الخميس 19 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حين تتكلم الموسيقى بلغة السياسة

وللحروب فنون

فى زمن تتغير فيه أدوات النفوذ، وتتبدل ساحات الصراع، لم تعد المعارك تُخاض فقط عبر الجيوش أو العقوبات؛ بل باتت المهرجانات الفنية، والمنصات الثقافية ميدانًا للقوة الناعمة. 



ففى الوقت الذى يتواجه «الغرب»، و«روسيا» فى ملفات السياسة، والطاقة، والأمن، تدور معركة موازية على مسارح الغناء، وعبر شاشات التلفاز، تحت عناوين براقة، وموسيقى تصدح بمضامين تتجاوز الترفيه؛ إذ اختارت «روسيا» أن تخوض معركتها هذه المرة ليس فى الميدان العسكرى كما اعتادت؛ بل فى ميدان مختلف. فقد قررت «موسكو» الرد على استبعادها من مسابقة «يوروفيجن» بإطلاق نسخة موازية تحمل اسم «إنترفيجن».

وتحمل عودة مسابقة «إنترفيجن» الغنائية إلى الواجهة، فى نسخة مدعومة- رسميًا- من (الكرملين)، رمزية كبيرة فهى مصمّمة لتكون ردًا صريحًا ومباشرًا على القرار الأوروبى بمنع المشاركة الروسية. 

 من «موسكو» إلى العالم

شهدت العاصمة الروسية «موسكو» - الأسبوع الماضى-  ختام النسخة الجديدة من مسابقة «إنترفيجن»، وسط احتفالية ضخمة أُقيمت فى قاعة (Live Arena)، التى تتسع لنحو 11 ألف مُشاهد؛ إذ حضرها فنانون ومشاركون من أكثر من 20 دولة. 

كما أُعلن فوز المغنى الفيتنامى «دوك فوك» بالجائزة الأولى، بعد تقديمه عرضًا مستوحى من حكاية شعبية عن مَلك حارب الغزاة فى أداء جمع بين الغناء، والاستعراض، والألعاب النارية، لينال إشادة لجنة التحكيم، وجائزة مالية قدرها 30 مليون روبل (أى نحو 360 ألف دولار)؛ كما حصلت «قيرجيزستان» على المركز الثانى، و«قطر» على المركز الثالث. وقد عُرض الحفل مباشرة على التليفزيون الروسى، وبُث فى أجزاء واسعة من «آسيا، وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية».

وبشكل عام، لم تكن عودة «إنترفيجن» وليدة الصدفة.. ففى فبراير الماضى، أصدر «بوتين» أمرًا مباشرًا بإحياء المسابقة، التى تعود جذورها إلى الحقبة السوفيتية، حين كانت تقام فى «بولندا» بين الستينيات والسبعينيات، وتجمُّع دول الكتلة الشرقية. لكن، النسخة الجديدة جاءت بحجم مختلف، وتطلعات أوسع، ورسائل أكثر وضوحًا؛ فى وقت تعانى فيه «روسيا» من عزلة متزايدة عن المؤسّسات الغربية، لا سيما بعد طردها من مسابقة «يوروفيجن» فى عام 2022، عقب الحرب الأوكرانية. 

ومن هنا، أدركت «موسكو» أنه لا بُدّ من وجود منصة بديلة تستوعب الفن الروسى، وتفتح المجال أمام دول صديقة لها، من أجل تقديم نفسها من خلالها؛ وهو ما أعاد مسابقة «إنترفيجن» بحلته العالمية، مع دعوات لحلفاء استراتيجيين مثل: «الصين، والهند، والبرازيل، وبيلاروسيا»، وغيرهم.

 إنترفيجن VS. يوروفيجن

قبل استبعادها، كانت «روسيا» تشارك بانتظام فى مسابقة «يوروفيجن» الأوروبية، التى تعد واحدة من أكثر الفعاليات- غير الرياضية- مشاهدة حول العالم؛ حيث تابع نسختها الأخيرة فى عام 2025 الجارى نحو 166 مليون مُشاهد، وحققت محتواها عبر الإنترنت مليارىّ مُشاهدة. 

ورغم طابعها الفنى؛ فإن «يوروفيجن» لطالما كانت محملة بدلالات سياسية وثقافية؛ خصوصًا من خلال تسليطها الضوء على الأفكار الغربية مثل: حقوق المثليين، والحرية الفردية، وغيرهما؛ إلا أن «روسيا» كثيرًا ما كانت تصطدم مع هذا التوجه، مثلما حدث عام 2014 حين فازت فى المسابقة النمساوية «كونشيتا ورست»، أو «توماس نويورث» هو مطرب ذكر يعيش فى ملابس أنثى، رغم أنه ليس من المتحولين جنسيًا؛ الأمر الذى انتقده «بوتين» شخصيًا، واعتبره تعبيرًا عن تدهور القيم الغربية.

وبعيدًا عن هذا الحدث؛ فإن كلتا المسابقتين تحمل رؤية متناقضة؛ إذ تعد «يوروفيجن» مثالاً للفكر الغربى، الذى ينادى بقبول تعدد الهويات، والفكر الليبرالى المتحرر والذى لا يعرف حدودًا لأى شىء؛ أمّا «إنترفيجن» فتعكس توجهًا محافظًا، قائمًا على القيم العائلية، والثقافة الوطنية؛ وهو ما أكده وزير الخارجية الروسى «سيرجى لافروف» خلال مؤتمر صحفى حينما قال، إنه: «يجب الحفاظ على التقاليد، والثقافات الوطنية، وكذلك القيم الدينية، والروحية، والأخلاقية». 

ورغم إصرار «روسيا» على أن «إنترفيجن» ليست حدثًا سياسيًا؛ فإن كل تفاصيل التنظيم، من اختيار الدول المشاركة، إلى تصريحات المسئولين، وحتى تصميم العروض، تؤكد أن المسابقة أداة قوة ناعمة بامتياز، مُصمّمة لتكون مضادة لنموذج «يوروفيجن»-  التى تعد أداة أيضًا-، بل تنافسه عالميًا.

من جانبه، قال «سيرجى كيريينكو»، رئيس مجلس إدارة «إنترفيجن»: إن الدول المشاركة تمثل أكثر من نصف سكان العالم.. فى إشارة إلى أن (روسيا ليست وحدها)؛ بل لا تزال قادرة على استقطاب جمهور، وتحالفات بعيدًا عن «الغرب». 

بل يذهب بعض المحللين إلى أن المسابقة تُستخدم داخليًا- أيضًا- كأداة دعائية لطمأنة الرأى العام الروسى، بأن البلاد ما زالت حاضرة على الساحة الدولية، وأن ما يُقال عن العزلة مجرد رواية غربية.

باختصار.. لا يمكن النظر إلى «إنترفيجن» و«يوروفيجن» على أنهما مجرد مهرجانين غنائيين.. فبين السطور والألحان، تُخاض حرب رمزية بأدوات ناعمة تعرضان رؤيتين وتوجهين متباينين للعالم.

 صُنع فى «روسيا»

إن مسابقة «إنترفيجن» ليست المثال الوحيد على سعى «روسيا» لإنشاء بدائل محلية للفعاليات الغربية. 

فمنذ اندلاع الأزمة مع «أوكرانيا»، وبدء العقوبات الغربية على «روسيا»، اتخذت «موسكو» مسارًا واضحًا يتمثل فى فك الارتباط التدريجى مع كل ما هو غربى، ليس فقط فى السياسة والاقتصاد؛ بل فى الثقافة وحتى منتجات الاستهلاك اليومى أيضًا. 

وشمل هذا التوجه إطلاق سلسلة من المبادرات، التى تستهدف خلق بيئة ثقافية واقتصادية مكتفية ذاتيًا، تخدم أهداف السيادة الوطنية، وتدعم الرؤية الروسية للعالم داخل شكل من أشكال الحرب الناعمة، التى تسعى «موسكو» من خلالها إلى بناء عالم روسى موازٍ، يرفض الهيمنة الغربية، ويعزز الاعتماد على الذات.

ففى مجال الفعاليات الدولية، أطلقت روسيا «ألعاب بريكس» كبديل عن المسابقات الرياضية العالمية، مثل: الأولمبياد وكأس العالم، التى تم استبعادها منها.. واستطاعت تلك الألعاب أن تجمع دولاً من التكتلات الصاعدة، مثل: «الصين، والهند، والبرازيل»، وغيرها.

أمّا فى قطاع الترفيه؛ فأنشأت «موسكو» منصات روسية بديلة عن خدمات البث العالمية، مثل (روتيوب - RuTube) لمنافسة (يوتيوب)؛ ومنصة (سبير-فيديو) كمحاولة لمواجهة (نيتفليكس)، إلى جانب تطبيقات موسيقية مثل (ياندكس ميوزيك) التى تقدم نفسها كبديل عن (سبوتيفاى)؛ كما أن هذه المنصات الروسية تلقت دعمًا حكوميًا مباشرًا.

وفيما يخص عالم العلامات التجارية؛ فكان الانسحاب الرمزى لسلسلة (ماكدونالدز، وستاربكس) الشهيرتين فرصة للكرملين لإطلاق بدائل محلية، مثل مطعم (فكوسنا إى توتشكا) ليحل محل (ماكدونالدز) فى جميع الفروع السابقة، و(ستارز كوفى) كبديل لـ(ستاربكس)، بشعار مشابه إلى حد كبير، وبتسويق وطنى يركز على الاستقلال.

يُذكر؛ أن هذا النهج امتد- أيضًا- إلى قطاعات أخرى، مثل الموضة والتجميل؛ إذ بدأت حملات مكثفة، من أجل دعم العلامات الروسية فى هذه الصناعات، إلى جانب تصدير منتجات تحمل الهوية الروسية، واستخدام شعارات مثل «صُنع فى روسيا»، و«من أجل روسيا».

ويُعد الهدف من كل ذلك، ليس ملء الفراغ الذى خلفه الغرب فحسب؛ بل إعادة تشكيل الثقافة الاستهلاكية الروسية من الأساس، بحيث لا تكون مرتبطة بعلامات أو رموز غربية؛ بل بمشروعات وطنية تحمل طابعًا سياسيًا وثقافيًا معًا.

فى النهاية؛ يمكن القول، إنه مع استمرار الصراع بين «روسيا» و«الغرب» على مختلف الأصعدة، يبدو أن المعركة على المسارح ستكون- أيضًا- جزءًا لا يتجزأ من هذا النزاع باستخدام القوة الناعمة.. فالموسيقى، وإن كانت بلا لغة موحدة؛ فإنها صارت تستخدم كوسيلة لصياغة خطاب دولى، وتثبيت سرديات، وتأكيد وجود.. وربما استعراض قوة.