الإثنين 5 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
‎ ‎مخاطر اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»!‏

‎ ‎مخاطر اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»!‏

شىء  طبيعى جدا من إسرائيل أن تتجاهل القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة وهى تعترف ‏بـ«أرض الصومال» أو «صومالي لاند» دولة مستقلة ذات سيادة، لتكون الدولة الوحيدة فى ‏العالم التى تفعلها دون أن تخشى أى عواقب، وحين عقد مجلس الأمن جلسة لمناقشة اعترافها ‏الأُحادى، تصدت الولايات المتحدة كالعادة للدفاع، واستخدمت عبارات حادة كأنها تنتقد ‏الجلسة باعتبارها «مضيعة للوقت»، و«تشتت الانتباه عن العمل الجاد لمعالجة قضايا السلم ‏والأمن الدوليين، بما فى ذلك الشرق الأوسط والقرن الإفريقى»، ويبدو أن أمريكا ترى فى ‏تفكيك دولة ما فى القرن الإفريقى لا يمثل تهديدا للسلام، مع أن ما حدث فى الصومال يمكن ‏أن تقلده أقاليم كثيرة فيها نزاعات عرقية وطائفية وحدودية، مما يسبب توترات عالمية لا ‏يمكن السيطرة عليها!‏



 

المدهش أن الولايات المتحدة قارنت بوقاحة بين اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»، ‏واعتراف دول أعضاء فى مجلس الأمن بدولة فلسطينية ليس لها وجود، واتهمت المجلس ‏بازدواجية المعايير، وهى مقارنة لا تمت لحقائق الواقع بأى صلة، وتعد دليلا يضاف إلى ‏مئات الأدلة على ما صنعته الولايات المتحدة من اضطربات فى العالم، بعد الحرب العالمية ‏الثانية.‏

والسؤال البسيط: لماذا اعترفت إسرائيل الآن بـ«أرض الصومال»  التى تنقب عن أى دولة ‏تعترف بها منذ عام 1991؟

قبل الإجابة عن هذه السؤال المهم، قد نحتار فى توصيف نظام الأمن القومى العربى، ومن ‏مكوناته البحر الأحمر والقرن الإفريقى، ونتعجب من دور مؤسسته الأم وهى جامعة الدول ‏العربية فى حماية هذا الأمن، دور غائب كليا فى صراعات وحروب وانقسامات ضربت ‏المنطقة العربية فى الصميم، فتمزقت أوصال دول كثيرة فيها: السودان، واليمن والعراق، ‏وسوريا، وليبيا واليمن والصومال، بل وراحت دول منه تتفاوض على سلام وهمى مع ‏إسرائيل باسم الاتفاقات الإبراهيمية، وهى دول بلا حدود تماس مع إسرائيل، نعم لم يعد نظام ‏الأمن الإقليمى العربى صالحا بوضعه الحالى!‏

نعود إلى السؤال: لماذا الاعتراف الإسرائيلى الآن؟، الإجابة لها جوانب كثير.

أولا: هو محاولة جديدة من بنيامين نتنياهو للهروب من أزماته الداخلية وإنقاذ حكومته من ‏السقوط، بنقل دائرة التوتر إلى مساحات محيطة بالإقليم، خاصة بعد الاتفاق الهش لوقف ‏الحرب فى غزة.‏

ثانيا: استغلال فرصة انشغال المجتمع الدولى بأزمات أكثر خطورة وأهمية مثل الحرب فى ‏أوكرانيا، والحرب التجارية العالمية، والوضع فى غزة، لتستكمل عمل الموساد فى القرن ‏الإفريقى لسنوات طويلة، بمد النفوذ الإسرائيلى إلى مناطق غير تقليدية.‏

ثالثا: السعى إلى بناء قاعدة عسكرية تطل على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر، لتصبح ‏نقطة مراقبة وتأمين لخطوط التجارة، وبلاغ من إسرائيل لحلفائها الغربيين بأنها شريك نشط ‏وفعال فى حماية الملاحة العالمية.‏

رابعا: رسالة مزدوجة إلى إيران والحوثيين بأن إسرائيل بات لها مسرح عمليات قريب منهم، ‏قادر على تطويقهم من الجنوب.‏

خامسا: تثبت قدرتها على ضم دول إلى الاتفاقات الإبراهيمية، بالرغم من كل ما فعلته فى ‏غزة من جرائم حرب.‏ سادسا: سبق لحكومة إسرائيل أن بحثت إمكانية نقل الفلسطينيين من غزة وتوطينهم فى ‏مناطق بالقرن الإفريقى، وقالت فضائية إسرائيلية إن الاعتراف والدعم المالى قد يعنى قبول ‏أرض الصومال للهجرة الفلسطينية.‏

مؤكد أن وجود إسرائيل فى «صومالي لاند» هو تحدٍّ خطير للأمن القومى العربى فى مدخل ‏البحر الأحمر، وهو ما تنبهت له مصر مبكرا، فقوَّت علاقاتها مع «الصومال» وصار لها ‏وجود محسوس وأدوات ومراكز مؤثرة، يمكنها أن تعرقل إنشاء أى قاعدة عسكرية إسرائيلية ‏فى «أرض الصومال»!، أى أن الاعتراف الإسرائيلى بمثابة فتح جبهة جديدة للصراع، وهنا ‏نتعجب من تأييد الولايات المتحدة للخطوة الإسرائيلية الخطيرة، فى منطقة شديدة الحساسية ‏وهى مدخل البحر الأحمر، ولا يمكن أن تقبل الدول المطلة عليه «نفوذا ضاغطا» على ‏مصالحها الحيوية فيه، بينما الرئيس الأمريكى يتحدث عن السلام ويحلم بجائزة نوبل.‏

والسؤال الآخر: لماذا احتفت أرض الصومال بالاعتراف الإسرائيلى؟

أزمة «صومالي لاند» تعود إلى عام 1991، حين نشبت الحرب الأهلية فى البلاد بعد سقوط ‏نظام سياد برى، ونتج عنه فراغ سياسى بعد انهيار مؤسسات الدولة، فالفصائل المسلحة ‏أطاحت بالسلطة المركزية، ولم تكن تملك خطة بديلة، فتفككت الدولة بين القبائل والحركات ‏الدينية المتشددة، كل فصيل فرض سطوته ونفوذه على منطقة، فانتقلت السلطة من المؤسسات ‏إلى الجماعات المسلحة، تتناقل بين المناطق حسب التغيرات التى تحدث فى موازين القوة!، ‏ولم تفلح أبدا جهود الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى فى بناء سلطة مركزية، حتى مع الإبقاء ‏على الكيانات شبه المستقلة، وقد لعبت تدخلات إثيوبيا المباشرة دورا محوريا فى دوام ‏الفوضى، حتى تشغل الصومال عن المطالبة بأقليم «أوجادين» الذى تعتبره الصومال جزءا ‏من أراضيها، نقله الاستعمار البريطانى إلى السيادة الإثيوبية فى سنة 1897، بالإضافة إلى ‏أدوار إسرائيل والدعم الأمريكى الغربى فى عدم إطفاء النيران!‏

ويبدو أن تاريخ الصومال نفسه لعب دورا فى هذا التشرذم، فالصومال كانت تحت نوعين من ‏الاحتلال، بريطانى فى الجزء الشمالى، وإيطالى فى الجزء الجنوبى، ثم توحد الإقليمان فى ‏يوليو عام 1960 بعد الاستقلال.‏

وأعادت الحرب الأهلية الإقليمين إلى ما قبل 1960، فأخذت «أرض الصومال» موقفا ‏انفصاليا، فصكت عملة خاصة بها، وجوازات سفر، وأنشأت جيشًا وحكومة مستقلة، وراحت تسعى ‏إلى اعتراف دولى لم تحصل عليه إلا من إسرائيل.‏

المدهش حقًا أن دوافع الانفصال ليست عرقية أو دينية، فسكان أرض الصومال فى الشمال، ‏وعددهم ستة ملايين ومائتى ألف نسمة، مسلمون، ولهم نفس الانتماءات القبلية التى فى ‏الجنوب « إسحاق ودارود، وسمارون»، ويبررون دوافعهم بالتهميش والتمييز الذى عانوا منه ‏طويلا، ورغبة فى الفرار من الفوضى التى عاشتها مقديشيو سياسيا واقتصاديا بعد الحرب ‏الأهلية.‏

ولهذا تباينت ردود فعل أهل «أرض الصومال» تجاه الاعتراف الإسرائيلى بدولتهم بين حفاوة ‏شديدة ومظاهرات مناهضة، وتفاوت الموقف بين السلطة الباحثة عن الاعتراف الدولى ‏ويؤيدها غالبية نسبية من الشعب، وقطاع محسوس من الشعب يعادى إسرائيل ويرفض ‏اعترافها.

‏ من الناحية الرسمية وفى مدن عديدة، خرج عشرات الآلاف من الصوماليين الشماليين ‏يحتفلون وهم يرفعون علم أرض الصومال الانفصالى وعلم إسرائيل، وفى الملعب الرئيسى ‏بالعاصمة هرجيسا تجمع الآلاف بالأعلام يهتفون بالنصر وكسر العزلة الدولية التى تجاوزت ‏خمسة وثلاثين سنة.‏

على الضفة الأخرى وفى بعض المدن خرجت مظاهرات أغلبها من قبيلة السمارون رافعة ‏أعلام فلسطين، ورددت شعارات داعمة للقضية الفلسطينية، ورافضة لأى وجود إسرائيلى فى ‏أرض الصومال، وأن الاحتفاء الرسمى لا يمثل الإرادة الشعبية، وأن الاعتراف الإسرائيلى ‏هو قرار سياسى من السلطة الانفصالية وليس من الشعب، وأنه خيانة للقيم الأخلاقية ‏والتضامن مع الشعب الفلسطينى!‏

باختصار، تضع «أرض الصومال» الأمن القومى العربى والأمن القومى المصرى أمام اختبار ‏استراتيجى جاد، وحسنا ما فعلته مصر من تكثيف اتصالاتها مع دول العالم، التى أعلنت ‏معظمها رفضها للاعتراف الإسرائيلى، ووصفته بأنه تهديد للسلام والأعراف الدولية، بل إن ‏الولايات المتحدة التى دافعت فى مجلس الأمن عن قرار إسرائيل أعلنت أنها لن تقدم على ‏هذه الخطوة ولن تعترف بـ«أرض الصومال».‏

‏ باختصار، اعتراف إسرائيل ليس استغلالا لانشغال العالم فى قضايا حيوية أهم من أرض ‏الصومال البالغة 176 ألف كيومتر مربع، وإنما هو استغلال لحالة عربية مرتبكة، سمحت ‏للذئب الإسرائيلى أن يتوحش!‏