الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

محيى الدين اللباد.. الفيلسوف العاشق لـــ« أن فى وجهنا نظر»

بين المعلّم والناقد والفنان يُمكن مقاربة تجربة الفنان الكبير محيى الدين اللباد (1940 - 2010) الذى يتم الاحتفاء به هذا العام ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولى لكتاب الطفل فى دورته السابعة والخمسين المقام بمركز مصر للمعارض بالتجمع الخامس وذلك تقديرًا لدوره المهم فى تصميم الكتب والمجلات والرسم للأطفال وأيضًا للتعريف بمشواره الفنى وسيرته الذاتية وأهم أعماله وكتبه التى أثرت بشكل كبير فى عدة أجيال..  



«اللباد» لم يفصل مشروعه البصرى عن معرفته الغنية بالتراث واشتباكه مع واقع الحياة وقضاياه الراهنة ومع فلسفة الصورة أيضاً. عبّر صاحب كتاب «حواديت الخطاطين» عن رؤية خاصة تجاه الإبداع عبّر عنها بمقولته «الفن الذى يمكّنك من خلق عالم بهيج لأنه متّسق ومقنع وحقيقي»، رؤية جعلته أكثر قرباً من الطفل وتوقاً إلى التجديد فى تجاربه المتعدّدة بدءاً من الكاريكاتير ومروراً بتصميم الكتب والرسم والجرافيك وليس انتهاء بتأليف الكتب المصوّرة.

الفنان الكبير «محيى الدين اللباد» المولود بحى المغربلين لأب عالم ازهرى.. سعى فى كتابه «كشكول الفن» إلى تقديم خلاصة تجربته كفنان ومصّمم كتب إلى القراء، صغارً وكباراً، لكنه كان فى أسلوبه كمن يدير ورشة قائمة على التعليم والتعلّم، فروحه المتواضعة وفهمه للعملية الإبداعية دفعتاه إلى الابتعاد عن التلقين والتعامل مع المتلقى باعتباره شريكاً وصاحب رأي فى كلّ ما أنتجه.

أما فى «لغة بدون كلمات» فرصد الإشارات المرسومة على الورق والجدران فى أكثر من مستوى؛ الأول إيصال تاريخ العلامة وتطوّرها وصولاً إلى توظيفها فى الفن المعاصرة بلغة بسيطة وشارحة لكلّ غموض، ثم الذهاب نحو تأويلها فلسفياً وربطها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية، إلى جانب تذوقّها جمالياً بعيداً عن وظيفتها التى أنشئت من أجلها.

فى مشروعه «نظر» الذى صدر فى أربعة أجزاء، لا يخفى على القارئ متابعته لمستجدات الفنون البصرية وكل ما يقع تحت نظره ويكتشف صلته بالفن وكأنها تمارين يمارسها مع قارئه لإعادة النظر نحو ما يحيط بنا والبحث عن قراءات جديدة للشكل وحضوره، واجتهاده فى تقديم وجهة نظر نقدية لا تنقصها المعلومة ومحاولة إدراك العلاقات بين الأشياء.

يقول بنبرة ساخرة فى تقديم الكتاب إنه يتمتع بـ«صفاقة الإفتاء والإدلاء بالآراء والمجاهرة بتسجيلها كتابة «وبالعربية الفصحى» ونشرها علناً، ومن الادعاء وتقمّص دور الأستاذ أحياناً»، ويتبعها ببيت الشاعر اللبنانى بشارة الخورى «إن عشقنا فعذرنا أن فى وجهنا نظر»، وهو اختيار يعود إلى الدلالات المركبة لـ «نظر»، بحسب رؤيته، حيث تجمع التذوق والنقد والتأويل، خلافاً لـ«بصر» التى اعتبرها محدّدة فى دلالاتها ومعناها.

تتنوّع الموضوعات التى يتناولها اللباد بالكلمة والصورة فى هذا الكتاب، فمنها «شرّ الطريق» الذى وضعه عنواناً لجملة ملاحظاته حول الاختلافات التى طرأت على الشارع فى القاهرة، مسهباً فى شرح التلوّث الإعلانى من ألوان وأشكال وجوه، وانتقاده لإعلان نشرته «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 1985 تطلب مصمّمين لـ»ميكى ماوس» متسائلاً عن هوية «الفأر القومي» المستنسخ عن والت ديزني.

إلى جانب تقديمه لأعمال عدد من رسامى الكاريكاتير والفنانين المصريين مثل جورج بهجورى والكسندر صاروخان وعبد السميع نجم، وحروفيات لعدد من الخطاطين منهم ابن مقلة حامد الآمدى ونظرته إلى تقاليد صناعة المخطوطات العربية. يكتب اللباد كأنه يرسم بخطوط واضحة وصارمة وحاسمة، ويرسم كما يرى الأشياء بوضوح وسلاسة وانسياب، حيث لا فاصل بين الصورة والكتابة، وبين الصورة والحياة.