الأوقاف ترد على منكرى الإسراء والمعراج:
الرحلة وقعت خارج حدود الزمن المادى
صبحى مجاهد
فى كل عام، ومع حلول شهر رجب، تتجدد واحدة من أعمق القضايا العقائدية فى الوعى الإسلامى، وهى معجزة الإسراء والمعراج، ليس بوصفها ذكرى تاريخية فحسب، بل باعتبارها ميدانًا مفتوحًا للجدل بين الإيمان والتشكيك، وبين التسليم بقدرة الله المطلقة ومحاولات إخضاع الغيب لقوانين المادة.
وفى هذا السياق، جاء طرح وزارة الأوقاف المصرية ليقدّم ردًّا علميًّا وتحليليًّا رصينًا على شبهات إنكار الإسراء والمعراج، مؤكدًا أن جوهر الخلاف لا يدور حول الحدث ذاته، بل حول مفهوم المعجزة وحدود العقل البشرى.
جوهر الشبه
يرتكز منكرو الإسراء والمعراج على دعوى ظاهرها عقلانى، مفادها أن انتقال النبى محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عروجه إلى السماوات العلا وعودته فى جزء من ليلة واحدة، أمرٌ يستحيل قبوله لأنه يخالف القوانين الطبيعية المألوفة.
ويذهب المشككون إلى أن اجتماع هذا الكم من الأحداث العظيمة فى زمن وجيز، مع بقاء الواقع الأرضى على حاله، دليل- فى تصورهم- على عدم منطقية الرواية.. غير أن هذا الطرح، كما توضح وزارة الأوقاف، ينطلق من افتراض خاطئ، وهو أن المعجزة يجب أن تخضع للقوانين التى تحكم الظواهر المادية، بينما الحقيقة أن المعجزة فى أصل تعريفها خرقٌ لتلك القوانين.
سوء الفهم الجوهرى
والاعتراض على الإسراء والمعراج بسبب قصر الزمن مقارنة بعظمة الحدث، هو- بحسب الطرح التحليلى للأوقاف- خلل فى فهم طبيعة الزمن ذاته، فالزمن ليس كيانًا مستقلًا عن إرادة الله، بل هو مخلوق من مخلوقاته، يخضع لتقديره وتصريفه، يوقفه حيث شاء، ويطلقه حيث شاء.
ولو كانت المعجزة خاضعة لقوانين الفيزياء، لما كانت معجزة أصلًا. وقد أثبت القرآن الكريم، من خلال نماذج واضحة، أن التحكم فى الزمن أمر إلهى خالص.
شواهد قرآنية
تؤكد وزارة الأوقاف أن من ينكر الإسراء والمعراج لا يعترض فى الحقيقة على شخص النبى، وإنما- من حيث لا يشعر- يعترض على قدرة الله ذاته، فالقرآن لم ينسب الفعل إلى النبى، بل نسبه إلى الله مباشرة: سُبحَنَ ٱلَّذِي أَسرَى بِعَبدِه لَيلا).
خلاصة الموقف
تخلص وزارة الأوقاف المصرية إلى أن الإسراء والمعراج معجزة إلهية مكتملة الأركان، تثبت أن الله هو المهيمن على الزمان والمكان، وأن العقل السليم لا يتصادم مع الإيمان، بل يقوده إليه حين يُدرك حدوده.
وأن إنكار المعجزة ليس تقديسًا للعقل، بل اختزال له فيما اعتاده من قوانين، ونسيان لحقيقة أن الله على كل شيء قدير.
وهكذا يبقى الإسراء والمعراج شاهدًا خالدًا على أن الإيمان الحق لا يعطل العقل، وإنما يحرره من وهم الإحاطة، ويعيده إلى موضعه الطبيعى: شاهدًا على القدرة، لا قاضيًا عليها.







