الخميس 19 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ادعاءات تهز المجتمع الفرنسى وتصل إلى القضاء

معركة بريجيت ماكرون لإثبات أنوثتها

تعتبر قضية سيدة الإليزيه فى فرنسا «بريجيت ماكرون» واحدة من أغرب وأكثر القضايا العبثية التى واجهتها امرأة فى موقع عام ليس فقط بسبب طبيعة الادعاءات بل بسبب ما كشفته من هشاشة الخطاب العام فى عصر الشائعات الرقمية. فهذا النوع من الشائعات يحول الجسد الأنثوى إلى ساحة تحقيق ويجبر المرأة وأحيانا الأم على تقديم أدلة على أنوثتها وكأنها متهمة فى محكمة رأى عام لا تعترف بالكرامة أو الخصوصية.



شائعات دون دليل 

بدأت القصة عام 2017 بعد أن انتشرت سلسلة من الادعاءات المثيرة للجدل بشأن السيدة الأولى لفرنسا «بريجيت ماكرون» حين نشرت المدونة الفرنسية «ناتاشا راي» مقطع فيديو على منصة «يوتيوب» زعمت فيه أن «بريجيت» ليست امرأة بل هى نفسها شقيقها «جان ميشيل تروجنيوكس» بعد أن غير جنسه واسمه.

 وهذه المزاعم التى بدت فى البداية هامشية سرعان ما اكتسبت زخمًا واسعًا بعد أن كررتها «راي» خلال مقابلة مع الوسيطة الروحية «أماندين روي» عام 2021 فى فترة حساسة قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022. قدمت «راى» ما وصفته بدليل بصرى يتمثل فى صورة لطفل زعمت أنه «جان ميشيل» شقيق «بريجيت» الذى يشبهها فى ملامحه بشكل كبير محاولًة بذلك إضفاء مصداقية على روايتها دون إظهار أى أدلة رسمية.

وفى تطور آخر، أعادت المؤثرة الأمريكية اليمينية «كانديس أوينز» التى يتابعها أكثر من 4 ملايين مشاهد على منصة يوتيوب وحدها إحياء هذه الشائعات وكررت الاتهام بأن «بريجيت» ولدت رجلًا مؤكدًة أنها مستعدة للمراهنة  بـسمعتها المهنية بأكملها على صحة هذه النظرية. ورغم محاولات متكررة من فريق الرئيس الفرنسى للتواصل معها وطلب التراجع عن هذه التصريحات استمرت «أوينز» فى نشرها عبر منصاتها المختلفة على شبكات التواصل الاجتماعى ذات التأثير الواسع.

قضايا مثيرة للجدل

ومع انتشار هذه الادعاءات على الإنترنت وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعى، قرر الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» وزوجته اللجوء إلى القضاء ورفع دعوى تشهير ضد كل من «راي» والوسيطة الروحية. وفى سبتمبر 2024 أصدرت محكمة باريس حكمًا بإدانتهما معتبرة أن المزاعم تمس بسمعة السيدة الأولى وتشكل تشهيرًا علنيًا لكن القضية لم تنته عند هذا الحد إذ ألغت محكمة الاستئناف فى باريس الحكم فى يوليو 2025 مستندة إلى أن الادعاءات نشرت بحسن نية ولم تثبت نية التشهير وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول حدود حرية التعبير فى فرنسا خاصة عندما تتعلق بشخصيات عامة.

وفى نفس الشهر رفع «ماكرون» وزوجته دعوى تشهير مرة أخرى ضد المؤثرة الأمريكية «أوينز» أمام محكمة أمريكية فى ولاية (ديلاوير) واصفين هذه الخطوة بأنها الملاذ الأخير بعد عام كامل من الجهود غير المثمرة للتوصل لحلول سلمية. وأوضح محامى السيدة الأولى «توم كلير» أن الزوجين سيقدمان أدلة علمية وصورًا شخصية من بينها صور لـ«بريجيت» خلال فترات حملها وتربيتها لأطفالها بالإضافة إلى شهادات خبراء لإثبات زيف الادعاءات بشكل قاطع بعد أن تجاوزت القضية حدود الحياة الشخصية وأصبحت اختبارًا قانونيًا وسياسيًا لمدى قدرة الشخصيات العامة على حماية سمعتها فى عصر الشائعات الرقمية وذلك وسط جدل متصاعد حول حرية التعبير وحدود النقد ومسئولية المؤثرين فى تشكيل الرأى العام.

انتقادات حادة 

منذ بداية قصة الحب بين «بريجيت وماكرون» وُجهت لهما انتقادات حادة ليس بسبب فارق العمر الكبير بينهما حيث إنها تكبره بـ24 عاما بل لأن العلاقة بدأت عندما كانت معلمته فى المدرسة الثانوية. فقد كان «ماكرون» لا يزال فى سن الخامسة عشرة عندما بدأت قصة الحب بينه وبين معلمته «بريجيت» التى كانت تبلغ تسعة وثلاثين عامًا بل وكانت متزوجة ولديها أبناء حتى إن أحد أبنائها كان زميلًا لماكرون فى نفس الصف. اعتبر المجتمع الفرنسى علاقة ماكرون وبريجيت غير مقبولة حتى إن الجيران أرسلوا رسائل مجهولة المصدر لعائلة «بريجيت» وبعضهم بصق على باب منزلها ورفض أصدقاؤها التحدث معها. بينما صرحت «تيفانى» ابنة «بريجيت» بأن قصة حب والدتها مع شاب يصغرها بالعمر سببت لها حرجًا كبيرًا فى طفولتها لكنها أكدت فى الوقت ذاه أنها لا يمكنها أن تلوم والدتها أو زوجها الحالى على قصة حبهما مشيرًة إلى أنها تتقبل علاقتهما ولا تهتم اليوم بفارق العمر بينهما. 

 أما والدا «ماكرون»، فقد قررا نقله إلى مدرسة أخرى فى (باريس) بعد أن اكتشفا أن العلاقة ليست مع زميلته بل مع معلمته. لكن يبدو أن كل تلك المحاولات وحتى رفض لمجتمع لم يمنع هذه العلاقة من الاستمرار فقد اختار ماكرون وبريجيت أن يكللا قصة حبهما بالزواج ودعمت «بريجيت» زوجها حتى وصلا معً إلى قصر الإليزيه.

 ومن ناحية أخرى، واجه سكان الإليزيه انتقادات كبيرة بعد انتشار شائعات تدور حول تعرض الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» لعنف أسرى عقب تداول مقطع فيديو على نطاق واسع تظهر فيه «بريجيت» خلال صفعها لزوجها الرئيس الفرنسى داخل لطائرة قبل لحظات من نزولهما من الطائرة خلال زيارة رسمية إلى (فيتنام).وبينما أثار الأمر غضب البعض وسخرية البعض الآخر، وصف الإليزيه الحادثة بأنها مجرد مزاح بين زوجين. لكن كثيرين اعتبروا التوضيح محاولة للتغطية على خلاف حقيقى أو عنف أسرى حتى إن النائب الفرنسى «جان فيليب تانجوي» وصف تصريحات الإليزيه بأنها أكاذيب تليق بجمهوريات الموز مشيرً إلى أن الحكومة تلقى اللوم على الذكاء الاصطناعى والاستخبارات الروسية لتبرير ما لا يمكن تبريره.

مؤامرة سياسية 

 أشار الخبراء أن هذه الشائعات تُستخدم كأداة فى الصراعات السياسية عند الحاجة عندما تكون هناك مصلحة فى تشويه صورة الخصوم أو التأثير على الانتخابات. فهذه الادعاءات وإن بدت فى ظاهرها محاولات لكشف الحقيقة إلا أنها فى الحقيقة ما هى إلا محاولات للتشويه والنيل من الشخصيات المهمة فى توقيت محدد.

وتتسم معظم هذه الاتهامات بأنها بلا دليل ملموس فهى تندرج ضمن ما يعرف بــ«نظريات المؤامرة» خاصًة أن توقيت إطلاق هذه الادعاءات جاء قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية وهو ما يشير إلى محاولة التأثير على الرأى العام عبر استهداف الحياة الشخصية للرئيس وزوجته. والأكثر أن البعض اعتبرها واحدة من أهم أدوات اليمين المتطرف لتقويض شرعية الخصوم. ومن انبه، عبر الرئيس الفرنسى عن قلقه إزاء هذه الظاهرة واصفًا المعلومات الكاذبة بأنها الأسوأ لأنها تتسلل إلى الحياة الخاصة وتزعزع الثقة العامة. 

وهنا يجدر الإشارة إلى أن قضية «بريجيت» ليست الوحيدة بل تأتى ضمن سلسلة من حملات التشويه الممنهجة التى طالت نساء مؤثرات فى مجتمعاتهن.فقد تعرضت «ميشيل أوباما» خلال فترة ولاية زوجها الرئيس الأمريكى الأسبق «باراك أوباما» لادعاءات مشابهة حيث انطلقت شائعات عبر الإنترنت تزعم أن «ميشيل» رجل متحول جنسيًا.. وهى ادعاءات لا تستند إلى أى دليل لكنها وجدت طريقها إلى منصات التواصل الاجتماعى وتكررت على لسان شخصيات مثل «أليكس جونز». كما ألمح الرئيس الأمريكى الحالى «دونالد ترامب» إلى تلك الادعاءات فى بعض منشوراته.

أما «جاسيندا أرديرن» رئيسة وزراء (نيوزيلندا) السابقة فقد فوجئت باتهامها بأنها رجل متحول بعد إعلان حملها، الذى غيّر المفاهيم السائدة فى العالم حول معنى أن تكون أمًا عاملة فى منصب مهم وحساس. ومثلما حدث مع «ميشيل أوباما» و«بريجيت ماكرون» جاءت اتهامات «جاسيندا» بدون أدلة نهائيا.

وفى الحقيقة أن ادعاءات التشكيك فى الجنس أو المظهر ما هى إلا أداة تهدف إلى إذلال النساء الناجحات وإقصائهن وهذه الأنواع من القضايا لا تعتبر مجرد معارك قانونية بل هى مرآة تعكس أزمة ثقافية عميقة حيث تصبح المرأة مهما كان منصبها عرضة للتشكيك حتى إنه يُطلب منها أن تُثبت ما لا يجب إثباته أصلًا.. أنها امرأة.