الخميس 26 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا تفعل مثل يوسف زيدان!

قطعًا.. تقف مجلة «روزاليوسف» ضد أى شكل من أشكال الحجب أو المصادرة أو المنع، وضد أى تدخل فى تداول الكتب والأفكار، هذه معركة قديمة خاضتها المجلة منذ تأسيسها، ودفعت أثمانها غالية دفاعًا عن حق القارئ فى المعرفة، وحق الكاتب فى التعبير.. وهذا ليس أبدًا محل نقاش.



لكن الدفاع عن حرية النشر لا يعنى القبول بتحويلها إلى أداة دعاية، ولا تحويل «المنع» إلى حيلة تسويقية، ولا تحويل سوء الفهم إلى بطولة ثقافية مصنوعة على عجل.

القصة بدأت حين كتب يوسف زيدان على صفحته الشخصية، يدعى أن ناشر روايته «سفر العذارى»، تلقى اتصالًا يفيد بسحب الرواية من معرض القاهرة الدولى للكتاب، وإلغاء حفل التوقيع بالمعرض.

فى المقابل، خرج الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذى للمعرض، لينفى الواقعة تمامًا، مؤكدًا أن الرواية لم تمنع، وأن حفل التوقيع لم يكن مدرجًا من الأساس ضمن جدول الفعاليات الرسمية للمعرض، رد سريع وعلنى وحاسم على ادعاءات زيدان.

لكن للأسف لم ينته الجدل برد الدكتور مجاهد الواضح والحاسم. وزاد الكاتب يوسف زيدان من أحاديث المنع والمصادرة والمظلومية، لكن بعد يوم كامل من الجدل، عاد زيدان نفسه يقر فيه بحدوث «سوء فهم»، وأن الرواية لم تمنع، ولا يوجد قرار رسمى بسحبها.

ربما بهذا الشكل انتهت الواقعة، لكنها بدأت ثقافيًًا أزمة أعمق، المشكلة ليست فى خطأ تقدير أو سوء فهم عابر، المشكلة أن كاتبًا كبيرًا بحجم يوسف زيدان لجأ سريعًا إلى سردية «المنع» قبل التحقق الكامل، وهو يعرف جيدًا ما تمثله هذه الكلمة فى الوعى الثقافى العربي.. ربما أغرته بطولة جاهزة، وتعاطف فورى، ومبيعات أعلى، وضجة إعلامية مجانية.. أغراه أن يكون الأديب المعلق على صليب الحريات.

لا نشكك طبعًا فى نوايا زيدان.. لكن الأزمة الأكبر أن يكون كتابنا الكبار المطلوب منهم تصحيح المفاهيم هم أول ضحايا سوء الفهم، وسبب فى سوء التفاهم. أن يتحول المثقف نفسه إلى جزء من ماكينة الإثارة، وأحد ضحاياها.

ما نخشاه أن تتحول القيم النبيلة إلى أدوات سوقية، إن أخطر ما فى هذه الواقعة ليس نفى المعرض ولا تراجع الكاتب، بل الرسالة التى تصل إلى الجمهور، أن «المنع» يمكن استخدامه كوسيلة جذب، وأن الاتهام أخف من التحقق، وأن صورة المثقف «المظلوم» يمكن تصنيعها فى بوست على الفيسبوك.

وهذا يسيء للمثقفين أكثر مما يسيء للمؤسسات. نحن نراهن على الكتاب والمفكرين بوصفهم صوت العقل، وضمير اللحظة، وحائط الصد ضد التزييف وسوء الفهم، وإذا كنا نتحدث عن حرية النشر، لكننا ندافع أيضًا عن معناها. فالحرية ليست سلعة دعائية، وليست «لافتة عرض»، وليست بطاقة خصم على غلاف رواية. 

وما حدث يطرح سؤالًا ثقافيًا مهمًا.. هل الكتاب يقرأ لأنه كتاب جيد؟ أم لأنه «ممنوع»؟

لا نطلب الصمت فى حالة المنع، بل نطلب أن يتحقق المثقف قبل أن يتهم، وأن يدرك أن كلماته لا تقرأ بوصفها رأيًا شخصيًا فقط، بل باعتبارها شهادة مثقف له مكانته وتأثيره.

فالحرية لا يحميها الضجيج.. بل بالدقة.. ولا تصان بالاتهام السريع.. بل بالمسئولية.