ركيزة الاستقرار
روزاليوسف
فى لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تعود مقولة الرئيس عبد الفتاح السيسى «لن ترونا إلا معًا» لتفرض نفسها كعنوان دالّ على طبيعة العلاقات المصرية-السعودية وأهميتها وضروريتها، ليس بوصفها علاقة ثنائية تقليدية، وإنما كشراكة استراتيجية عميقة تقوم على وحدة الرؤية وتكامل الدور وتطابق المصالح، وتُمثل إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المنطقة وصون الأمن القومى العربي.
فالعلاقات بين القاهرة والرياض لم تكن يومًا رهينة الظرف أو أسيرة اللحظة، بل تأسست عبر عقود طويلة على إدراك مشترك بأن أمن البلدين واحد، وأن استقرار المشرق العربى والخليج والبحر الأحمر لا يمكن فصله عن هذا التوافق المصري-السعودى الذى أثبت، عبر محطات تاريخية متعددة، قدرته على ترجيح كفة التوازن والاعتدال فى مواجهة الفوضى والاحتراب والانقسام.
ويأتى استقبال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى لسمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، فى هذا السياق الدقيق، ليؤكد من جديد أن التنسيق السياسى بين البلدين ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحديات المتشابكة التى تواجه المنطقة.
فقد عبّر الرئيس بوضوح عن تقدير مصر للقيادة السعودية وجهودها التنموية، مشددًا على الحرص المتبادل على تعزيز التعاون فى مختلف المجالات، وعلى أهمية الإعداد لانعقاد مجلس التنسيق الأعلى المصري-السعودي، بوصفه إطارًا مؤسسيًا يعكس عمق الشراكة ورغبة القيادتين فى الانتقال بالعلاقات إلى آفاق أوسع وأكثر تأثيرًا.
ولعل الأهمية الحقيقية لهذا اللقاء، وما تلاه من مباحثات ثنائية بين وزيرى خارجية البلدين، تتجلى فى تطابق الرؤى تجاه القضايا الإقليمية الملتهبة، من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى الصومال والقرن الإفريقي. ففى كل هذه الملفات، يتكرر الموقف ذاته: رفض الحلول العسكرية، والتأكيد على التسويات السياسية، والحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها، والتصدى لأى محاولات لفرض وقائع جديدة أو تقسيم الكيانات الوطنية.
إن التوافق المصري-السعودى فى الرؤية تجاه القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، يمثل صمام أمان حقيقيًا فى لحظة يحاول فيها البعض تفكيك الجغرافيا السياسية وفرض حلول قسرية. كما أن التنسيق المشترك بشأن السودان واليمن والصومال يعكس إدراكًا مشتركًا بأن انهيار الدول الوطنية لا يهدد شعوبها فقط، بل يفتح أبواب المنطقة بأسرها أمام موجات جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار.
ولا يمكن إغفال البعد العربى الأشمل لهذا التوافق، إذ تمثل القاهرة والرياض معًا عمود الخيمة العربية، وركيزة رئيسية للأمن القومى العربي، وقوة دفع أساسية لأى مشروع إقليمى يقوم على الاستقرار والتنمية واحترام سيادة الدول. ومن هنا، فإن استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين لا يخدم مصالحهما الوطنية فحسب، بل يصب مباشرة فى مصلحة المنطقة العربية بأسرها.
فى النهاية، تبدو مقولة «لن ترونا إلا معًا» أكثر من مجرد عبارة سياسية؛ إنها تعبير مكثف عن فلسفة شراكة، وخيار استراتيجي، ورسالة واضحة مفادها أن مصر والسعودية، حين تتوافق رؤاهما، تمنحان المنطقة فرصة حقيقية للنجاة من دوائر الصراع، والعبور نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.







