الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تجارب دولية لحماية الطفولة الرقمية

يعلن الحرب على السوشيال ميديا

التواصل الاجتماعى لم تعد مجرد منصات ترفيه أو مساحات مفتوحة للتعبير، بل أصبحت فى نظر عدد متزايد من الحكومات أحد أخطر التحديات التى تمس الأمن المجتمعى، خصوصًا مع تصاعد تأثير الخوارزميات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى على الأطفال والمراهقين.



هذا التحول دفع دولًا عدة إلى سن تشريعات صارمة تعيد تعريف العلاقة بين القاصرين والفضاء الرقمى، فى محاولة لاحتواء مخاطر الإدمان، والتلاعب النفسى، وتآكل القيم الاجتماعية.

الصين تنظر إلى هذه القضية باعتبارها جزءًا من منظومة الاستقرار الاجتماعى على المدى الطويل؛ وطبّقت هيئة تنظيم الفضاء الإلكترونى برنامج «وضع القاصرين»، الذى يفرض قيودًا رقمية على مستوى الأجهزة نفسها، مع إلزام المستخدمين بإثبات الهوية عبر وثائق رسمية. 

ويُحدد النظام مدة استخدام الشاشات للأطفال دون سن الرابعة عشرة بأربعين دقيقة يوميًا فقط. 

ويرى الباحث الأمريكى فى شئون التكنولوجيا والسياسات الصينية بول تريولو، أن بكين «تعامل الخوارزميات باعتبارها أدوات توجيه سلوكى قادرة على تشكيل جيل كامل، ولذلك لا تترك مسألة الطفولة الرقمية لقوى السوق أو اختيار الأسرة وحده».

 حظر شامل

وعلى النقيض من النموذج الصينى المركزى، جاءت التجربة الأسترالية لتفتح بابًا جديدًا فى الديمقراطيات الغربية؛ ففى نوفمبر 2024، أقر البرلمان الأسترالى قانونًا تاريخيًا فرض حظرًا شاملًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعى للأطفال دون سن السادسة عشرة، على أن يبدأ التطبيق الكامل فى ديسمبر 2025. 

اللافت أن القانون حمّل شركات التكنولوجيا المسئولية الكاملة عن التنفيذ، ملوحًا بغرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالى، دون تحميل الأسر أو الأطفال أى تبعات قانونية.

 ويصف الخبير البريطانى فى سياسات الإنترنت والعضو السابق فى البرلمان داميان كولينز الخطوة الأسترالية بأنها “أول اختبار حقيقى لقدرة الحكومات على كبح نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة، دون أن ينهار النظام الرقمى أو تتوقف الخدمات”.

وبعد شهر واحد فقط من بدء التطبيق، أعلنت السلطات الأسترالية حذف نحو خمسة ملايين حساب لمراهقين، بينما بدأت منصات مثل سناب شات فى تطبيق آليات تحقق معقدة تشمل ربط الحسابات ببطاقات هوية حكومية أو حسابات مصرفية، أو استخدام تقنيات تحليل الوجه لتقدير العمر.

 موقف حاسم

وفى فرنسا، اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون موقفًا حاسمًا، معلنًا عزمه تسريع إقرار قانون يحظر وصول الأطفال دون سن الخامسة عشرة إلى منصات التواصل الاجتماعى، بالتوازى مع منع استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية. 

ويعتبر عالم الاجتماع الفرنسى جيرالد برونر أن هذا التوجه يعكس “إدراكًا متأخرًا بأن الخوارزميات لا تكافئ المعرفة أو التفكير النقدى، بل الإثارة والانفعال، وهو ما يهدد التوازن النفسى والمعرفى للأطفال”.

أما بريطانيا، فتخوض نقاشًا داخليًا لا يقل حدة؛ فقد أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر أن حكومته تدرس فرض حظر على وسائل التواصل الاجتماعى على غرار النموذج الأسترالى، مع مراجعة سن الموافقة الرقمية الحالي. 

ويشير الباحث فى شئون الإعلام بجامعة أكسفورد كارل ميلر؛ إلى أن لندن تقف عند مفترق طرق بين حماية الأطفال والحفاظ على تقاليد راسخة تتعلق بحرية التعبير، وهو ما يجعل أى تشريع أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية.

 صدام مرتقب

فى شمال أوروبا، تتبنى بعض الدول مقاربات أقل صدامية؛ ففى الدنمارك، أعلنت الحكومة نيتها حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعى للأطفال دون سن الخامسة عشرة، مع السماح باستثناءات خاضعة لإشراف الوالدين.

أما النرويج، فقد اقترحت رفع سن الموافقة الرقمية إلى خمسة عشر عامًا، والعمل على تشريع يحدد سنًا دنيا مطلقة لاستخدام المنصات.

 ويرى الباحث النرويجى فى علم النفس الرقمى أندرس هانسن؛ أن إشراك الأسرة فى القرار يخفف من الطابع السلطوى للتشريعات، لكنه لا يحل مشكلة التصميم الإدمانى للمنصات.

وفى ألمانيا وإيطاليا، لا يزال نموذج الموافقة الأبوية قائمًا، غير أن منظمات حماية الطفل تشكك فى فعاليته.

 وتقول الخبيرة الألمانية فى سياسات الطفولة الرقمية إيفا كرامر؛ إن الاعتماد على الأسرة وحدها يفترض وعيًا تقنيًا غير متوفر لدى كثير من الآباء، فى مواجهة منصات تستثمر مليارات الدولارات فى إبقاء الأطفال متصلين أطول وقت ممكن.

 أما اليونان، فقد رحبت صراحة بالمبادرة الأسترالية، وأبرزت تجارب محلية مثل منصة KidsWallet وسياسة المدارس الخالية من الهواتف، معتبرة أن حماية الأطفال لم تعد مسألة تربوية فقط، بل قضية سيادة رقمية.

خارج أوروبا، تتجه كندا إلى دراسة فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعى للأطفال دون سن الرابعة عشرة، بينما أعلنت ماليزيا نيتها تطبيق حظر مماثل لمن هم دون السادسة عشرة اعتبارًا من عام 2026. 

ويرى محللون أن اتساع رقعة هذه السياسات يعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا بأن المخاطر الرقمية لم تعد حكرًا على ثقافة أو نظام سياسى بعينه.

فى الولايات المتحدة، يظل النهج مختلفًا، حيث يركز قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت على حماية البيانات بدلًا من حظر الاستخدام.

 ويشير أستاذ القانون بجامعة وست فرجينيا جيف كوسيف؛ إلى أن الولايات المتحدة تحارب نموذج الأعمال القائم على استغلال بيانات الأطفال، لا وجودهم على المنصات، وهو ما يجعلها أقل اندفاعًا نحو الحظر الشامل.

 توجه أوروبي

على المستوى الأوروبى، وافق البرلمان الأوروبى فى نوفمبر على قرار يدعو إلى تحديد سن دنيا تبلغ ستة عشر عامًا لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعى، مع إنشاء محفظة هوية رقمية أوروبية، وحظر الممارسات الرقمية الإدمانية مثل التمرير اللانهائى وأنظمة التوصية القائمة على التفاعل. 

ويؤكد الخبير البلجيكى فى سياسات الذكاء الاصطناعى توماس ريجين؛ على أن المعركة الحقيقية ليست حول العمر فقط، بل حول تفكيك النماذج الخوارزمية المصممة لجذب الانتباه بأى ثمن.

وتواجه المنصات تحديًا تقنيًا وأخلاقيًا فى مسألة التحقق من أعمار المستخدمين، إذ تعتمد على مزيج من الوثائق الرسمية، والبيانات البيومترية، وتحليل السلوك الرقمي. ومع ذلك، تعترف شركات التكنولوجيا بأن التمييز بين من هم فوق أو دون السادسة عشرة لا يزال غير دقيق.