حينما تجتمع الدبلوماسية الثقافية مع الريادة والتنوير المصرى
الوجه السياسى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب
إيهاب عمر
منذ تأسيسه عام 1969، لم يكن معرض القاهرة الدولى للكتاب مجرد تظاهرة سنوية لبيع الكتب أو لقاء تقليدى بين الناشرين والقراء، بل شكّل -فى جوهره- أحد أهم أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية، ونافذة استراتيجية استخدمتها الدولة لإعادة تعريف حضورها الإقليمى والدولى من خلال الثقافة، لا السياسة المباشرة.
سياق التأسيس
الدبلوماسية الثقافية، بوصفها أحد أشكال القوة الناعمة، تقوم على توظيف الفنون والمعرفة والتعليم والتراث فى بناء صورة إيجابية للدولة والتأثير فى وعى الشعوب الأخرى. ومن هذا المنظور، جاء تأسيس معرض القاهرة الدولى للكتاب متسقًا مع رؤية أوسع للدور المصرى فى محيطه الإقليمى والدولى.
الدبلوماسية الثقافية هى القدرة على التأثير فى الرأى العام الخارجى وبناء صورة إيجابية للدولة، دون لجوء للقوة العسكرية أو الضغوط السياسية المباشرة، هى القدرة على تقديم سردية الدولة للوعى الجمعى العالمى بأدوات ثقافية وفنية وليس أدوات دبلوماسية مباشرة أو سياسية أو عسكرية، لذا فإن مصطلح أن الكاتب والمثقف والفنان هو سفير بلاده فى الخارج لم يكن مبالغة.
اختيار عام 1969 لإطلاق المعرض، بالتزامن مع الاحتفال بالعيد الألفى لمدينة القاهرة، حيث مر 1000 عام على تأسيس مدينة القاهرة عاصمة الدولة المصرية، لذا فإن تأسيس معرضة القاهرة الدولى للكتاب لم يكن قرارًا إداريًا أو ثقافيًا محضًا، بل رسالة حضارية واضحة: مصر دولة ذات عمق تاريخى وثقافي، قادرة على مخاطبة العالم بلغة الفكر والمعرفة، لا فقط بلغة الشعارات السياسية.
منصة التنوير الإقليمى
أُقيم أول معرض القاهرة الدولى للكتاب فى يناير 1969، وكانت الافتتاحية الرسمية فى 22 يناير 1969 فى أرض المعارض بمنطقة الجزيرة بالقاهرة، حيث أطلقته المؤسسة العامة للكتاب المصرية تحت إشراف وزارة الثقافة آنذاك برئاسة ثروت عكاشة وبإشراف الكاتبة والباحثة سهير القلماوى.
وفى هذا التوقيت الصعب عقب حرب 5 يونيو 1967، كانت المنطقة غارقة فى بحور من اليأس والطاقة السلبية والسرديات الثقافية الانهزامية، وبعد المراجعات التى قامت بها الجمهورية المصرية حيال سياسات ما قبل يونيو 1967، تقرر إعادة توظيف الثقافة والفنون فى معركة استرداد الأرض وإعادة تأسيس الجمهورية المصرية ذاتها.
لعبت الثقافة المصرية دورًا تاريخيًا فى تحرير الشعوب العربية والإسلامية والإفريقية وحتى الآسيوية، بل وفى أمريكا اللاتينية اعترف فيدل كاسترو زعيم الثورة الكوبية بأن مصر بنضالها ضد الاستعمار كانت حاضرة فى أدبيات ثورة كوبا على الوصاية الأجنبية. إن سلطات الاحتلال البريطانى كانت تمنع وصول الصحف والمجلات المصرية أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين إلى دول الخليج العربى خاصة البحرين والكويت، وذلك لما فى الصحافة المصرية من نصوص تنويرية وثقافية وتاريخية ترى بريطانيا أنها مناهضة لرؤيتها فى إبقاء المنطقة ودولها وشعوبها تحت عباءة الجهل والتغييب.
لا يعتبر معرض القاهرة الدولى هو أول معرض للكتاب فى المنطقة العربية والإسلامية والإفريقية فحسب ولكنه كان باكورة أول مهرجان دولى للسينما، وتتويجًا لحقيقة أن مصر شهدت أول صناعة للصحافة والفن والسينما والمسرح والكتاب فى المنطقة قبل كل دولها، وحقيقة أن منصات مصر الفنية والثقافية لعبت دورًا أساسيًا فى تحرير شعوب المنطقة والعالم جنبًا إلى جنب مع السلاح والسياسة، وحقيقة أن منصات مصر الإبداعية رغم كل تطورات الزمن تظل حتى اليوم هى الأكثر رحابة وحرية ومساحات للحوار عن مثيلاتها فى المنطقة.
والعامل الأهم والحاسم فى كل ما سبق هو المواطن المصرى، سواء بصفته كقارئ فى المشهد الثقافى أو مشاهد فى المشهد الفنى، إنه الأكثر حضورًا من كل شعوب العالم وليس شعوب المنطقة فحسب فى كل الفعاليات الثقافية والفنية، إذ عادة ما تكون قاعات معارض الكتب فى الدول العربية والإسلامية شبه خاوية أو فارغة تمامًا، عكس القاهرة ومعارضها ومهرجاناتها السينمائية والفنية والثقافية، فالحضور الشعبى هو تفعيل للقوة الناعمة وتأكيد دور الدبلوماسية الثقافية.
ومصر هى صاحبة أول وزارة للثقافة فى العالم العربى والإسلامى والإفريقى ومنطقة الشرق الأوسط، حيث تأسست الوزارة عام 1958 ملحقة بوزارة الإرشاد القومى -وزارة الإعلام لاحقًا- فأصبحت الوزارة هى وزارة الإرشاد القومى والثقافة، وقد تولى الدكتور ثروت عكاشة عضو حركة الضباط الأحرار هذا المنصب مؤسسًا الوزارة عام 1958، وخلفه زميله فى حركة الضباط الأحرار الدكتور محمد عبد القادر حاتم منصب وزير الإرشاد القومى والثقافة عام 1961، وقد ابتكر الرئيس جمال عبد الناصر أسلوبًا إداريًا بأن يكون هنالك نائب لرئيس الوزراء وتحت يد هذا النائب عدد من الوزارات وكل وزارة بها وزير مسئول أمام هذا النائب وعلى وقع هذا الترتيب تم تعيين حاتم نائبًا لرئيس الوزراء للإرشاد القومى والثقافة والسياحة، وفى عام 1965 تمت تسمية الدكتور سليمان حزين وزيرًا للثقافة تحت إدارة الدكتور حاتم، ليصبح الدكتور حزين هو أول وزير للثقافة فى مصر عام 1965.
جسر ثقافى فى زمن الاستقطاب الدولى
وفى سياق الحرب الباردة وما بعدها من أنماط جديدة للحروب وصولًا إلى ما يجرى اليوم، لعب معرض القاهرة الدولى للكتاب دورًا فريدًا كمساحة تواصل ثقافى بين الشرق والغرب. فقد استقبل ناشرين ومؤسسات ثقافية من دول المعسكر الاشتراكى والرأسمالى على حد سواء، فى وقت كانت فيه القطيعة السياسية هى السمة الغالبة للعلاقات الدولية. وبهذا المعنى، تحوّل المعرض إلى منطقة حياد ثقافي، سمحت بتبادل الأفكار والكتب والرؤى بعيدًا عن الاستقطاب الحاد.
ترسيخ الدور الإقليمى لمصر
على المستوى العربى، أسهم المعرض في تثبيت مكانة مصر كقلب نابض للحياة الثقافية العربية. فقد كان المنبر الأوسع لعرض الإنتاج الفكرى العربي، وملتقى لتيارات فكرية متعددة، من أقصى المشرق إلى المغرب. كما دعم حركة الترجمة والنشر، وأسهم فى تداول الأفكار الوطنية والتنويرية التى شكّلت وجدان أجيال كاملة.
وأصبح مفهومًا للعالم أجمع، أن الأدب الصادر باللغة العربية أو الأدب العربى، بوابته الوحيدة هو مصر، فالكاتب فى كل الأقطار العربية، والناشر فى كل الأوطان العربية، يعرف جيدًا أن الكتاب الذى لا يمر بالقاهرة هو كتاب لم يصدر بعد، وأن الناشر الذى لا يتواجد بمعرض القاهرة للكتاب ومكتبات القاهرة هو ناشر لم يطبع إنتاجه بعد، وبالتالى فإن بوابة الشهرة والجماهيرية والقراءة والجوائز واعتماد شعبى أنك كاتب أو ناشر لا يتم ولن يحدث سوى عبر بوابة القاهرة الثقافية ومنصتها للدبلوماسية الثقافية ألا وهى معرض القاهرة الدولى للكتاب.
الثقافة كبديل للدبلوماسية فى أوقات الصمت الرسمى
ربما يتجلى الدور الدبلوماسى الثقافى للمعرض بوضوح أكبر خلال الفترات التى شهدت فيها العلاقات الدولية توترًا بين مصر وبعض جيرانها، خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام عام 1979، ففى الوقت الذى تراجعت فيه العلاقات السياسية مع عدد من الدول العربية، ظل معرض القاهرة الدولى للكتاب قائمًا، محتفظًا بقدرته وأدواته على التواصل الثقافى والفكرى.
فى تلك المرحلة، أدت الثقافة دور «الجسر المؤقت» الذى حافظ على خيوط التواصل، وأثبت أن الروابط الثقافية أعمق وأطول عمرًا من الخلافات السياسية العابرة.
مدفعية الدبلوماسية الثقافية
على مدار أكثر من خمسة عقود، نجح معرض القاهرة الدولى للكتاب فى أداء دور يتجاوز وظيفته التقليدية، ليصبح أحد أعمدة الدبلوماسية الثقافية المصرية. فقد حافظ على صورة مصر كدولة معرفة وحوار، وضمن استمرار تأثيرها الثقافى حتى فى أصعب اللحظات السياسية.
وفى عالم تتراجع فيه فاعلية الخطاب السياسى المباشر، تظل الثقافة -كما يثبت تاريخ المعرض- إحدى أكثر أدوات التأثير استدامة وعمقًا، وقادرة على ما تعجز عنه أحيانًا السياسة الصلبة.
معرض القاهرة الدولى للكتاب يتخطى حاجزالـ3 ملايين زائر خلال أسبوعه الأول
تخطى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابعة والخمسين حاجز الـ3 ملايين زائر خلال أسبوعه الأول منذ فتح أبوابه للجمهور، حيث شهد المعرض إقبالًا جماهيريًا واسعًا بلغ نحو 467,512 زائرًا، ليصل إجمالى عدد رواد المعرض حتى الآن إلى 3,034,030 زائرًا.
معرض الكتاب يحتفى بإصدارات رومانية مترجمة
يحتفى معرض القاهرة الدولى للكتاب بصدور كتابين مترجمين عن اللغة الرومانية، صادرين عن المركز القومى للترجمة، ويأتى هذا الاحتفال فى إطار مد جسور التواصل المعرفى بين الثقافات، وتعزيز حضور الأدب العالمى فى اللغة العربية، بوصف الترجمة فعلًا حضاريًا لا غنى عنه.
مخطوط جاوز عمره 700 عام بمعرض الكتاب
يعرض متحف مكتبة الأزهر بجناح الأزهر الشريف ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب مخطوط (أسباب النزول) للإمام الواحدي، ويعد من أمهات الكتب التراثية المتخصصة فى علوم القرآن، والذى جاوز عمره أكثر من سبعمائة عام.







