملها فى أن يتمكنوا من استكمال تعليمهم، والعثور على فرص عمل مناسبة فى المستقبل.
وتشير إلى أن زوجها وأبناءها يدعمون قرارها بالعمل، ووصف أجواء العمل داخل المصنع بأنها قائمة على الاحترام والمحبة والتقدير المتبادل.
كما تشير إلى وجود برامج توعوية وندوات تنظمها وزارة التضامن الاجتماعى داخل المصنع، تتناول قضايا مجتمعية مهمة مثل أهمية التعليم، ومناهضة ختان الإناث، والتصدى لزواج القاصرات.
وقالت: عمل المرأة يمنحها شعورًا بالاستقلالية والحرية، ويعزز قدرتها على اتخاذ القرار، وله أثر إيجابى مباشر على استقرار الأسرة والمجتمع.







