الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
حوار غاضب عن الأسعار والسرقة الحلال!‏

حوار غاضب عن الأسعار والسرقة الحلال!‏

السفر هو تذكرة راحة من الملل والقلق والتوتر، عملية غسيل للقلب والعقل والأعصاب، ‏ترطيب لظروف لا نحتمل ضغوطها، انتقال إلى عالم طازج فيه دهشة وانتباه ومعرفة وفنون ‏وتقاليد وتجارب جديدة، لكن بعضنا قد يعود متألما من رحلته إلى العالم المتقدم إذا أوجعته ‏المسافة الواسعة بيننا وبينهم: قيمًا وسلوكيات، فهى بلاد يتحرك فيه البشر بقواعد منضبطة ‏فى الشارع والعمل والسوبرماركت.. إلخ، ويسأل: لماذا هم على هذه الدرجة من الانضباط ‏والمسؤولية ونحن نتحرك على الكيف والمزاج كأن القواعد الضابطة للسلوكيات قيود سخيفة ‏يجب أن نكسرها أو على الأقل نخلعها حين نحب؟



 

قطعًا هم بشر مثلنا، وإذا كانوا قد تمكنوا من صناعة نقلة حضارية هائلة فى بلادهم، إنتاجا ‏واستهلاكا وسلوكيات عامة، فنحن أيضا يمكن أن نفعلها أو على الأقل نضيق الهوة بين ‏أحوالنا وأحوالهم، فكل البشر «ولاد تسعة» كما تقول أمثالنا، أى لا يولد إنسان متقدم وإنسان ‏أقل تقدما، فالمجتمع بثقافته ونظام إدارة أنشطة مواطنيه هو الذى يصنع الفارق!‏

وشىء طبيعى للغاية أن تتقدم مجتمعات على مجتمعات، وإلا تساوى الذين يعملون بجدية ‏والذين يعملون براحتهم، بين الذين يحددون أهدافًا رائعة يسعون إليها ويضعون خططا شاملة ‏يجتهدون فى تنفيذها، وبين الذين يعيشون يوما بيوم أو شهرا بشهر أو عاما بعام حسب ‏التساهيل والظروف والدعاء.‏

لماذا هذه المقدمة؟

لى صديق عاد من غربته الأوروبية قبل ثلاث سنوات، عمل مستشارًا علميًا لسنوات فى ‏مؤسسة أمريكية لها فرع فى مدينة فرانكفورت الألمانية، كان الولد والبنت قد اقتربا من سن ‏المراهقة، وخاف عليهما من «أفكار شاذة» لا تقبله أخلاقه ولا دينه، وصارت عادية هناك.

بعد سنة من عودته، كان قد استهلك فيها حنينه وأشواقه، بدا غاضبا من حجم الهوة التى ‏تفصل بين المجتمع هناك والمجتمع هنا، من أول عبور الشارع إلى مستوى التعليم فى ‏مدارس أجنبية ذات مصروفات باهظة.‏

قلت له: لا تفسد حياتك بالمقارنة بين بلاد سارت فى طريق التطور والنمو المستدام منذ أربعة ‏قرون على الأقل، وبلد لم يتعرف على العصر الحديث إلا مع الحملة الفرنسية، ولم يضع ‏قدمه الأولى فيه إلا فى القرن العشرين، ولم يكمل «مشروعا حضاريا» واحدا إلى نهايته ‏لأسباب كثيرة، توقف عن المقارنة حتى تستطيع أن تمضى بحياتك، وصدقنى.. بلادنا فيها ‏أشياء كثيرة جميلة، بالرغم من المشكلات التى تحيط بنا!‏

سخر منى قائلاً: من لا يدرك موقعه بدقة لا يستطيع أن يتقدم بطريقة صحيحة إلى الأمام، ‏معرفة حالك مقارنة بالآخرين المتقدمين هى مفتاح البحث والعثور على طريق كالذى ساروا ‏فيه والوسائل التى يمكن تتبعها، ليس المطلوب أن نقلدهم حرفيا فى كل خطواتهم، الزمن تغير ‏والأساليب تطورت والأدوات اختلفت، وكل مجتمع له تاريخ وتراث وتقاليد خاصة، لكن ‏الفلسفة الحاكمة لأفكار التطور والنهضة الحضارية الكبيرة لم يصبها التغيير، فقط تعدلت ‏التفاصيل، هكذا سارت دول جنوب شرق آسيا فى طريق التطور فى الستينيات من القرن ‏العشرين، ثم تلتها الصين فى الثمانينيات وتخلصت من فقرها المدقع وصارت تناطح أمريكا ‏الآن!

لم يكن نوع النظام السياسى فاصلا فى التطور، بقدر ما كانت الفلسفة فى التنمية البشرية ‏والاقتصادية، التى حولها الإنسان إلى واقع.‏ قلت: كلامك صحيح، لكن لا تغرق فى تفاصيل الحياة اليومية هنا وهناك، فالتفاصيل مثل ‏خيوط العنكبوت إذا دخلت فى شباكها ابتلعت عقلك تمامًا!‏

‏ دار مثل هذا الحوار بيننا كثيرا.

قبل أيام جاءنى مهموما كأنه فى مأزق، وقال: قررت أن أعود إلى عملى القديم، الأولاد ‏كبروا وتجاوزوا المرحلة التى يمكن أن تؤثر فيهم الأفكار الشاذة، والولد الكبير على وشك أن ‏يدخل الجامعة وأود أن يحصل على شهادته من هناك.‏

قلت: التعليم دافع رائع يستحق الغربة.‏

قال: ليس وحده السبب، لم أعد أحتمل سلوكيات وتصرفات الناس، تحس أن فكرة الآخر ‏وحقوقه غائبة عند أغلبهم، زائد استغلال وسرقة علنية فى التعاملات التجارية، تخيل لم أعد ‏أخرج إلا نادرا حتى أتجنب الصدام الحتمى مع تصرفات الآخرين، تمشى فى الشارع ‏الرصيف مشغول، تسوق عربيتك بنظام يغلى دمك من فلتان الآخرين، تركب تاكسيا، العداد ‏لا يعمل، والسائق يريد ضعف القيمة، تشرب فنجان قهوة تدفع كثيرا فى «بُن ردىء»، وإذا ‏شربته فى كافيه سياحى تدفع خمسة أو ستة أضعاف، تركن «العربية» فى شارع عمومى يطلع ‏‏ لك منادٍ من تحت الأرض «عاوز» 20 جنيهًا!‏

قاطعته: إياك أن تتحدث عن مائة جنيه أو مائتين، فحالك مستور والحمد لله!‏

رد بحدة: المسألة ليست فلوسا أدفعها فى سلع وخدمات أحصل عليها وتساوى قيمتها، لكن فى ‏سرقة علنية، أن تدفع أضعاف ما تساوى الخدمة أو السلعة، ولا يمنعها أحد!‏

تخيل أخذت ابنتى فى الصيف وجلسنا فى كافيه شيك على كورنيش الإسكندرية، واحد كابتشينو ‏وشاى وعصير فريش وقطعتين جاتوه بـ600 جنيه!‏

ضحكت: ياه زعلان وانت دافع أقل من 15 دولارا.. هذه أسعار عالمية!‏

قال جادا: وهل تقبضون بالأسعار العالمية؟!‏

أكملت ضحكى: يا سيدى كنت أقعد فى كافيه بلدى وأدفع مائة وعشرين جنيها فقط، وهذه ‏أسعار محلية!‏

ثم سألني: فاكر «السماك» اللى أكلنا عنده من سنة؟

ضحكت: هل تعايرني؟.. مؤكد لن أتذكره، لا هو ترامب ولا زوج هيفاء وهبى، ولا مطرب ‏مهرجانات!‏

رد متجهما: من فضلك خذ الأمر بجدية، يومها دفعنا تقريبا 400 جنيه، من يومين أخذت ‏الأولاد للغداء عنده، دفعت ألفين وخمسمائة جنيه، تخيل طبق الشوربة لوحده بـ 220 جنيها، ‏هذه أسعار عبثية فى مجتمع تحيط به البحار شمالا وشرقا، ويجرى فيه أطول أنهار الدنيا، ‏وبه 12 بحيرة طبيعية وأكبر بحيرة صناعية فى العالم، ويجب أن تكون أسعار السمك ‏معقولة!‏

قلت: لا تنسَ أن إيجارات المحلات ارتفعت وأجور العمال وكذلك أسعار الكهرباء والمياه ‏والغاز.‏

رد: هذا يحدث فى كل شىء، مع السباك والنجار والميكانيكى والكهربائى والفكهانى.. إلخ، كل ‏واحد يريد أضعاف قيمة الخدمة أو الجهد الذى يبذله، ويعتبرها شطارة وذكاء ورزقا حلالا، ‏وكل ما أسأل أى حد فيهم، يقول لك: والله «كارمين» حضرتك، هذا أقل سعر ممكن تلاقيه!‏

أنا تعبت من سلوكيات الشارع وثقافة السرقة الحلال المنتشرة فى السلع والخدمات، وأقسم ‏لك المسألة ليست فلوسا، وإنما عدم قدرة على تحمل هذا الخلل دون رادع اجتماعى أو ‏قانونى!‏

قلت له: الحياة ليست معتمة إلى هذه الدرجة، قطعا هناك مشكلات لكنك تبالغ كثيرا بسبب ‏المقارنة مع المجتمع الألمانى، ألمانيا فى غاية الانضباط، مثلا هناك لائحة تنظم كل الأعمال ‏الفنية والمهنية تقريبا، الوقت الذى يستغرقه أى عمل، والثمن الواجب دفعه، نحن لم نعتد على ‏ذلك، وعلينا أن نحسن من شروط العيش فى بلدنا، لا أن نهجرها!‏

قال: ليست ألمانيا فقط، بحكم عملى زرت أكثر من 20 دولة، وعشت فترة فى أمريكا وكوريا ‏الجنوبية، لا مثيل لما نفعله فى بعضنا البعض، يبدو أن فيروسا ساكن فى الثقافة، كل واحد عاوز ‏أكثر من حقه، عموما أنا راجع ألمانيا!‏

قلت: ما تسافر أسبوعين ثلاثة تريح أعصابك وأفكارك! ‏

نظر إلى شزرًا: لن أتكلم معك كلاما جادا مرة أخرى!‏

غادر ولا أعرف هل هو جاد فى العودة إلى الغربة فى الصيف القادم أم لا؟