الثلاثاء 16 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

3 سنوات من الصدمات المتتالية تهز العالم الأزمة الاقتصادية الأسوأ فى العصر الحديث

قبل ثلاث سنوات، كان العالم يحبس أنفاسه فى مواجهة التطور السريع لفيروس كورونا وتأثيره على البشرية. لكن، لم يكن هناك ما ينذر بأن الاقتصاد العالمى سيتحول رأسًا على عقب فى غضون شهور قليلة. ومن المثير للريبة أن احتمال حدوث ركود كبير يشهده العالم فى وقت السلم لم يخطر ببال أحد، والأمر نفسه لأسعار الطاقة والسلع التى سجلت مستويات قياسية، أو أن تضطرب سلاسل التوريد إلى مستويات لا يمكن تصورها.. والأغرب، أنه لم يتوقع أحد أن العولمة نفسها- التى لم يتمكن أحد من وقفها لعقود- أن تصبح موضع تساؤل!!



عليه، قامت صحيفة «إل بايس» الإسبانية بسؤال عدد كبير من الباحثين وخبراء الاقتصاد الدوليين لفهم وضع الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، ومقارنتها بالأزمات السابقة؛ محاولين التنبؤ بالمستقبل القريب للاقتصاد العالمى.

 

أزمة العصر

إن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، هى نتيجة لسلسلة من الأسباب المتتالية المعقدة والمترابطة.. فالجائحة، والأزمة الروسية الأوكرانية، وارتفاع نسب التضخم المتسارعة، هى حلقات معقدة، من النوع الذى مهما كان بعيد الاحتمال، تظل فى الذاكرة الجماعية لعقود. وذلك، لظهورهم فى فترة قصيرة بصورة نادرة. 

أكد هذا الكلام الباحث فى معهد «بروكينجز»، «جيان ماريا ميليسى- فيريتى»، وذلك بعد تصريحات مماثلة أقرها العاملون فى صندوق النقد الدولى، إذ قال «فيريتى»، إن «السنوات الثلاث الماضية كانت الأكثر وحشية فى تاريخ الاقتصاد الحديث».

واتفق معه الخبير الاقتصادى «أنجيل أوبايد»، حيث وصف ما حدث بأنه شىء «شاذ تمامًا»؛ مضيفًا أن الأزمات الثلاث، هى أمر يحدث مرة كل 100 عام، خاصة وأن كلًّا منهم وقع فى فترة زمنية قصيرة جدًا؛ مؤكدًا أنه نتيجة لذلك، حدثت مجموعة من الصدمات الاقتصادية والسياسات التى جعلت الأوضاع مختلفة تمامًا بشكل نادر.

من جانبه، أوضح الباحث فى مركز الأبحاث الاقتصادى «أركانو» الإسبانى «ليوبولدو تورالبا» أن السنوات الثلاث الماضية كانت ذروة عدم القدرة على التنبؤ بمجريات الأحداث، مؤكدًا أنهم لم يشهدوا- أبدًا- الكثير من هذه التقلبات، والتشتت فى جميع المتغيرات الاقتصادية؛ بينما قال رئيس قسم التحليل الاقتصادى فى بنك «بلباو فيزكايا أرجنتاريا»، «رافائيل دومينيك»، إن هناك عدة أجيال منهم لم تشهد- أبدًا- سلسلة من الأحداث المتسلسلة، مثل تلك التى تحدث فى الوقت الحالى

 هل يشبه اليوم البارحة؟

أفاد البروفيسور فى كلية لندن للاقتصاد «جوان روزيس»، بأنه يتعين على المرء أن يعود إلى السنوات التى تلت الحرب العالمية الأولى مباشرةً، ووباء الإنفلونزا عام 1918، للعثور على فترة شبيهة للحالية؛ قائلًا: «فى الوقت الحالى، لا يوجد دمار فى رأس المال، وانكماش فى القوة العاملة، مثلما كان الحال آنذاك.. لكننا نشهد شيئًا مشابهًا، وهو التضخم الذى استمر لعدة سنوات، وتدمير شبكات التجارة الدولية».

من جانبها، أكدت رئيس قسم التحليل السابقة فى البنك الدولى «آن كروجر»، أنه رغم وجود فترات قاسية أخرى، إلا أن ما حدث فى السنوات الثلاث الماضية، هو بالتأكيد غير مسبوق».

فى المقابل، لم يتفق معهما الباحث فى معهد «بيترسون»، «أوليفييه بلانشارد»، إذ أوضح أن الأزمة المالية العالمية لعام 2008، كانت أكثر ضراوة، وأصعب فى السيطرة عليها من الوقت الحاضر. 

رأى مشابه، أشارت إليه المؤرخة الاقتصادية فى جامعة مدينة نيويورك «ليتيسيا أرويو»، التى قالت إن: «العالم يعتقد أن ما يحدث الآن أسوأ. ولكن فى القرن العشرين عاش العالم أوقاتًا مضطربة للغاية، منها: حربان عالميتان، وكساد، ووباء آخر حدث فى عام 1918».

> إلى أى مدى وصلت أزمات ثلاث سنوات متتالية؟

كما أشرنا من قبل، مر الاقتصاد العالمى بصدمات سريعة فى ثلاث سنوات فقط. ولكن، لحسن الحظ، لم ينتهى به الأمر إلى الانهيار حتى الآن، ومنها: أولًا: ارتفاع أسعار الفائدة لأكبر نسب منذ نصف قرن. 

فخلال العقود القليلة الماضية، قامت الاقتصادات الرئيسية، وفى مقدمتها «أوروبا، والولايات المتحدة، واليابان»، بإغراق الأسواق بالسيولة ورأس المال للخروج من المصاعب، بهدف تحفيز الاستثمار والطلب، وعندها كان سعر الفائدة الطبيعى ينخفض بالفعل منذ ثلاثين عامًا. لكن، تلك الفترة من المعدلات السلبية شوهت تمامًا أساسيات الاقتصاد، حسبما وصف البروفيسور بجامعة «بومبيو فابرا» الإسبانية «خوسيه جارسيا مونتالفو». 

وأشار إلى أن البندول تأرجح من طرف إلى آخر فى غمضة عين، وذلك بعد إنهاء قيود مكافحة كورونا، التى أدت إلى تحرير مدخرات بنسب وصلت إلى أبعاد تاريخية، فى وقت تعطلت فيه الخدمات اللوجستية، وأرست الأسس لارتفاع نسب التضخم، الذى تفاقم لاحقًا، بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، وهو ما أسفر عن انتهاء سياسة أسعار الفائدة المنخفضة، فعلى سبيل المثال، شددت رئيسة البنك المركزى الأوروبى «كريستين لاجارد» على مواصلة مسار الارتفاعات الكبيرة فى أسعار الفائدة، بوتيرة ثابتة، لمستويات تقييدية كافية، لضمان عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2٪.. ويذكر فى هذه النقطة أن تضخم «الاتحاد الأوروبى» سجل فى يناير الماضى 8.2%.

يبقى التساؤل الذى يحير الرأى العام العالمى فى هذه القضية خلال الوقت الحالى، ما إذا كان هناك خطر من أن تؤدى هذه الارتفاعات فى أسعار الفائدة إلى الركود؟ 

ثانيًا: اضطراب سلاسل التوريد الى أدى للتشكيك فى العولمة. 

أدت تداعيات الوباء، فى ظهور مجموعة جديدة من الأزمات، كادت تصل لانهيار غير مسبوق فى سلاسل التوريد العالمية، التى كانت تمنح المستهلكين إمكانية الوصول إلى منتجات مصنعة على بعد آلاف الأميال من منازلهم. فعلى سبيل المثال أدى نقص صنع الرقائق، وزيادة أسعار شحن الحاويات خمسة أضعاف على الأقل فى عام واحد، إلى صعوبة شديدة فى الحصول على منتجات كهربائية أو تكنولوجية حديثة؛ وما زاد الأمر صعوبة هو استمرار تلك الأزمة نتيجة لتداعيات العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا». 

أدت أزمة اضطراب سلاسل التوريد عالميًا لتغير عقلية العمل والتخطيط، إذ صارت العولمة نفسها -العملية التى أحدثت أكبر تغيير فى الهيكل الاقتصادى العالمى فى العقود الأخيرة- قيد المناقشة والبحث، وهو ما أشار إليه المدير التنفيذى السابق لصندوق النقد الدولى «أليخاندرو ويرنر»، إذ قال: «فجأة، أدركنا أن إحضار سفينة من أقصى الشرق الآسيوى إلى الموانئ الأمريكية صار أمر غير مؤكد»؛ مرجحًا أن العالم يتجه نحو عولمة إقليمية.

من جانبه، رأى البروفيسور بجامعة كاليفورنيا «بارى آيتشنجرين» أن هناك القليل من الأدلة لدعم تراجع العولمة، متوفعًا أنه بدلًا من ذلك، قد يشهد العالم إعادة تنظيم للاقتصاد العالمى، بسلاسل إمداد أقصر وأكثر تنوعًا؛ بينما توقع نائب رئيس «مركز البحوث الاقتصادية والسياسية» الأوروبى «أوجو بانيزا»، أن تكون هناك توترات وانتكاسات مؤقتة، تسفر عن تكتلات تجارية إقليمية جديدة.

فى النهاية، يبدو أن توقعات الباحثين وخبراء الاقتصاد- التى يشوب غالبيتها النظرة السلبية للاقتصاد بشكل عام- تأتى مدعومة بالحالة السلبية للاقتصاد العالمى، والتى يعد أحدث مظاهرها، هو انهيار البنوك الأخير، مثل «سيليكون فالى»، وما تلاه من انهيار بنك «سيجنتشر»، و«سيلفر جيت»، التى تقدر أصولها بمليارات الدولارات، والتى رآها المحللون الاقتصاديون مرحلة جديدة فى الأزمة الاقتصادية العالمية.

وجاءت تلك الأزمة الأخيرة فى وقت أجمعت فيه معظم المؤسسات الاقتصادية الدولية على دخول الاقتصاد العالمى فى تراجع حاد، كما شهدت نهاية عام 2022، وبداية 2023 صدور العديد من التقارير الاقتصادية الدولية حول الآفاق الاقتصادية القريبة، والتى برزت فيها كلمتا «التضخم»، و«الركود».

فعلى سبيل المثال، أشار أحدث تقرير للبنك الدولى عن الآفاق الاقتصادية العالمية، إلى أن معدل النمو العالمى سيتباطأ بشدة ليصل إلى 1.7% فقط خلال 2023؛ بينما أفاد تقرير (صندوق النقد الدولى) لعام 2022، الذى جاء تحت عنوان «أزمة فوق أزمة»، بأن الاقتصاد العالمى يواجه- حاليًا- أكبر اختبار يتعرض له منذ الحرب العالمية الثانية. 

هذا بالإضافة إلى كم التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية، التى تنبأت بركود الاقتصاد العالمى، فى ظل الانعكاسات المباشرة جراء تداعيات الوباء، والأزمة الروسية الأوكرانية، خاصة مع الارتفاع الحاد لأسعار الغذاء والوقود مع تضرر سوق الطاقة والحبوب، والتى يضاف إليها اتساع نطاق التضخم، الذى ترتب عليه توسع حجم الهشاشة الاقتصادية فى العديد من البلدان حول العالم.